بقلم:
مشرف الزيدي
1 مايو 2009
04:32:34 م
بتوقيت القاهرة
محاصرة الطبقة الوسطى فى باكستان
هناك خوف واضح من أن تكسب طالبان حربها على الدولة الباكستانية. وهذا الخوف له ما يبرره. فتوقيع الرئيس الباكستانى آصف على زردارى لقانون نظام العدل أسفر عن تسليم وادى سوات الجميل لجماعة مسلحة متحالفة مع طالبان.
والقانون، الذى يعرف على نطاق واسع بتطبيق الشريعة، هو فى الحقيقة مجموعة من التعديلات على نصوص النظام القانونى القائم. لكن النظرة إلى باكستان كبلد يتجه سريعا نحو الخروج تماما عن المسار تعززت. وإذا صدقت التوقعات بشأن باكستان، فعلى العالم أن يتوقع أن تصبح باكستان البالغة العنف والاضطراب والتقلب تحديا عالميا قاسيا خلال شهور.
لكن تصوير باكستان كعجة جاهزة للتقديم إلى جماعة من المطالبين بالعودة إلى الجاهلية فى زمن ما بعد الحداثة، والمتضمن فى رمزية صراع المسلم والطبقة، سابق لأوانه فى أفضل الأحوال.
وباكستان، بسكانها البالغ عددهم 172 مليونا، منهم حوالى 30 مليونا يشكلون جزءا من طبقة وسطى معولمة، ليست العراق. فالطبقة الوسطى الباكستانية وحدها أكبر عددا من العراق مجتمعا. وفى أعقاب تدمير مقام سامراء فى فبراير 2006، اجتاحت العراق موجة غير مسبوقة من العنف القاتل.
وبحلول مايو 2006، كان من الواضح أن العدد الأكبر من الضحايا، حسب تقارير نيويورك تايمز وكريستيان ساينس مونيتور، من أبناء الطبقة الوسطى العراقية.
وكان من الممكن أن تخف حدة المقاومة الداخلية لولا نزوح حوالى 7.5 مليون من أبناء الطبقة الوسطى العراقية القوية، لأن مثل هذه الطبقة الوسطى كانت ستقف حتما ضد العنف الطائفى. وقد أصدرت وزارة الداخلية 1.85 مليون جواز سفر فى خلال 10 شهور، وهو أعلى معدل فى حينه. وبغياب هذه الطبقة ورحيلها إلى الأردن وسوريا وغيرهما من دول الجوار، صارت مقاومة العنف فى العراق أقل مما كان يمكن أن تبديه طبقة وسطى قوية.
بالمقابل، ليس أمام طبقة باكستان الوسطى القوية، المؤلفة من 30 مليون، الكثير من الأماكن التى تذهب إليها. فالولايات المتحدة والمملكة المتحدة والمملكة السعودية ودبى والكويت والدوحة وأبو ظبى تغص بالفعل بالملايين من الباكستانيين.
ولا تتوقع للطبقة الوسطى الباكستانية المزيد من تأشيرات دخول هذه البلاد أيا كانت مهارة البعض منهم فى وضع ميزانيات الشركات، أو بيع سندات الاستثمار، أو تشخيص الأمراض المعدية. وحدود الهند مع باكستان ممهورة بقصر النظر والعداء الناجم عن جيلين من غضب حكام ما بعد الاحتلال البريطانى.
وحدود إيران مع باكستان يسودها جدار من العنف المتركز فى منطقة بلوشستان. وهناك بالطبع الحدود الأفغانية الشاسعة مع باكستان، التى لا تزال كابول تتصارع عليها على الرغم من مرور 26 عاما من المفاوضات المباشرة وغير المباشرة، والتى لا يمكنك عبورها إلا إذا كنت تنتمى للقبيلة التى تقطن المنطقة، أو إرهابيا من أعضاء القاعدة أو طالبان.
وبغض النظر عن عدد جوازات السفر التى تصدرها السلطات الباكستانية، ستظل الطبقة الوسطى على حالها إلى حد كبير. ولن يكون أمام هذه الطبقة الوسطى إلا أحد خيارين.
فبإمكانها أن تختار ببساطة القبول بدولة مفتتة تدمر نفسها، مع تقاسم سلطتها فى النهاية بين طالبان وإرهابها من ناحية، والنخبة العسكرية والسياسية التقليدية من ناحية أخرى.
والبديل الآخر هو أن ترفض هذه الطبقة الوسطى بحق احتمالا كهذا، وأن تصر على دولة قادرة ترفض تطرف طالبان وعنفها. وبالطبع، فإن اختيارات جماعات الطبقة الوسطى لم تكن دائما صحيحة، وإلا لأمكنها تفادى أكثر الأخطاء غباء فى التاريخ مثل انتخاب وإعادة انتخاب الرئيس جورج بوش الابن.
ومن حسن الحظ أن الخيار الذى يواجه الطبقة الوسطى الباكستانية ليس خيارا فى حقيقة الأمر. وبعيدا عن مدى جدية بعض الصحفيين من الباكستانيين والأجانب على السواء فى تقديم طالبان فى صورة المخلص الاجتماعى، فليس ثمة من يعتقد بحق بأن طالبان يمكن أن تقدم أكثر من شذرات من عدالة متعجلة وناجزة لكنها مجهضة. وليس فى صفوف طالبان مهندسو مياه يمكنهم أن يتصدوا لمسائل التغير المناخى.
وليس لديها مصلحون لقطاع التعليم يمكنهم تطوير أداء المعلمين وعادات الانتظام فى الدراسة. وليس هناك مديرون لقطاع الصحة يحملون أفكارا جديدة بشأن الطب الوقائى. ويثير حمل السلاح والشعارات القومية المتطرفة الرخيصة التى تحرض الشباب فزع الطبقة الوسطى الباكستانية، لكن لا يمكنها القضاء عليها تماما.
فثلاثون مليون شخص ليس بالعدد الهين. ولاشك فى أن البلد يعيش دوامة أزمة بالغة الخطورة. لكن الأزمة الحقيقية تكمن فى الحكم الداخلى والسياسة العامة فهى ليست تحولا متمدينا باتجاه ما يسميه بعض المعلقين مزيجا من تنظيمات لوردات الحرب يحفزهم تفسير مشوه للإسلام.
وضرب طالبان ليس بالعمل الذى تقدر عليه نخبة باكستان التقليدية على ما يبدو، ولا هى راغبة فى القيام به. وهذا مفهوم تماما بسبب الحبل السرى السميك الذى يربط بين الاثنين. وقطع هذا الحبل متروك من ثم لأولئك الذين يملكون أكبر الأسهم فى بقاء باكستان كدولة قومية قابلة للحياة أى الطبقة الوسطى الباكستانية الأسيرة.