«الثقافة» كتفسير للبطالة

إبراهيم عوض
إبراهيم عوض

آخر تحديث: الأحد 1 فبراير 2015 - 7:55 ص بتوقيت القاهرة

انتشر فى الفترة الأخيرة، بما فى ذلك بين بعض من كبار المسئولين، اللجوء إلى «الثقافة» لتفسير الظواهر والمشكلات المجتمعية. واستخدام «ثقافة» الناس كعامل مفسر للمشكلات التى يعانون منها تحميل لهم للمسئولية عن وجودها أصلا. «ثقافة» الناس هى المسئولة عن مشكلة المرور، و«ثقافتهم» هى المسئولة أيضا عن مجاراة التجار فى «جشعهم»، و«الثقافة» كذلك، وهذا موضوعنا، السبب فيما يعانيه الناس، خاصة الشباب منهم، من البطالة. الذين يقدمون «الثقافة» كتفسير للمشكلات لا يشرحون ما يقصدونه بالثقافة فى كل حالة إلا أنه يمكن الظن بأنه فى أمثلتنا الثلاثة، الأولى هى «ثقافة» ازدراء القانون والقواعد الموضوعة للسير فى الشوارع والطرقات، والثانية هى «ثقافة» التكالب الاستهلاكى وعدم مساعدة الدولة على تنفيذ سياساتها الاقتصادية، والثالثة هى «ثقافة» العمل. يجوز لنا أن نضيف أن «الثقافة» بهذا المعنى ليست مجموع الآداب والفنون الجميلة والرفيعة، وإنما هى، وفقا لتعريفاتها فى العلوم الاجتماعية، مجموع الأفكار والقواعد والمواقف والقيم التى تعتنقها مجموعة من الناس، ولتكن مجتمعا وطنيا أو محليا من المجتمعات، فإن تعلق الأمر بموضوع محدد من الموضوعات مثل المرور أو العمل تكون «الثقافة» الفرعية بشأن كل منهما مجموع الأفكار والقواعد والمواقف والقيم التى يعتنقها المجتمع حيال كل موضوع على حدة.

•••

فى «الثقافة» كتفسير للبطالة، يذهب القائلون به إلى أن الشباب يمتنع عن خوض العمل الحرّ أو عن القبول بامتهان الأعمال اليدوية الفنية وإن كانت تدرّ دخولا عالية، مصرين على التوظف فى الحكومة ومنتظرين لوظائفها. ولما كانت هذه الوظائف غير كافية، فإن الشباب يبقى عاطلا عن العمل. المحصلة هى أن البطالة هى اختيار للشباب لأنه يفضلها على المهنة اليدوية غير الحكومية وعلى العمل الحر. لا يبقى فى قطار التفكير هذا إلا أن يقول أصحاب نظرية «الثقافة» أن الدولة بالتالى غير مسئولة لا عن البطالة ولا عن مسألة التشغيل برمتها. ثم هم، أو غيرهم، يضيفون زادا آخر إلى حجتهم ألا وهو أن وظائف عديدة موجودة لا تجد من يشغلها لنقص الكفاءات، من جانب، ولأن العاطلين عن العمل يمتنعون عن التقدم لشغلها انتظارا للوظيفة الحكومية، من جانب آخر.

حجة «الثقافة» لا تقوى على مواجهة أى اختبار جدِى. وجود الوظائف الشاغرة لا ينهض دليلا جديّا على أنه لا توجد مشكلة للتشغيل، ومن تجلياتها البطالة السافرة. مسألة الوظائف الشاغرة ينبغى فصلها تماما عن مسألة التشغيل ونقص الطلب على العمل حتى يمكن علاجهما بالعلاج الملائم لكل منهما. الوظائف الشاغرة تثير مسألتى جودة التعليم والتدريب، والسياسة التدريبية الفعالة لتلبية المستوى المتواضع من الطلب على المهارات فى سوق العمل المصرية. من حق المواطن والباحث معا التساؤل إن كان شغل كل الوظائف الشاغرة من شأنه أن يحلَ مسألة التشغيل وأن يؤدى إلى استيعاب ما يربو على الثمانمائة ألف الملتحقين الجدد بسوق العمل فى كل عام وإلى اختفاء البطالة. البيانات تكشف عن أن الاقتصاد المصرى يخلق فى حدود 300 ألف فرصة عمل جديدة سنويا فإن أضفت إليها ما يقرب من 250 ألف فرصة يجعلها متاحة للمحالون إلى التقاعد، تصل إلى أنه يبقى عجز يقدَر على الأقل ب 250 ألف فرصة عمل لاستيعاب الملتحقين الجدد بسوق العمل سنويا، وذلك بخلاف الـ 3،2 مليون المتعطلين عن العمل من سنوات سابقة.

•••

الشباب الذى ينعى عليه حرصه على الوظيفة الحكومية، ما هو البديل المعروض عليه عموما؟ البديل هو العمل فى الاقتصاد غير المنظم، سواء فى القطاع غير المنظم من الاقتصاد أو فى القطاع الحديث ولكن بشكل غير منظم يعدم أى حماية اجتماعية. ما هى شروط وظروف العمل البديل المعروض على الشباب حتى وإن كان الأجر معقولا، فالأجر ليس وحده المحدد لتلبية الطلب على العمل فى كل مكان وليس فى مصر وحدها؟ ما هى ساعات العمل، وما هى الراحات والإجازات، وما هى فرص العلاج عند المرض، وما هى التأمينات الاجتماعية من معاش تقاعدى ومن إعانات عند المرض أو عند التعرض لإصابات العمل، وما هى إجازات الوضع ورعاية الأمومة فى حالة النساء العاملات؟ ثم ما هى حالة الأمان الوظيفى، فهل يقبل الشاب وظيفة ثم يفقدها بعد شهور أم يحرص على وظيفة تكفل له دخلا مستداما وإن كان متواضعا؟ الشاب رشيد فى اتخاذه لقراراته، وإن افترضنا أنه غير رشيد فإنه لن يمكن تصميم سياسة لحل مشكلاته إذ يستحيل توقع أشكال انعدام الرشادة. أفهل نكف عن تصميم السياسات وتنفيذها لأن الشباب غير رشيد؟ ثم إنه والحق يقال الشباب يلجأ مضطرا إلى العمل فى الاقتصاد غير المنظم بل إن أغلب الشباب يعمل فى الاقتصاد غير المنظم. دراسة عن تشغيل الشباب فى مصر أجراها باحثون مصريون ونشرتها منظمة العمل الدولية فى سنة 2014 تكشف عن أن 91 فى المائة من الشباب يعمل فى الاقتصاد غير المنظم، وعن رداءة هذا العمل إذ أن 76 فى المائة من الشباب يعمل بدون عقود للعمل، و40 فى المائة منه لأكثر من 50 ساعة فى الأسبوع. طبيعى فى ظل شروط وظروف العمل فى الاقتصاد غير المنظم أن يستمر هذا الشباب فى التطلع إلى وظائف فى القطاع الوحيد فى الاقتصاد الحديث المتاح لأغلبه ألا وهو القطاع الحكومى. هل سمع أحد بشباب عرضت عليه وظائف فى البنوك أو فى شركات القطاع الخاص الحديث الخاضعة لقانون الاستثمار، وظائف تتمتع بكل ما نصَ عليه قانون العمل من شروط وظروف، فرفضها؟

وإن كانت المسألة هى «ثقافة» الشباب المصرى «المدلل»، فماذا عن الشباب التونسى الذى يصل معدل البطالة لديه إلى 29 فى المائة، أى ما يقرب من ضعف المعدل العام للبطالة؟ هل هى أيضا «ثقافة» الشباب التونسى، صنو الشباب المصرى فى الثورة على الأوضاع البائسة فى بلديهما منذ أربع سنوات؟ فإن كانت كذلك، فماذا عن بطالة كل من الشباب اليونانى والإسبانى حيث يربو معدلها بين كل منهما على الـ55 فى المائة؟ هل هى أيضا مسألة «ثقافة» كل من الشباب اليونانى والإسبانى، ويمكن معهما إضافة الشباب الجزائرى والبرتغالى والفرنسى وغيرهم؟

•••

الثقافة بنية فوقية، بمعنى أنها نتاج لتفاعل عوامل اقتصادية واجتماعية عند أساسات المجتمعات. اللوم لا يقع على البنية الفوقية ولا العلاج الشافى يوجه إليها وإنما إلى العوامل المسببة لها.

الخطأ فى التحليل والتشخيص يصرف الأنظار عن الأسباب الحقيقية للمشكلات وينحرف بالسياسات عن جاداتها ويبدد الجهود والموارد فيما لا طائل من ورائه.

«العنوان الصحيح لكتاب المرحوم الدكتور إبراهيم شحاتة المشار إليه فى مقال الأحد الماضى هو «وصيتى لبلادى»، فلزم التنويه والاعتذار».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved