بقلم:
فهمي هويدي
31 مارس 2009
11:15:27 م
بتوقيت القاهرة
للكبار حسابات أخرى
الغياب المصرى عن قمة الدوحة صدم كثيرين وحير آخرين. ليس فقط لأن الأسباب التى تحدثت عنها بعض الصحف المصرية بدت غير مقنعة، ولكن أيضا لأن غياب «الشقيقة الكبرى» تم فى الوقت الذى يتحدث فيه الجميع عن «المصالحة العربية»،حتى ذهب التفاؤل بوزير الخارجية السعودى الأمير سعود الفيصل حدا جعله يعلن فى وقت سابق أن الخلافات العربية «دفنت».
وإذا أردنا أن نكون أكثر دقة فسوف نجد أن جسور التفاهم والصفاء امتدت بصورة نسبية بين سوريا والسعودية وقطر وليبيا، لكن تلك الجسور مازالت قاصرة عن تحقيق نفس القدر من الصفاء بين القاهرة ودمشق، وبينها وبين قطر.
وهو ما ترتب عليه مقاطعة الرئيس مبارك للقمة العربية فى دمشق التى عقدت خلال الصيف الماضى، ومقاطعته وسعيه لإفشال القمة التى دعت إليها الدوحة بعد العدوان الإسرائيلى فى غزة.
وإذا صحت التقارير التى أذيعت مؤخرا، فإن الرئيس مبارك أبدى تحفظا على مشاركة قطر فى القمة الرباعية التى دعت إليها السعودية وعقدت بالرياض فى أوائل الشهر الحالى. ولم يحضر وزير الخارجية المصرى مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذى سبق قمة الدوحة الأخيرة، كما لم يحضر وزير التجارة المصرى اجتماع المجلس الاقتصادى والاجتماعى الذى انعقد بالعاصمة القطرية فى ذات الوقت.
وغياب الرئيس المصرى عن القمة العربية أدى إلى غيابه عن القمة العربية اللاتينية التى عقدت مباشرة بعد القمة العربية.
هذا الغياب المصرى المتكرر عن أكثر من محفل عربى مهم خلف فراغا شغله آخرون، وأعطى انطباعا للمعنيين بأمر العمل العربى المشترك بأنه ينبغى عليهم أن يتكيفوا مع هذا الوضع، بحيث يواصلون السير فى غياب مصر. التى مابرحت تتحدث فى بعض المحافل عن دورها «الريادى» فى العالم العربى.
غياب الرئيس المصرى عن قمة الدوحة لم يقدم له أى تفسير رسمى، باستثناء ما قاله السفير حسام زكى المتحدث باسم الخارجية المصرية من أن الذين يخاطبون مصر باعتبارها «الشقيقة الكبرى» عليهم أن يخاطبوها بصورة تتناسب مع الاحترام الواجب لمقامها.
وهو ما أعطى انطباعا بأن مصر الرسمية مستاءة من أسلوب تعامل الدوحة معها. وهو المعنى الذى عبرت عنه اجتهادات متعددة ظهرت فى الصحف القومية، تحدثت عن تخطى قطر لمصر فى عدة ملفات، يتقدمها الملفان الفلسطينى والسودانى، كما تحدثت عن دور قناة «الجزيرة» والآراء الناقدة للسياسة المصرية التى تبثها على ألسنة ضيوفها، خصوصا تلك التى صدرت أثناء العدوان على غزة، وسببت ضيقا وإحراجا شديدين لمصر. هناك أيضا من أشار إلى استضافة قطر للدكتور سعدالدين إبراهيم الذى لا يكف عن التنديد بالسياسة المصرية حيثما ذهب..
قلت لأحد الدبلوماسيين المخضرمين إن مثل هذه الأسباب ــ إذا صحت ــ فلا ينبغى أن تمنع دولة كبيرة بحجم مصر من حضور القمة العربية، وأن الكبار حقا ينبغى أن يستعلوا فوق الأمور الفرعية والصغيرة، بحيث ينطلقون فى مواقفهم من تقديرهم للمصالح الاستراتيجية العليا لبلادهم.
وهو ما يذكرنا بحكاية الشارع فى طهران، الذى مازالت اللافتة المعلقة عليه من أسباب تعطيل «تطبيع العلاقات» بين مصر وإيران. حينئذ رد علىّ صاحبنا قائلا: إن بعض المحللين يقعون فی الخطأ حين يبحثون عن أسباب موضوعية للتوتر الحاصل بين الزعماء العرب.
فى حين أن الأسباب الشخصية، التى من بينها عدم «الاستلطاف»، قد تكون فاعلة فى توتير تلك العلاقات وربما قطعها.
وهو ما حدث فى عهد الرئيس السادات الذى لم يتوافق مزاجه مع العقيد القذافى، فكان ذلك سببا لقطع العلاقات بين البلدين لمدة تجاوزت عشر سنوات، وحين سألته عما إذا كان ذلك حاصلا الآن مع قطر، قال: إنه خارج الصورة ولا يعرف، ولا يريد أن يصدق أن ثمة سببا موضوعيا للخلاف ين مصر وقطر.