بقلم:
مشرف الزيدي
25 مارس 2009
07:31:00 م
بتوقيت القاهرة
التسونامى التكنولوجى والسياسة فى العالم الإسلامى
يغذى المحللون السياسيون وخبراء الأمن الدوليون، على نحو يتسم بالهوس، وحش الإعلام الغربى المتلهف إلى القصة الإخبارية الساخنة التالية عن القاعدة أو حماس أو حزب الله أو عسكر طيبة. وبالطبع فإنك إذا عشت فى مجتمع مسلم، خارج «المنطقة الخضراء»، فسوف تعرف أن هناك حياة تتجاوز الخوف من الإرهاب الذى يستغرق انتباه واشنطن العاصمة ولندن وباريس وبرلين.
هنا، فى الحياة التى تتجاوز الإرهاب والمخاوف التى تغذيه، يجرى شىء على قدر شديد من العمق والدلالة. فالبلدان التى بها أغلبية ساحقة من المسلمين تغمرها ثورة الاتصالات التى تغير تركيبة المجتمعات المسلمة فى أنحاء العالم.
وتمر العلاقات بين الناس فى تلك المجتمعات بتحول أساسى فى ظل الحرية التى تمنحها الغفلة والراحة التى تقدمها أجهزة الاتصال الرخيصة التى تحرك هذا التحول.
ويجبر التحول بدوره المجتمعات على مواجهة العديد من المفارقات وأشكال النفاق والازدواجية التى تستغرق انتباه مجتمعات المسلمين منذ بداية القرن العشرين. وبينما نراوغ مع أصدقائنا فى الغرب فيما يتعلق بالمخطط الكبير التالى المناهض للإرهاب، يهزم الشباب المسلم كراهية الإرهابيين للنساء وقصر نظرهم بأدوات أشد ما تكون فى براءتها ورخصها وعدم ضررها.
خلال موسم أعياد الميلاد لعام 2008، تم تبادل ما بلغ عدده 6.37 مليار رسالة نصية عبر منطقة آسيا والمحيط الهادى، وهو ما يعد تحطيما للأرقام القياسية السابقة ويصيب خبراء الاتصال بالارتباك.
وكانت الفلبين برسائلها القصيرة البالغ عددها 2.36 مليار رسالة على رأس القائمة، غير أنه تلتها على القائمة ثلاث من أكبر دول العالم الإسلامية وأكثرها أهمية وهى إندونيسيا (1.2 مليار رسالة قصيرة) وماليزيا (مليار رسالة) وباكستان (ما يزيد على 670 مليون رسالة).
وتميل باكستان على وجه الخصوص إلى تحدى كل صورة مقولبة لها وللعالم الإسلامى فى الخارج، عندما يتعلق الأمر بالرسائل القصيرة. ففى الجمهورية الإسلامية، وفى يوم عيد الحب (الفالنتاين)، زادت الحركة بنسبة تتراوح بين 25 ٪ و30 ٪. وبالطبع ما زال المسلمون الباكستانيون يحتفلون بالأعياد الإسلامية بأكبر قدر من الحماس، حيث تزيد أعداد الرسائل القصيرة اليومية بنسبة تصل إلى 300٪ فى كل من عيد الفطر وعيد الأضحى.
لا يأتى التغيير من خلال التليفون المحمول فحسب. ففى مصر، قد يكون من المفيد الاحتفاء بتعايش «إم. تى. فى. أرابيا» و«فورشباب»، حيث تتنافس كل من القناتين على شريحة من أسرع شرائح الشباب فى العالم نموّا وأكثرها ربحية وهى شريحة الشباب العربى المسلم.
ويرى المتشددون على جانبى الخطاب الخاص بدور الإسلام فى الحياة العامة أن حروب الموسيقى والتليفزيون لعنة. من جهة يزيد النقاش الديمقراطى فيما بين المسلمين وبعضهم البعض، فى حين يتحول بالتدريج خطاب الملالى والشيوخ غير المسايرين للعصر والداعين إلى عدم التسامح من على المنابر، إلى الزوال.
يسارع المنتقدون والمشككون فى دور التكنولوجيا فى تغيير عالم المسلمين برفض حركة الرسائل القصيرة المتفجرة والتغير التقنى فى طريقة استغلال الأصوات الثقافية المتضاربة للإعلام. وهم يصرون على أن الأثر السياسى للتكنولوجيا ضئيل. ولكن ربما كان هؤلاء المنتقدون يبحثون عن أخبار التسونامى التكنولوجى فى العالم الإسلامى فى غير أماكنها الصحيحة.
إذا لم يكن التغيير التكنولوجى يتحدى الوضع القائم السياسى، فلم يكن هناك ما يدعو لأن تحاول حكومة باكستان «حظر» موقع اليوتيوب فى شهر فبراير من عام 2008. ومع أن الحظر كان فى ظاهره لضمان عدم الوصول إلى المواد التجديفية من خلال الإنترنت، فقد شك كثيرون فى أن السبب الحقيقى للحظر هو شعبية أفلام الفيديو التى تصور كبير القضاة المعزول فى البلاد وهو يتظاهر مع مؤيديه عبر البلاد فى موجات متلاحقة.
وبالطبع، فإنه حيثما يكون هناك عدم أمان وحظر على اليوتيوب، تكون هناك باستمرار دولة ذات أغلبية مسلمة. وتشمل قائمة الأقطار التى حاولت حظر اليوتيوب، المغرب (بسبب المواد المنتقدة لسياسة المغرب فى الصحراء الغربية)، وتركيا (بسبب المواد المعادية لكمال أتاتورك)، وإيران.
وبالطبع ليس لذلك علاقة بالدين، فالمعروف أن كلا من تايلاند والبرازيل حظرت اليوتيوب مرات مختلفة. وليس المهم هو حظر اليوتيوب فى الأقطار الإسلامية، بل هو أن وجود اليوتيوب يهدد قوى على قدر شديد من العمق على نحو يؤدى إلى محاولة فرض ذلك الحظر المثير للضحك.
بالطبع كان المعارضون المصريون موضع حديث المفكرين المسلمين طوال عقود. واعتقال مدونين مثل فيليب رزق ورامى السويسى وضياء الدين جاد نبيذ قديم فى زجاجة جديدة. ولكنها زجاجة جديدة مرعبة فيما يتعلق بالحرس القديم فى العالم الإسلامى أكثر رعبا بكثير من المهرجين الذين يعملون لدى السيد بن لادن.
والسرعة والكفاءة التى تعبئ بها حركة 6 أبريل فى مصر الرأى والأعداد هو تهديد واضح وقائم.
الطريقة التى يتم بها التعامل مع «التهديدات» طريقة مؤثرة. فعندما تحظر باكستان اليوتيوب فهى تساعد فقط فى تقوية إصرار المسلمين الإصلاحيين الشباب فى هذا البلد الذى يضم 172 مليونا على تحدى غباء الدولة.
وعندما تُجبر مصر على إطلاق سراح فيليب رزق بعد أربعة أيام من اعتقاله، يقتنع على الفور العرب الشباب الذين لم يحسموا أمرهم بقدرة الفيس بوك والمدونات على الحشد. إن التغيير ليس فى سبيله للوصول إلى العالم الإسلامى. بل إنه وصل بالفعل.