بقلم:
فهمي هويدي
4 اكتوبر 2009
09:42:56 ص
بتوقيت القاهرة
جريمة الشرطة أكبر
فى حادث قتل مدير المباحث الجنائية بالسويس، يبدو أننا صرنا بإزاء جريمتين وليس جريمة واحدة. الأولى ارتكبها الجانى عيد المرشدى بقتله الضابط الشهيد، والثانية أقدمت عليها القوة الأمنية التى ضبطت المتهم وقتلته رغم أنه لم يشتبك معها.
هذا الكلام ليس من عندى، ولكنه يستند إلى تقرير الطبيب الشرعى الذى نشرت «الشروق» خلاصة له على صفحتها الأولى يوم الجمعة 2/10. إذ قال الخبر المنشور ما نصه: كشف تقرير الطب الشرعى فى مصرع قاتل اللواء إبراهيم عبدالمعبود عن مفاجأة كبيرة، وهى أن سلاح القتيل عيد المرشدى لم تطلق منه رصاصة واحدة خلال عملية المداهمة، ولم يكن مهيأ من الأساس لإطلاق الرصاص.
وأن أفراد القوة الأمنية المشاركين فى ضبط المتهم لم يصب أحد منهم برصاصة واحدة من سلاح القتيل. وأضاف التقرير أن المتهم تلقى أكثر من 20 طلقة استقرت بمناطق مختلفة بجسده على نحو عشوائى وكثيف.
هذا الكلام إذا صح فإنه يعنى أن الشرطة قامت بتصفية الرجل بغير مبرر. فى الوقت ذاته فإنه يتناقض مع التقارير التى دأبت الصحف المصرية على نشرها منذ تم ضبط المتهم يوم الثلاثاء الماضى 29/9. وهى التى ظلت تؤكد أنه حين شعر بوجود قوة الشرطة فإنه سارع إلى إطلاق النار عليها محاولا الهرب، ولكنها تبادلت معه إطلاق الرصاص حتى اردته قتيلا.
ولا يحتاج المرء لبذل جهد لكى يستنتج أن الروايات التى نشرتها الصحف مصدرها رجال الشرطة أنفسهم. الذين حرصوا على تغطية موقفهم وإبراء ذمتهم فى المسئولية عن القتل.
تقرير الطبيب الشرعى يشير بوضوح إلى أن الشرطة سعت إلى الثأر من الرجل والانتقام منه، ولم تسع إلى القبض عليه وتقديمه إلى العدالة. بالتالى فإنها نفذت فى حقه حكم الإعدام بلا محاكمة، وفى الوقت نفسه فإنها أهدرت قيمة القانون واعتدت على مؤسسة العدالة فى البلد. فضلا عن أنها فوتت فرصة التحقيق مع الرجل والتعرف على أسرار شبكات تهريب المخدرات فى سيناء.
أرجو ألا أكون بحاجة إلى التذكير بأنه ليس لدى أى تعاطف مع الجانى، وأن عواطفى الحقيقية مع الضابط الشهيد الذى دفع حياته ثمنا لأداء واجبه، ومع أسرته التى حرمت منه. فى الوقت ذاته فليس لدى دمعة واحدة أذرفها على شخص المرشدى، ولدى اقتناع بأنه يستحق الإعدام إذا ما ثبتت مسئوليته عن قتل الضابط.
لكننى فى الوقت ذاته لا أخفى شعورا بالصدمة والخوف من أن تقوم الشرطة بقتل الرجل الذى لم يقاومها، جراء اتهامه بالفعلة الشنعاء. ولا أتردد فى القول بأنه إذا ما ثبت حقا أن الشرطة أقدمت على تصفيته، فإن ما فعلته يعد بدوره جريمة قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد. وهو ما يستلزم حسابا للمحرضين على القتل والمنفذين له.
والصدمة هنا تكمن فى قيام الشرطة بالقتل خارج القانون. وأكرر أن هذا ليس دفاعا عن القاتل ولكنه دفاع عن القانون، أما الخوف فراجع إلى القلق إزاء ذلك التغول الذى عبر عنه سلوك الشرطة حين ذهبت بعض عناصرها بعيدا فى إهدار قيمة القانون وعدم الاكتراث بحياة الناس وكرامتهم. وهو سلوك استشرى فى ظل استمرار قانون الطوارئ الذى أطلق يد الشرطة بأكثر مما ينبغى. حتى تصورت بعض قياداتها أنها فوق القانون وبديلة عنه.
إن حجم الجريمة يقاس أحيانا بقيمة ووزن فاعلها. وما قام به الجانى ــ إذا ثبت ــ يظل تصرفا منسوبا إلى شقى هارب من العدالة وخارج على القانون. أما ما نسب إلى الشرطة ــ إذا ثبت أيضا ــ فإنه يصبح وصمة فى سجل المؤسسة المنوط بها الحفاظ على الأمن وحماية القانون.
من هذه الزاوية أزعم أن الجرم الثانى أكبر من الأول وأنه لا سبيل إلى مداواة هذا الجرح وطى صفحته إلا إذا تمت محاسبة الذين قتلوا الرجل قبل محاكمته وإدانته من قبل القضاء. إذ بذلك فقط يطمئن الناس إلى أنهم فى بلد يحكمه القانون، وليس ثقافة العصبيات وأساليب العصابات.