اجعل الشروق صفحتك الرئيسية| الجمعة 3 سبتمبر 2010 مـ - 24 رمضان 1431 هـ | RSS

الشروق

 مقالات وأعمدة


بقلم: محمد محمود الإمام

20 يناير 2010 10:38:08 ص بتوقيت القاهرة

تعليقات: 6

أكذوبة التنمية برأسمال أجنبى

 تعانى الدول محدودة الدخل من عدم القدرة على تدبير مدخرات تكفى لتمويل الاستثمارات اللازمة للتوسع فى إنتاج ما يلزم لإشباع حاجات شعوبها ورفع مستوى معيشتهم. وفى نفس الوقت قد تجابه برءوس أموال تتدفق من خارجها على استثمارات فى مجالات لم تكن تمثل لها حاجة ملحة، ولكنها ذات أهمية خاصة لدى المستثمرين.

من تلك المجالات القطاعات الأولية، زراعية أو منجمية، تهم أصحاب رءوس الأموال، فترضى بها على أمل أن تصدر منتجاتها للحصول على نقد أجنبى يمكنها من شراء مواد ضرورية للحياة. فى هذا النطاق أنفقت بريطانيا على بحوث القطن المصرى لتغذى به مصانعها، فارتبطت مصالح الإقطاع المصرى والخاصة الملكية بمصالحها فأصبحا عونا لها على بسط «حمايتها» على أرض الكنانة.

وتسابقت ــ ولاتزال ــ الاستثمارات على البترول العربى وفق شروط تمكنها من نهب عائداتها، وضمان استمرار تدفقه فى شرايين الاقتصادات التى انطلقت منها بدراهم معدودة لتعود فتستردها ثمنا لمنتجات تصدرها إلى الدول المنتجة للبترول.

وتجنى من ذلك أربعة منافع: (أ) الحصول على طاقة رخيصة تدفع بها عجلة النمو لديها دون أن تحدث نشاطا إنتاجيا حقيقيا فى اقتصادات الدول المنتجة للبترول، (ب) وتشغيل مصانعها وتوظيف عمالها فيما تصدره إلى هذه الدول من سلع صناعية تغالى فى أسعارها، (ج) واسترداد باقى ما دفعته ثمنا للبترول من خلال ما تصدره لها وهو أساسا استهلاكى بذخى، (د) فإذا بقى منه شىء فهناك مؤسساتها المالية تتفنن فى امتصاصه فى استثمارات مالية. وتصبح هذه الأموال رهينة لديها، عرضة للتجميد لأسباب سياسية تصطنعها، أو التآكل بسبب التضخم المتوالى لديها، أو للذهاب أدراج الرياح ضحية للأزمات التى تعتبر من أركان النظام الرأسمالى العالمى.

وعندما انتزعت المستعمرات استقلالها عقب الحرب العالمية الثانية، وجدت أن اقتصاداتها تم هيكلتها بحيث توفر مواد أولية رخيصة للدول الصناعية التى استعمرتها وتشكل أسواقا لمنتجاتها المصنعة، بدعوى أن هذا يفرضه تخصص كل من الطرفين فيما له ميزة نسبية فيه.

وتحت ستار قوانين السوق، استخدمت آلية التضخم المتوالى للمبالغة فى أسعار المنتجات الصناعية، وآلية الركود لخفض الأسعار النسبية للمواد الأولية. وترتب على ذلك تزايد فى عجز موازين مدفوعات الدول الفقيرة، حد من قدرتها على تنمية اقتصاداتها بالقدر الكافى لتعويض ما فاتها فى ظل الاستعمار. فكان لا بد من تولى حكوماتها زمام الأمور فى قضية التنمية، وأن تدبر الموارد المالية الشحيحة، خاصة ما هو بالعملات الأجنبية، عن طريق قروض تقدم الدول الصناعية جانبا منها، فتعود عليها ثمنا لمعدات رأسمالية ومستلزمات إنتاج وخبرات فنية منها، وتبقى القروض دينا يرد مع فوائد عليه، فيقتطع من حصيلة تصدير كان يفترض فيها أن تلبى حاجات ملحة للتنمية.

ومن البديهى أن الدول المقرضة لم تكن تقبل تمويل تنمية ذات شأن، وهى تفرض من خلال الحاجة لأموالها شروطها السياسية رغم تكرار مطالبة الأمم المتحدة بعدم اللجوء لهذا الأسلوب.. وقصة السد العالى الذى نحتفل بعيده الخمسينى هذه الأيام تغنى عن البيان. وتكتشف الدول النامية أن الفوائد على ديونها تستنزف الزيادة التى كانت تطمع حدوثها فى دخلها القومى، فإذا استردادات القروض السابقة تفوق تدفقات القروض اللاحقة، وتتحول الدول النامية إلى مصدرة للمال إلى الدول المتقدمة. وبحجة مكافحة التضخم، رفعت أسعار الفائدة أضعافا مضاعفة، فإذا المديونية توقف التنمية فى الثمانينيات، وتحاصر دولا أفريقية حتى الآن معرضة إياها للفناء.

ومع زوال المعسكر الاشتراكى فى التسعينيات، انطلقت الليبرالية المحدثة من عقالها مدعية أن الأفضل للدول النامية أن تحصل على استثمار أجنبى مباشر ليأتى بالمال والمعرفة معا.

فى نفس الوقت فإن إنشاء أسواق لرأس المال يسمح لمن لديهم مدخرات (أو ما يطلق عليهم مستثمرين) بأن يشتروا بها أوراقا مالية وهو ما يتيح لأصحابها الحصول على أموال بعملات أجنبية يمكنهم توجيهها لمشروعات (استثمارات عينية) جديدة. وقد أثبتت تجارب دول عديدة، بما فى ذلك دول جنوب شرق آسيا قبل عشر سنوات، أن الأموال التى تأتى عن هذا الطريق يغلب عليها طابع المضاربة بشراء ما تتوقع ارتفاع ثمنه فى وقت قصير، وتنتقل من مكان لآخر وراء الربح الأعلى، ولذلك فهى «أموال ساخنة». وهى تفر عند أول بادرة بالخسارة تاركة ضحاياها المحليين يواجهون الإفلاس. وقد شاهدنا مؤخرا نماذج من هذا النوع فى البورصة المصرية، والبورصات العربية والعالمية. ويقدر ما أضاعه العرب نتيجة الأزمة العالمية الأخيرة بمبلغ 2.5 تريليون دولار، أى ما يقارب ضعف دخلهم القونى، بواقع 8000 دولار لكل فرد عربى.

ومع انتشار عمليات الخصخصة سنحت فرص لرأس المال الأجنبى للاستحواذ على منشآت قائمة فعلا، لا تمثل استثمارا جديدا، ولكنها تستولى على أصول عينية قائمة بدعوى أنها قادرة على إحسان إدارتها، إذا ما تيقنت من أنها لن تكون معرضة للتأميم، ومن الاستعداد لتنفيذ مطالبها بشأن تطوير الإدارة. من جهة أخرى فإن الاستثمار المباشر يفترض فيه أن ينشئ مشروعات جديدة، إما لعدم توفر رأسمال نقدى محلى، أو لأنها تحتاج إلى معرفة تقنية غير متاحة، ويؤدى جلبها إلى تعزيز القدرة التنافسية لمنتجاتها فى الأسواق المحلية والخارجية. وحتى يفيد هذا الاستثمار ويقبل الاستمرار فى ممارسة نشاطه الإنتاجى، يجب أن يتوفر ما يسمى المناخ الملائم للاستثمار، وأول بنوده حرية حركة القطاع الخاص، وتوفر البنية الأساسية المناسبة التى تزوده بالمرافق المطلوبة لعمليات الإنتاج والتسويق. وهو إما للانتفاع بمواد أولية متاحة محليا بأسعار متدنية، أو لجعل نشاطه معتمدا على مستلزمات يتحكم فى مصادرها فى الخارج، حتى ولو كان لها مثيل محلى. وأهم من ذلك أنه يأخذ فى اعتباره انخفاض أجور العمال المحليين وما قد تمنحه الدولة من حوافز ضريبية، مما يجعله لا يدقق فى خفض التكاليف الأخرى إلا بالقدر الذى يترك له ربحا مجزيا، يفوق ما يحصل عليه فى دولة منشأة أو فى مكان آخر. ومن ثم فهو يتأكد من حرية تحويل أرباحه للخارج مسترجعا بذلك جانبا مما أدخله من نقد أجنبى، سرعان ما يتجاوز فى مجموعه ما أتى به من هذا النقد، ويظل دائنا للدولة بكامل حقوق المساهمين، التى قد تكون قد تضاعفت أثناء تطور نشاطه. فلو قدر صافى ما يحوله رأس المال الأجنبى من أرباح بما يوازى 10% من قيمته، فإن معنى ذلك أنه يستعيد قيمة رأس المال بالكامل فى عشر سنوات، وهو ما يعنى أن ما يخرج من الدولة بعدها يعادل ما يدخلها، وبعد ذلك يفوق ما يخرج من الدولة من نقد أجنبى ما يدخل إليها منه.

وتشهد بذلك تجربة البرازيل التى كان يضرب بها المثل بالانفتاح أمام الاستثمار الأجنبى، فوجدت نفسها فى النهاية غارقة فى ديون لسداد متطلبات المستثمرين الأجانب. وكانت من الدول التى تفجرت فيها أزمة المديونية فى أوائل الثمانينيات.

ويثير هذا أمورا عدة: هل يفد رأس المال الأجنبى فى مجالات تتفق مع أولويات التنمية القومية، أم يسيطر على النشاطات التى توجه التنمية والتى تتميز بتعقد محتواها التكنولوجى، ويترك لرأس المال المحلى مجالات غير مربحة؟ هل يمتلك أصولا محلية، وبخاصة الأراضى، ليدخل مضاربا فى سوق العقارات؟ هل هو حقا جاد فى تعزيز القدرة التصديرية وليس مجرد طامع فى السوق المحلية الواسعة؟ هل يراعى متطلبات استقرار نشاط التشييد، أم يبذر فى تكاليف الإنشاءات ملهبا سوقى الحديد والإسمنت لترتفع تكاليف الاستثمار المحلى والإسكان؟ هل وضعت معدلات وفود رأس المال فى إطار منظور زمنى يكفى لوقوف الاقتصاد الوطنى على قدميه، وإنهاء الاعتماد عليه؟

هل لدى السيد وزير الاستثمار إجابة يتسع وقته بين جولاته المتتالية لإعدادها؟ وهل السيد وزير التنمية الاقتصادية معنى بالأمر أصلا؟

عدد التعليقات : 6

6
بواسطة: محسن توفيق

اثتثمار اية ؟ هاتوا لى مشروع اثتثمارى واحد للانتاج جاب فلوسة من الخارج

الاربعاء 20 يناير 2010 4:43 م

دول كلهم عصابة او مافيا لنهب ثروات مصر - دولة مثل كوريا الجونية مثلا ارادت بناء صناعة سيارات متقدمة - فطلبت من الشركات الاجنبية بناء مصانع سيارات لشركة كيا على ارض كوريا لم تكن موجودة من قبل وانتجت سيارات الركوب والنقل وصدرت للخارج وطورت واضافت للناتج القومى - ولكن الحالة فى مصر تختلف - انت بتبيع مصانع قائمة ومنتجة لاجانب ولم يضيفوا شيئا للاقتصاد ولا الناتج القومى ولم يضيفوا اى اثتثمارات جديدة - انت امام تنظيم عصابى لنهب ثروات البلد

5
بواسطة: ahmed abdel azeem

اضحوكة الميزة النسبية

الاربعاء 20 يناير 2010 4:10 م

كلامك صحيح مائة بالمائة.خصوصا فيما يتعلق بالميزةالنسبية ونظرية التجارة الدولية بشكل عام.خصوصا وان كثير من الاقتصاديين الذين روجو لهذه المفاهيم كانو دائما من دول استعمارية وكانت نظريات التجارة الدولية دائما المقصود بها تقنين النهب من الدول المستعمرة . وياليت وزير الاستثمار يتعلم من تجربة البرازيل والنمور الاسيوية. ولكن لا حياة لمن تنادى اصبحنا نرفض مجرد مناقشة الرأسمالية كنظام يحتمل بعض الخطأ وبعض الصواب وتم التعامل مع الرأسمالية كنظام الهى

4
بواسطة: محمد البدري

ايه الكلام ده؟

الاربعاء 20 يناير 2010 3:04 م

ويا تري اللي حصل في العالم شرقا وغربا براس المال الاجنبي كان تنمية ولا لعب عيال؟ كوريا تايوان ماليزيا جنوب افريقيا وااليابان والمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. وايه رايكم في اسرائيل اللي المعونات الامريكية هي اصل راسمالها؟ انا ممكن اصدق كلام المقال لو ان المنطقة العربية الاسلامية فيها ثقافة علمية واحترام للعمل. لكن للاسف نحن نعيش في ماساه.

3
بواسطة: سعيد سعدون

مفيش راس مال اجنبى - كل المثتثمرين بيقترضوا الفلوس من البنوك الوطنية !!!!!!!!!!

الاربعاء 20 يناير 2010 1:57 م

دة يا عزيزى وهم وضحك على ذقون الشعب من الجالسين على كراسى الحكم - بتوع مصانع الاسمنت مثلا اقترضوا من البنوك المصرية وبالقرض اشتروا المصانع من الحكومة - يعنى اخدوا المصانع ببلاش ومن مدخرات المصريين - واحمد عز عمل نفس الكلام - اخد قرض من البنك واشترى مصنع حديد الدخيلة من الدولة وباع الحديد بالسعر اللى هو عايزة - يعنى بيشتروا البلد بمدخرات المصريين - يعنى بياخدوا فلوسهم ومصانعهم ويحتكروا الانتاج ويقرفوا الشعب المصرى

2
بواسطة: عمار الشرقاوى

رأس المال الاجنبى هو الاستعمار بوجة جديد

الاربعاء 20 يناير 2010 12:53 م

استعمار الدول عن طريق الجيوش انتهى لانة مكلف جدا واستعمار الشعوب ونهب ثروتها عن طريق راس المال هو الاستعمار الجديد 0( فى نظر الاغبياء اثتثمار ) مثال واحد - مستعمر اشترى فندق الميرديان مثلا وشغل عمالة رخيصة مصرية وكسب 100 مليون دولار فى سنة - طبيعى ان يحول مكسبة الى بلدة الاصلية وبذلك تكون مصر خسرت 100 مليون دولار - وكذلك الاسمنت كل ارباح شركاتة بتروح لبلد راس المال اللى هى ايطاليا - مصر ايها السادة يتم نهبها نهارا جهارا

1
بواسطة: بين الاستغلال والاستهبال

أ ب التنمية بالاستثمارات الاجنبية

الاربعاء 20 يناير 2010 12:37 م

اى دولة محترمة تحاول جذب استثمارات اجنبية لابد وان يكون لديها رؤية واضحة اولها واهمها هو مستوى المعيشة الكريم للمواطن ...فكل دول العالم بها حد ادنى لاجر الساعة تفرض على المستثمر دغعة للعمالة بمشروعاتة فلا تكون هناك عقود استغلال للعمالة تحت اسم توفير فرص عمل ....ثانيا لابد ان تكون مشروعات للمستقبل وليس للماضى ..فبعد طرد الصناعات الملوثة من معظم الدول الصناعية نجدها الان تصب فى مصر ...مثلا مشروع اجريوم فى دمياط ..صناعة السيراميك ...مصنع حديد الدخيلة وما احدثة من تلوث لاحياء سكنية كاملة من مبانى سوداء منتشرة بالدخلية الى هواء ملوث الى مياه شواطىء ملوثة ببرادة الحديد ..ان كل ما ستكسبة الدولة لن يكفى فى المستقبل لاعادة علاج هكذا تلوث .

هل لديك تعليق؟

الاسم
البريد الالكتروني
عنوان التعليق
التعليق باقي حرف

لإرسال التعليق أعد كتابة الحروف والأرقام الموجودة بالصورة

- * بيانات يجب إدخالها
- التعليقات الواردة من القراء هي مسئولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع (سياسة نشر التعليقات)

  • CLIP Solutions تصميم و تطوير Weather.com خدمة الطقس بدعم من اتصل بنا | إعلانات | وظائف | شروط الاستخدام | عن الموقع موقع جريدة الشروق الإليكتروني © 2010 - جميع الحقوق محفوظة