بقلم:
مشرف زيدي
24 فبراير 2009
04:03:30 م
بتوقيت القاهرة
مهانة إلقاء الأحذية
يصعب تحديد من هو الأكثر شهرة في عام 2009: هل هو الصحفي العراقي أم رئيس الوزراء التركي؟ إذ يبدو أن كلاهما استحوذ على خيال المسلمين في كل أنحاء العالم،حين قام كل منهما بعمل رمزي تم الاِحتفاء به باعتباره ضربًا من أعمال التحدي الإسلامي.
لكن المعضلة أنه ليس هناك قدر كبير من التفوق الروحي أو الأخلاقي في الانسحاب من مناظرة ما، أو-بالأخص- في إلقاء الأحذية على أشخاص نحتقرهم. وعلى المسلمين الذين يجدون متعة في أي من الحادثتين التفكير طويلاً وجديًّا فيهما ووضعهما في السياق المناسب. أي خارج سياق الغضب والعجز، وإنما في سياق الهدوء والكرامة.
كنت قد سمعت أولاً عن منتظر الزيدي، وإلقائه لحذائه فيما يشبه قذيفة المدفع على الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، حين كنت في مكة وكنت قد انتهيت للتو من مناسك الحج وأستعد للقيام برحلتي إلى المدينة.
وبما أن تلك هي حَجَّتي الأولى، فقد كنت متيَّمًا بفكرة المشاركة في المكان والزمان مع حوالي ثلاثة ملايين مسلم من أنحاء العالم على نحو جعلني لا أنشغل بمعرفة المزيد عن الشاب الذي يشترك معي في اسم العائلة. وأذكر أنني شعرت بقليل من الاضطراب لكون شخص عربي على هذا القدر من الغضب الذي يجعله يتخلى عن تقاليده واستقامة أخلاقه ويلقي بحذاء على رئيس دولة زائر و ضيف. غير أني لم أفكر كثيرًا في الأمر حينذاك.
لكن أثناء مراجعة بريدي الإلكتروني عند عودتي للوطن، شاهدت لقطة للحادث على موقع اليوتيوب. مما أعادني لتأمل وضعي للعرب جميعًا، بشكل فطري، في منزلة عالية. ذلك أن كرم الضيافة واحترام الزوار، أياً كانوا، كان تقليدًا يحترمه الناس ويتمسكون به في أنحاء العالم الإسلامي. والمفارقة والأمر الذي يبعث على الحزن هو أن هذا التقليد قد تداعى بين كثيرين ممن اشتُهِروا به، ومنهم قبائل البشتون في باكستان وأفغانستان.
إلا أنه منذ عام 2001 شهدت منظومة التقاليد تدهورًا في العالم الإسلامي على اختلاف أطيافه. فالكثيرون يحاولون القضاء على التقاليد من أي نوع ـ من متديني العالم الإسلام الذين لا يجدون غضاضة في قتل الأبرياء، إلى الانتهازيين من ملاحقي سيارات إسعاف الهيئات الدولية، أو من يقولون أي شيء لاسترعاء انتباه (وتمويل) المراكز البحثية التابعة للمحافظين الجدد في واشنطن العاصمة.
لقد قُلِبت الثقافة الإسلامية، التي لم تكن من قبل كتلة واحدة، رأسًا على عقب. فالمؤمنون، الذي نَقل إليهم كلمات الرحمن الرحيم رجل سُمِّي الصادق والأمين، انحدروا إلى الاحتفاء برمزية الانسحاب من المناقشات بدلاً من الفوز فيها، وإلقاء الأحذية على رؤساء الدول، بدلاً من الرد على خطبهم المضحكة.
فما مقدار ما لابد أن التراجع الروحي الإسلامي العالمي قد بلغه حتى يحتفي المسلمون بالسطحية من هذا النوع؟ هذا سؤال بلاغي، قد لا يمكن أن تكون له إجابة. ولكن من المؤكد أن العلل التي أحاقت بالعالم الإسلامي أعمق بكثير من المفاهيم المبسطة للصراع التعريفي بين الحداثة والتراث، أو بين الاعتدال والتطرف. والحقيقة الخفية لكل من الحادثتين هو أن هناك ذلك الإحساس العميق والمؤلم بالإساءة في الشارع الإسلامي بحيث بات أي شيء يكفي. إذ ما دام هناك فعل ما ينقل معنى احتقار الشارع الإسلامي لرموز قهره، فسوف يستحسنه المسلمون.
سوف تكون السياسة في مجتمعات المسلمين باستمرار متعلقة بتحديد وتعزيز ثم تعظيم المكسب السياسي المفاجئ الناتج عن المناخ السائد بين المسلمين أيًّا ما كان في الوقت الراهن. وبعد الحادي عشر من سبتمبر كان الأسى على النفس هو ما يدفع مؤشر الكرامة الإسلامية العالمية إلى الانخفاض. وسوف يوضح ذلك السبب في نجاح مجموعة رسوم الكاريكاتير المسيئة متواضعة المستوى، التي تعمدت الاستفزار، في إثارة الغضب العالمي الذي لم يُعبَّر عنه حتى بإلقاء الأحذية أو الانسحاب من المناظرات، بل بأعمال الحرق والتدمير والشغب. وإذا كان غضب الشارع الإسلامي يبدأ بالانسحاب من مناظرة، ويرتفع إلى مستوى إلقاء الأحذية ويتدرج ليصل إلى التخريب، فأين سيصل في النهاية؟
هذا سؤال خطير. والإجابات السهلة ليست خطأ فحسب، بل يمكن أن تكون لها نتائج خطيرة. وهي من السهولة بحيث ترفض من يلقون الأحذية باعتبارهم انتحاريي المستقبل، وهي من السهولة كذلك بحيث ترفض تركيا باعتبارها غير جاهزة للاتحاد الأوروبي. إلا أن الإجابة الأسهل هي مواصلة رثائية المعاناة الإسلامية الطويلة التي لا تنتهي؛ في حين تستمر القفزات في أسعار النفط من 35 دولارًا إلى 150 دولارًا ثم الهبوط من جديد، بينما التكنولوجيا و الوسائط الإعلامية المتجددة تقرِّب أكثر بين المصريين والباكستانيين بطرق لم تكن متخيَّلة قبل خمس سنوات، و يمسك بمقاليد السلطة في الولايات المتحدة رجل اسمه الأوسط حسين.