بيروت - جميل مطر -
تكشفت خلال زيارة قصيرة للعاصمة اللبنانية الخيوط الأولى من صفقة كبرى لصياغة مستقبل منطقة المشرق العربى والخليج، تمهيدا للخروج الأمريكى المتوقع من العراق.
وتشارك فى هذه الصفقة أو المشروع الذى يرتكز على إحياء العروبة كخط دفاع أول ضد الهيمنة الإيرانية الأطراف الدولية والإقليمية الكبيرة، وفى مقدمتها الولايات المتحدة ومصر والسعودية وتركيا، وستكون سوريا هى الوكيل المعتمد من هذه الأطراف لتنفيذ المشروع، وستبدأ أولى مراحله بإعادة تشكيل حزب البعث العراقى، وتوحيده مع الجناح السورى للبعث، بعد أن يحصل على الشرعية القانونية فى العراق.
وعلمت «الشروق» أن مهمة إعادة تشكيل البعث العراقى استندت بالفعل إلى عزت إيراهيم الدورى نائب الرئيس العراقى السابق صدام حسين، وأن خطوات كبيرة قطعت فعلا فى هذا الطريق بعد أن أثبت عزت إبراهيم الدورى نجاحا ملحوظا فى تشكيل مجالس الصحوات، لوقف تغلغل تنظيم القاعدة فى المحافظات الشيعية العراقية، ومن قبائلها وعشائرها، ثم القضاء شبه التام على فلول القاعدة فى العراق، وهو ما كان يجرى بعلم وتنسيق بين أجهزة الأمن فى سوريا ومصر والسعودية.
وقد روى مصدر مطلع لـ«الشروق» أنه رأى بنفسه عزت إبراهيم فى شوارع العاصمة السعودية الرياض، ولم يتحدث إليه، ولكن ذهب على الفور إلى من يعتقد أنه يعرف خبايا العاصمة السعودية، فأبلغه الأخير بـ«أن الدورى كان مكلفا بإشعال حرب الصحوات ضد تنظيم القاعدة من جهات عربية وغربية، عندما اكتشف الأمريكيون فى الرجل ما اكتشفه بعض العرب من قبلهم، وهو أن الدورى وإن كان محدود الذكاء وضعيف الشخصية لكنه تابع أمين، ومنفذ جيد جدا».
وأضاف المصدر: «إن استضافة الدورى ليست مكافأة على جهوده فى تنظيم بعض القبائل السنية وحشدها لقتال القاعدة ولكن لترتيب دور له فى استعادة وحدة حزب البعث العربى الاشتراكى، والصلح بين جناحى الحزب فى سوريا والعراق، وتنشيط قواعده فى البلدين، بالتنسيق مع حكومة دمشق» بعلم وتشجيع وتمويل من جهات خليجية بالتنسيق مع القاهرة، على اعتبار أن إحياء الفكرة القومية العربية ــ ولو من باب العاطفة ــ أصبح هو الملاذ الأخير ضد الهيمنة الإيرانية المؤكدة على العراق بعد انسحاب الأمريكيين، وعلى اعتبار الفكرة القومية العربية هى العاصم من الانشقاقات الشيعية المحتملة فى عدد كبير من دول الخليج، ولكن دون أن يصل «حماس الأمريكيين والخليجيين للفكرة القومية العربية إلى حد اعتبارها مشروعا سياسيا للوحدة على غرار المشروع البعثى الأصلى، أو المشروع الناصرى (على حد تعبير مصدر آخر مطلع فى العاصمة اللبنانية).
وأضاف هذا المصدر الوثيق الصلة بكل من دمشق والرياض أنه لهذا السبب عادت سوريا تحتل مكانا بارزا بعد فترة كانت من اسوأ ماشهدته دمشق فى تاريخها السياسى، فتدفق المبعوثون الأمريكيون عليها سرا وعلانية، وزارها وزير الخارجية السعودية، وامتدحها وزير الخارجية المصرية، وأصبحت تركيا حليفا موثوقا لديها بعد أن هددتها من قبل بالاجتياح، وهدأت حملة الإعلام اللبنانى ضدها، وعادت فرنسا تمسح جوخ النظام السورى، وتفتح له الأبواب المغلقة فى أوروبا، وتدخلت كل الأطراف لتمنع عبدالحليم خدام من إثارة مشكلات لنظام الأسد، وقال المصدر إنه يعرف «أن السوريين نجحوا فى إقناع الغرب والولايات المتحدة ـ على وجه الخصوص ـ أن الاختراق الإيرانى نجح بسبب الفراغ الناجم عن تغييب الساحة العربية عن عروبتها، وأن السوريين الآن هم الأقدر على إعادة تقديم العروبة فى شكل يروق للغرب، ويفهمه المفكرون الغربيون.
مصدر ثالث تحدث عن بعض مكاسب دمشق، فقال إن تشكيل المحكمة الدولية فى قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبنانى الأسبق رفيق الحريرى، وبدء عملها جاء تحت «الفصل السادس وليس السابع» من ميثاق الأمم المتحدة، أى أن المحاكمة ستجرى دون تهديد بالعقوبات أو تدابير استخدام القوة، وأن المحقق الدولى فى قضية الحريرى الذى تحول إلى مدعٍ عام بعد تشكيل المحكمة الدولية قد صرح بنفسه بأن «المرحلة الجديدة من التحقيقات فى القضية ستمتد إلى ما لا يقل عن خمس سنوات وقد تصل إلى عشر».
أما المكاسب المتوقعة لدمشق فى المستقبل، فسوف تتوالى فى الجولان ولبنان، فضلا عن الدور الذى يمكن أن تلعبه فى منطقة المشرق والهلال الخصيب كرمانة ميزان بين إيران وتركيا وإسرائيل.