اجعل الشروق صفحتك الرئيسية| الجمعة 3 سبتمبر 2010 مـ - 24 رمضان 1431 هـ | RSS

الشروق

 مقالات وأعمدة


بقلم: محمد المخزنجي

Makhzanjy

22 ابريل 2009 07:20:14 م بتوقيت القاهرة

تعليقات: 17

عبيد الوحيدة

 لا أزال أشعر بالغرابة والفزع والامتعاض كلما رأيت صورة الدودة الشريطية تحت الميكروسكوب. رأس متطاول لمسخ شرير كأنه من كوكب آخر معاد للبشر، تحيط بجوانبه المضغوطة ممصات فاغرة وغائرة كعيون عمياء، ويُتوِّجه إكليل من الكلابات الحادة مثل أنياب متوحشة. ثم تأتى الرقبة، رفيعة ومقززة، يتلوها شريط طويل طويل، يتكون من قطع مفلطحة تصل أحيانا إلى 2000 قطعة، وبكل قطعة جهاز تناسلى مذكر وآخر مؤنث يتيحا للقطع أن تتزاوج فيما بينها، فيتخصب البيض الذى يمتلئ به رحم كل قطعة ناضجة، قرابة 9000 بيضة فى كل رحم، وبكل بيضة جنين مسلح بست شفرات دقيقة، كأنه يولد بلطجيا وقاطع طريق.

تنفصل القطعة الناضجة عن شريط الشر هذا، وتخرج مع فضلات المصاب، ثم تتحلل وينفجر رحمها ناثرا البيض فى محيط واسع، تبتلع الحيوانات الوسيطة البيض مع العشب الملوث، فتخرج الأجنة المسلحة وتشق طريقها مخترقة مَعِدات وبدايات أمعاء هذه الحيوانات، تسير مع الدم وتوغل فى اللحم وتستقر بين أليافه وتتحوصل، وعندما يأكل الناس لحما لم يُطه جيدا لخنزير مصاب أو بقرة مريضة، تغادر الدودة حويصلتها فى أمعائهم الدقيقة، وتكون عندئذ مجرد رأس. رأس بشع يغرس كلاباته فى نسيج الأمعاء، ويثبت نفسه عن طريق الممصات، ومن ثم يتكون العنق، وتبدأ القطع فى الظهور والامتداد.

ولأن هذه الدودة الخنثى بلا جهاز هضمى، فهى تمتص غذاء الإنسان المهضوم عبر جلدها بشراهة، تنمو ويشتد تطفلها، وتطول حتى تصل إلى 12 مترا فى شريطية البقر، و7 أمتار فى شريطية الخنزير.

ولأنها بكل هذا الطول وبكل تلك الشراهة، يندر أن يحمل المصاب بها أكثر من دودة، لهذا تُسمّى «الدودة الوحيدة». وهى بلاء يصيب الناس نتيجة القذارة والفجعة والغفلة، لكن هناك أناسا يتعمدون إصابة أنفسهم بهذه البلاء، وهى حكاية غريبة يرويها الكاتب «ماريو بارغس يوسا «أحد عظماء الرواية الأمريكية اللاتينية، والذى كاد يصل لمنصب الرئاسة فى بلده البيرو، لولا أن العالم لم ينضج بعد ليحكم فيه الأدباء والموسيقيون والفنانون والشعراء.

تقول حكاية «يوسا» إن بعض سيدات القرن التاسع عشر فى أوربا، المذعورات من بدانة أجسادهن، ولكى يستعدن القوام النحيل، كن يبتلعن دودة وحيدة حتى لا يحرمن أنفسهن من أطايب الطعام، ومع ذلك يبقين نحيفات، لأن ما يأكلنه تتغذى به هذه الدودة القابعة فى أمعائهن.

يرى يوسا أن هؤلاء النساء كن بطلات حقيقيات، لأنهن استشهدن من أجل الجمال! وهو ينتقل بالحكاية من هذا الاستنتاج الساخر إلى امتداد جديد لها، ففى بداية عقد الستينيات من القرن العشرين، فى باريس، كان للكاتب صديق إسبانى شاب، رسام وسينمائى، كان يعانى من ابتلاعه المتعمد للدودة الوحيدة، هذه الدودة التى ما إن تستقر فى أحد الأجساد حتى تتحد به، تتغذى عليه، وتنمو وتشتد على حسابه. ومن الصعب جدا طردها من ذلك الجسد الذى تتطفل عليه وتستعمره.

كان الشاب ينحل على الرغم من اضطراره إلى الأكل وشرب السوائل باستمرار (خاصة الحليب)، لكى يهدئ من نهم الحيوان القابع فى أحشائه. صار كل ما يأكله ويشربه ليس من أجل ذوقه ولذته، وإنما من أجل ذوق ولذة الدودة. وفى أحد الأيام بينما كان هذا الشاب المغدور يتبادل الحديث مع الكاتب على أحد المقاهى الباريسية الصغيرة، فاجأ الكاتب باعترافه قائلا: «يا ماريو.. نحن نقوم بأشياء كثيرة معا، نذهب إلى السينما ومعارض الفنون التشكيلية، نتجول فى المكتبات، ونتناقش لساعات وساعات حول السياسة، والكتب، والأفلام، والأصدقاء المشتركين. وأنت تظن بأننى أقوم بكل هذه الأشياء مثلما تقوم بها أنت، لأنك تستمتع بعمل ذلك. ولكنك مخطئ، فأنا أفعل كل ذلك من أجلها، من أجل الدودة الوحيدة. فكل ما فى حياتى الآن لا أعيشه من أجل نفسى، وإنما من أجل هذا الكائن الذى أحمله فى داخلى، والذى لم أعد سوى مجرد عبد له».

هذا الاعتراف المؤلم لعبدالدودة الوحيدة، الذى توهّم أنه يسعى نحو الرشاقة والجمال بينما هو يحمل عبودية القبح فى جوفه، وبرغبته، ألا يوحى بشىء مماثل لكل الذين يتغاضون عن الممارسات القبيحة بوهم الوصول إلى غايات جميلة؟ إنهم كثيرون جدا فى مناخات الاستبداد والفساد وأزمنة الانحطاط، لكن أخطر هؤلاء ليسوا من يبتلعون ديدانهم الوحيدة بأنفسهم لأنفسهم، بل الأخطر هم هؤلاء الذين يريدون تبليعنا ديدانا وحيدة قبيحة بوهم الحصول على جمال ما!

بعضهم يزين لنا قبول دمامة التوريث للحصول على حلاوة حاكم مدنى عصرى منفتح. وبعضهم يريدنا أن نتغاضى عن رداءة بعض الكذابين ماداموا فى المعارضة يرفعون شعارات التغيير والإصلاح. بعضهم يريدنا أن نجيز التسافل والنباح والعض الإعلامى الذى لم يجيدوا غيره بحجة الذود عن الأمن القومى. وبعضهم يطلب منا أن نتناسى مخاطر التسلط باسم الدين لأن حزبا أو جماعة ذات ادعاء دينى تعدنا بالخلاص من تسلط دنيوى لا نحبه. وبعضهم يريدنا أن نفوِّت نهب المال العام وأراضى الدولة ومصادر الطاقة بزعم تشجيع مشاريع الاستثمار لزيادة التنمية وخلق فرص عمل جديدة للفقراء!

دائرة جهنمية من الالتفاف على كل منطق سوى وبديهة واضحة لنبتلع الدودة الوحيدة، بينما الدودة الوحيدة لا تظل وحيدة أبدا، فهى فى حد ذاتها وباء، لا تكف عن الامتداد، وتفجير قنابلها الجرثومية العنقودية فى كل اتجاه، فيتحول الوطن إلى مستعمرة تشغى بهذه الديدان، تمتص البلاد والعباد حتى الرمق الأخير، ولا يتبقى لها إلا أن تموت هى نفسها من هول الموت الذى صنعته، لكن بعد تمام عموم الخراب.

إنها بشاعة ترمى إلى بشاعة، وقبح لا يقود حتما إلاّ إلى قبح.

وقطعا.. لا وصول لغايات نبيلة وجميلة، إلا بوسائل تماثلها فى النبالة والجمال.

عدد التعليقات : 17

17
بواسطة: مروة

الانسان الرائع

الخميس 24 سبتمبر 2009 6:05 ص

انا شفت لحضرتك يادكتورلقاء النهارده فى برنامج العاشرة مساء واعجبت جدآ بحضرتك وبرؤيتك من منظور واسع وصادق تشبيهاتك الرائعة حببتنى فى صديقك الفيا الافريقى وكمان كرهت الخنزير لبشاعت احساسه بجد الحلقة كانت تحفة ولنا الفخر كل الفخر بوجود واحد زى حضرتك بينا وانا قرات كتاب الافيال يرتون حقيقى حاجة مشرفة كمان عجبنى قوى تشبيه حضرتك بالدوده الوحيدة والفساد كان اكثر من رائع تحياتى الى ارقى كاتب رائيته

16
بواسطة: emizidan

روعة العرض

الثلاثاء 2 يونيو 2009 8:24 م

ما اجملك، زادك الله رفعة وبسطة فى العام والأدب

15
بواسطة: فاطمه الزهراء

egypt

الاربعاء 27 مايو 2009 11:06 ص

طيلة حياتى فى المعمل ارى كل يوم الدودة الشريطية تحت الميكروسكوب ولم اربط بينها وبين كل ذلك وهذا هو الفرق بين الفيلسوف والانسان العادى

14
بواسطة: م. محمد عبده

!

الاربعاء 13 مايو 2009 2:12 ص

يا دين النبي يا حدعان أحسن مقال قريته في حياتي

13
بواسطة: ام زياد

اللهم احفظنا

الاربعاء 13 مايو 2009 1:52 ص

اللهم احفظنا -------------------------ا مين

12
بواسطة: ماجد الجبالي

مقال بليغ

الثلاثاء 5 مايو 2009 7:31 م

مقال رائع وبليغ واستعارة معبرة تمس جوهر الأزمة التي تعيشها مصر مع خالص تقديري لكتاباتكم !

11
بواسطة: محمد

في مسألة الوسائل والغايات

الخميس 30 ابريل 2009 8:58 م

قلت له: سيادة الفريق، بعد جولتي في بور سعيد والإسماعيلية، وهما مدينتان لم يكن لهما وجود إلا بوجود القناة، أحسست أن الشر يمكن أن يكون في بعض الأحيان طريقا إلى الخير. تردد للحظة مسرحا بصره عبر نافذة مكتبه المطل مباشرة على المجرى المائي في مبنى رئاسة هيئة قناة السويس، المخزنجي في حواره الصحفي مع الفريق أحمد علي فاضل رئيس هيئة قناة السويس .*مجلة العربي لجمعة 1 ديسمبر 2006 11/11/1427هـ / العدد 577

10
بواسطة: محمد عمر

إقتراح

السبت 25 ابريل 2009 2:11 ص

لا أظنك ياسيدى قمت بترتيب الدوائر الجهنمية ترتيبا صحيحا ولا أظنك أحصيت إلا القليل منها (أمسكت فقط بالبردعة وتركت الحمار) كما يقول المثل الشائع أقترح على القراء الأعزاء إرسال عشر دوائر مرتبة (جهنميا) وتنازليا وسوف ترى أنهم جميعا سيتفقون على الحمار وليس البردعة للحصول على الأستقرار

9
بواسطة: مدحت نصيف

د . المخزنجى الجميل

الجمعة 24 ابريل 2009 10:27 م

من الاشيا ء القليله التى تسعدنى و تدخل البهجه فى نفسى موسيقى بليغ حمدى و كتابات محمد المخزنجى رحمة الله على بليغ النغم وأطال الله فى عمر المخزنجى الجميل

8
بواسطة: esmat

وداعا ميكافيلي

الجمعة 24 ابريل 2009 1:57 م

لك تحياتي على هذا المقال الرائع والسلس في تناوله لقضية اخلاقية خطيرة وهي العلاقة بين الأهداف والوسائل "لا وصول لغايات نبيلة وجميلة، إلا بوسائل تماثلها فى النبالة والجمال." وتذكرت في نهاية مقالك إسرائيل " الدودة الوحيدة " نعم هي لم تزرع في فلسطين لأهداف نبيلة ولكنها دودة وحيدة زرعت فتوحشت وسيطرت على أقوى الدول بل على الأمم ا لمتحدة كلها ومؤتمر "دريان 2 "خير شاهد

7
بواسطة: د. حسين

ليتهم ديدان

الجمعة 24 ابريل 2009 10:19 ص

ما كل هذا الجمال... علم.. طب.. تاريخ.. فن.. سياسة هذه نوعية جديدة من الكتابة الممتعة ولكنك عندما تطرقت فى آخر مقالك عن الدودة الوحيدة أشعر أن مقالك القادم سيكون عن الأخطبوط

6
بواسطة: طريح الفراش

اماتت الجسد عمدا

الجمعة 24 ابريل 2009 6:38 ص

مالا استطيع ان استوعبه هو كيف ينحصر اداره جسد باكمله علي اقله يمتصون غذائها وينهلون من ملذاته حتي اوشك هذا الجسد بأن يتحلل وتدفن رفاته ؟ استاذي فتاك مترف يحاربه بالحليب ونحن جوعى لانجد الماء (النظيف) طال الزمن اوقصر فالدواء موجود والبحث عنه هو السبيل دمت في ود

5
بواسطة: أيوب

مشوق جداً

الجمعة 24 ابريل 2009 4:42 ص

كالعادة تدهشني كل مرة أقرأ لك فيها، أنا متابعٌ جيدٌ لك منذ أن قرأت لك في العربي الكويتية منذ ما يزيد على العشر سنوات، حقيقةً ... لا حل لك، ذكرتني بالتعبير الذي صككته في الدستور القاهرية أيام غرق العبارة السلام 98 ، و هو السِحَنْ الخنزيرية، و المشي على أربع كالحيوانات، مثل العائلة التي تعيش في الريف التركي و بها هذا المرض النادر. و اليوم الدودة الشريطية، أعتقد أن الفساد الذي نتعايش معه الآن في بر مصر، هو نفسه دودة شريطية، و يود لو يجبرنا على إبتلاع أجزائه جميعاً لكي نصبح مثله. إلى مزيد من المتعة و الدهشة دائماً سيدي العزيز. تحياتي.

4
بواسطة: JoeEgyptian

God bless you

الجمعة 24 ابريل 2009 1:41 ص

This is genius.. You found the perfect example and put our hands on a piece of pure truth.. Thank you

3
بواسطة: blue

الديدان

الخميس 23 ابريل 2009 5:10 م

مزج العلم بالادب متعة جديدة خاصة لكارهي العلم من امثالي ممن استصعب عليهم فهمه والتعامل معه .. فشكرا لك اولا بدأت اتخيل نظرية الديدان تلك الوحوش الصغيرة داخل كل انسان ياالله يبدو الشارع مليء بالديدان الان ... مجرد كائنات مشوهة تسسبت في تشويه الخارج ايضا فأصبحنا بالشكل الذي اصبحنا عليه ولكن العلاج ايه يا دكتور ؟؟

2
بواسطة: ايمن عبد العظيم

الصورة الجميلة

الخميس 23 ابريل 2009 3:24 م

حقيقة اول مرة اقرأ لك واعجبنى الشرح السلس للميكروبات وربط الموضوع بحياتنا المعاصرة فارجوك استمر فى هذة النوعية من الكتابة حتى القارئ العادى يزداد معرفة طبيا وثقافيا

1
بواسطة: حسام القشيشى

صباحك مشرق يا دكتور

الخميس 23 ابريل 2009 12:31 م

جميل أن تتحقق المعادلة الصعبة (السهل الممتنع) أو أن تكون فيلسوفاٌ و أديباٌ مبدعاٌ بنفس اللحظة عندما نقرأ علماٌ مع أدباٌ ممتزجاٌ بواقعنا السياسى الإجتماعى و الإقتصادى و كل تلك المتعة مضغوطة بإحكام و مقدرة فى سطور معدودة تفيض على القارىء بعشق صوفى غير محدود . أرجوك يا أستاذنا ألا تتوقف عن كرمك علينا بالمزيد من المتعة الراقية و التى تمنحنا القدرة على تحمل كل هذا الكم من السوءات و الذى يلاحقنا به مرتزقة النظام .

هل لديك تعليق؟

الاسم
البريد الالكتروني
عنوان التعليق
التعليق باقي حرف

لإرسال التعليق أعد كتابة الحروف والأرقام الموجودة بالصورة

- * بيانات يجب إدخالها
- التعليقات الواردة من القراء هي مسئولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع (سياسة نشر التعليقات)

  • CLIP Solutions تصميم و تطوير Weather.com خدمة الطقس بدعم من اتصل بنا | إعلانات | وظائف | شروط الاستخدام | عن الموقع موقع جريدة الشروق الإليكتروني © 2010 - جميع الحقوق محفوظة