يا زمان «تويتر»


صحافة عربية

آخر تحديث: الجمعة 1 يناير 2016 - 10:35 م بتوقيت القاهرة

تساهم مواقع التواصل الاجتماعى كما أثبتت دراسات أُجريت فى أمريكا وأوروبا وكوريا الجنوبية، فى رفع مستوى عناصر الثقافة المدنية، مثل التسامح والتقبل والمشاركة. الأبحاث فى المجتمعات العربية والإسلامية ما زالت محدودة، ويبدو أن ما يحدث فى معظم هذه المجتمعات أمر مغاير. قمتُ مع زميلة لى بدراسة على طالبات الجامعة، ولم نجد أثرا كبيرا لاستخدام مواقع التواصل الاجتماعى فى إشاعة التسامح الذى يشير إلى الوئام فى سياق الاختلاف، ويُحيل على القبول والتقدير للتنوع الثرى للصفات الإنسانية ولثقافات العالم.
هناك دراسة أُجريت فى باكستان وأخرى فى مصر تقاربت معنا فى النتائج. وفى دراسة إماراتية قارنت بين بلدان الخليج والأردن ولبنان، كشف 47 فى المئة فقط من السعوديين والإماراتيين عن الانفتاح على وجهات النظر الأخرى، جراء استخدام مواقع التواصل الاجتماعى، مقارنة بـ65 فى المئة من البحرينيين و59 فى المئة من الأردنيين.
تخضع مواقع التواصل الاجتماعى فى المجتمعات التقليدية لأيديولوجية المجتمع نفسه، ما يحد من تأثيرها المفترض فى تعزيز التسامح. بمعنى أن المستخدمين يُعيدون من خلال هذه المواقع إنتاج أنفسهم، فى عملية تدوير نشطة وتغذية مرتدة فى ما بينهم، معتمدين على خواص هذه المواقع فى الانتقاء والفلترة.
***
أزعم أن التليفزيون فى ما مضى كان أكثر فاعلية من مواقع التواصل الاجتماعى حاليا، فى إشاعة التسامح. التليفزيون مهما كانت مثالبه كإعلام تقليدى، يخضع لسياسات واضحة تحد من نطاق العنصرية والقبلية والمناطقية. أما «تويتر»، فيدخل فى خانة الإعلام الفردى إن صحت التسمية، فالفرد هو من يصنع سياسته الإعلامية، ويضع لها القانون المستمد من ضميره الشخصى وقيمه.
الفجاجة فى مواقع التواصل الاجتماعى وجبة يومية لا تملك خيارا أمامها. تجد أحدهم ينادى فى تدويناته بالحقوق والتسامح والديموقراطية، وفى الوقت ذاته يستخدم عبارات الشتم ذات الطبيعة الطائفية أو المناطقية أو الجندرية عند أول اختلاف. وحين يتعرض للحجب من قبل ضحيته يضج قائلا: «أين حرية التعبير يا هذا؟!» سذاجة حتى فى فهم قيم الحداثة، أما استدماجها، فذلك من دونه خرط القتاد. وهنا نتذكر أمنية تشومسكى، لو كان الناس يوظفون الذكاء ودقة الملاحظة فى تأمل المسائل الفكرية، كما يفعلون فى التركيز لإدراك منطق الألعاب الرياضية.
استخدام الأفراد لمواقع التواصل الاجتماعى يرتبط بالعوامل الشخصية، مثل الحاجات والأهداف والدوافع والمصالح. أى أن استخدامهم هذه المواقع يختلف باختلاف طبيعة ومدى الإشباع الذى يبحثون عنه. هناك من يحاول التغلب على مشاعر الوحدة والعزلة، وهناك من يبحث عن التسلية والمتعة وخفايا الأخبار، وهناك من يصنع من يومياته وأطفاله وكتبه وقهوته شريطا للصور والذكريات يشارك به الناس. وهناك بيت القصيد، وهو من حول هذه المواقع الاجتماعية إلى منصة للتبشير بالآراء والأيديولوجيات، وللدفاع عن الأفكار والرؤى التى يؤمن بها. لا بأس أن يصبح «تويتر» هكذا فى المجتمعات العربية التى تتجاذبها التيارات والمتغيرات، وتحتاج إلى مساحات أرحب للتعبير عن الرأى، لكن المشكلة حين يصبح هذا التبشير مترافقا مع قدر هائل من العنف اللفظى، خاصة فى حروب الاستقطاب ذات الطبيعة السجالية أو الأيديولوجية. هل تأملنا كيف تحاور العرب بعضهم مع بعض فى مواقع التواصل الاجتماعى، فى فورة ما سُمى ثورات «الربيع العربى»؟!
العنف اللفظى فى العالم الافتراضى يحل محل العنف الجسدى فى الواقع، ويؤدى المهمة ذاتها، وهى التخفيف من التوتر الداخلى فى أعماق الشخص المحبط. وترتفع درجة العدوان كلما زاد مستوى الإحباط، وكلما زادت نسبة توقع الإفلات من العقوبة. كثيرون يتذمرون من خطاب الكراهية فى «تويتر»، متجاهلين أن العدوان إذا لم تكبحه معايير الفرد فلابد له من كوابح خارجية.
إذا أُعطى المجال للتكفير والتخوين عبر مواقع التواصل الاجتماعى، ترتفع احتمالية الأذى الجسدى الذى قد يقوم به آخرون، لو توافر لهم المناخ، بناء على ما فهموه من الرسائل اللفظية. المعتدى جسديا سيكون هو «المؤمن الصادق» إذا استعرنا عنوان كتاب إيريك هوفر. الرجل الذى يأخذ على عاتقيه مقولات الكراهية ويذهب بها إلى حدها أو سقفها الأقصى.
الحياة ــ لندن
لطيفة الشعلان

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved