خلوة عربية

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 1 فبراير 2017 - 9:20 م بتوقيت القاهرة

أحسن صنعا وزير خارجية دولة الإمارات عندما تبنى فكرة طرحها الأمين السابق لجامعة الدول العربية تقضى بأهمية عقد خلوة لوزراء الخارجية العرب بدون جدول أعمال معد سلفا وبعيدا عن عيون مندوبى الإعلام وآذانهم. من مميزات الخلوات أنها، على عكس الاجتماعات الرسمية، تنعقد فى جو يخلو من قيود المراسم البروتوكولية وأساليب البيروقراطية وتناقش قضايا قد لا تحتاج إلى قرار بقدر ما تحتاج إلى فهم متعمق لها من جانب المشاركين فى تلك الخلوات. كذلك تتيح الخلوات الفرصة للتخلص من تأثيرات المستشارين والمساعدين، وفى حالة الجامعة العربية على وجه الخصوص، يمكن للوزراء بفضل هذه الخلوات إبعاد المندوبين الدائمين، فهؤلاء، كما هو معتاد، يركزون دائما على القضايا المالية والإدارية وكثيرا ما تسببوا فى إهدار الوقت القصير الذى يخصصه الوزراء لاجتماعاتهم الدورية.

***
أتصور أن وزراء خارجية سوف يشاركون فى هذه الخلوات، فى حال انتظم عقدها، من باب المجاملة أو تأكيد الالتزام الشكلى. بعض هؤلاء لم يتعود فى بلده على الدخول فى مناقشات سياسية حرة. بعض آخر لن يرتاح لمناقشة دقائق موقف بلاده من قضايا بعينها ربما لانشغاله فكريا أو مهنيا بأشياء أخرى أو ربما فى الحالات التى تكون فيها وزارة الخارجية الحلقة الأضعف أو الأقل تأثيرا فى عملية صنع السياسة الخارجية. لا يهم. يكفى، من وجهة نظرى، أن يطرح الوزراء أفكارا بهدف إنضاجها ويعرضون أسباب جزعهم من تطور معين أو وضع دولى جديد يهدد أمن أقطارهم، مستفيدين فى الطرح والعرض من الجو الودى الذى توفره الخلوات. أستطيع أن أتخيل حجم الفائدة التى يمكن أن تعود على وزراء الخارجية العرب من وراء خلوات منتظمة. نعرف أن كل وزير نشيط من هؤلاء الوزراء يحتفظ بصداقات ويقيم اتصالات بأقرانه فى دوائر سياسية أجنبية تختلف عما يحتفظ به أو يقيمه وزراء عرب آخرون. وزير مغاربى مثلا استمع إلى تحليل أو تقدير موقف فى دولة أوروبية فرانكفونية فينقله إلى زملائه، وزير آخر يرتبط بعلاقات شخصية أو رسمية مع شخصيات شهيرة تتولى مناصب هامة فى شركات عظمى، ولهذه الشركات كما نعلم نفوذ كبير فى دوائر التشريع وصنع القرار فى الدول الكبرى. أعتقد وبكل الثقة والخبرة فى تنظيم وإدارة مثل هذه الخلوات أن مداخلات هؤلاء الوزراء فى خلواتهم ممارسة مفيدة لتوسيع مدارك زملائهم فى قضايا شتى وتضيف إلى مكنوز الخبرة والتجربة لدى كل منهم.
***
سرحت طويلا متخيلا نفسى داخل كوخ مؤثث بجميع وسائل الراحة البسيطة، مقاعد أو آرائك لا تزعج ولا تشجع النعاس وموسيقى هادئة ومشروبات ومأكولات جاهزة. لا نادل أو نادلة ولا حارس أمن ولا خبير فنى للتصوير أو التسجيل. القضايا تطرح بشكل عفوى إذ إن الاجتماع بدون أجندة وبغير رئيس. مفهوم ضمنيا أن الهواتف الذكية لم تدخل إلى الكوخ. بدأ النقاش، بدأه على سبيل المثال وزير خليجى. طلب أن يسمع آراء زملائه فى أمر يستحيل طرحه فى مجلس رسمى لوزراء الجامعة االعربية. قال إن «الرئيس الأمريكى الجديد يهدد بأنه لن يدفع بقواته المسلحة لحمايتنا أو لدعم أمن الخليج أو أى أمن إقليمى آخر إلا إذا حصل مقدما أو لاحقا على ثمن هذه الخدمة. دعونا نناقش هذا الأمر على ضوء حقيقة صار صعبا إنكارها وإهمالها قد يتسبب فى خطر يهدد استقرارنا وفى أسوأ الأحوال استمرار وجودنا».
***
حضرت قبل أيام مؤتمرا بالقاهرة مخصصا لمناقشة العلاقات الأمريكية العربية. جرى عرض الأوراق وأغلبها متميز ودار حولها نقاش أغلبه كذلك عالى المستوى. استوقفتنى بشكل خاص ملاحظة وردت فى إحدى المداخلات كشفت عن وجه من وجوه الحقيقة التى زعمت منذ زمن وما زلت أزعم أنه من الصعب إنكارها ومن الخطورة بمكان إهمالها. قال المتداخل إنه يشعر بعد الاستماع إلى ما دار من مناقشات كما لو أن المؤتمر مخصص لمناقشة العلاقات الأمريكية الإيرانية وليس لمناقشة العلاقات الأمريكية العربية.
***
توقعت أن يذهب أعضاء الخلوة الأولى إلى بعيد، وأتوقع أن يذهبوا فى الخلوة الثانية إلى أبعد جدا مما ذهبوا إليه فى الخلوة الأولى. توقعت أن يطرحوا غير الممكن من بدائل السياسة والقرار وصولا إلى الممكن. كثير بل كثير جدا من معالم الوضع العربى الراهن كنا قبل سنوات نصنفه بين الاحتمالات المستحيلة أو غير الممكنة. بالتالى وحيث أن معظم مجتمعاتنا تتصرف كما لو كانت تعيش فوق صفيح ساخن، فإنه يتعين على وزراء الخارجية العرب أن يبدأوا بالصعب جدا من بين احتمالات المستقبل والاستعداد له. ابحثوا ودققوا فى أى علاقة قائمة أو متوقع قيامها بين دولة فى الاتحاد الأوروبى أو الصين أو روسيا أو دولة فى أفريقيا أو أمريكا اللاتينية من جهة والعالم العربى من جهة أخرى ستجدون العنصر الإيرانى بارزا وربما له الأولوية عند الأطراف غير العربية. لو كنا فى مجلس من مجالس الجامعة لسمعنا مرات ومرات وبصياغات مختلفة كلمات وعبارات من نوع نطالب أو نشجب ولن نسمح والعالم شاهد، ولكن هذه خلوة وفى الخلوات لا يهددون ويتوعدون وإنما يفكرون.
***
فى مثل هذه الخلوات الهادئة بطبيعتها والدبلوماسية فى جوهرها وأدواتها يتحلى المشاركون بشجاعة طرح القضايا الحرجة أو الحساسة. هنا فى هذا الكوخ حيث تنعقد الخلوة لن توجد شعوب ولا من يمثلها أو يشى لها بما دار فيها. هنا سوف يناقشون القضية الفلسطينية، يعترفون لبعضهم البعض بحقيقة العروض المطروحة عليهم. الرئيس ريجان طرح على العرب فى أول عهده طرحا وطلب منهم تبنيه وتبنوه سرا ثم علنا. تكرر الطرح وتكرر التبنى السرى ثم العلنى. الآن ليس سرا أن فى دوائر الخارجية الأمريكية والبنتاجون يوجد من يفكر فى استبعاد العرب من أى طرح قادم واستبدالهم بإيران. العرب الذين لم يصدر عنهم إجراء يتصدى للأمر الرئاسى الأمريكى فى شأن الزائرين والمهاجرين المسلمين لن يتخذوا بالتأكيد إجراء إن صدر أمر رئاسى بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس. هكذا يستمر انحدار المكانة الدولية للعرب كجماعة. صوت العرب خافت أو لعل أغلبه صار همسا يناجى فقط أو يتوسل أو يعتذر. إذا كان الوزراء العرب محرجين من مناقشة قضية فلسطين فى العلن فواجبهم يفرض عليهم أن يخلعوا أقنعة الحرج وينتهزوا تجربة الخلوات ليتشاوروا معا حول اتخاذ مواقف متقاربة ويا حبذا موقفا موحدا يواجهون به قرار القدس أو قرار تصفية القضية أو السياسات الروسية تجاه المنطقة أو الارتباك العظيم الذى أصاب جميع الدبلوماسيات العربية نتيجة تحولات السياسة الخارجية التركية أعقبه ارتباك عظيم آخر بسبب الحملة الانتخابية وسيل الأوامر الرئاسية التى أصدرها الرئيس الجديد للولايات المتحدة. أعرف ويعرفون أن مثل هذه القضايا الحساسة لا يناقشها الوزراء فى مقر الجامعة العربية ولا حتى مع زملائهم فى الحكومة أو الحزب والبرلمان إن وجدت فى بلادهم وكانت فاعلة.
***
تمنيت لو أن واحدا من السادة الوزراء المشاركين فى خلوتهم الدورية تشجع فصارح زملاءه بأنه لم يعد يجد اهتماما كبيرا فى اجتماعات المنظمات الدولية والإقليمية بالصوت العربى أو بالمجموعة العربية. الأفارقة لهم صوت ما زال مسموعا ويعلو باطراد واللاتينيون لصوتهم حساب. العرب فى نظر دبلوماسيات كثيرة لم يعودوا كما كانوا كيانا يحسب له حساب كبير. نحن، وليست المؤامرة، وراء الإهمال الذى تتعامل به معنا كشعوب دول كثيرة وما يجرى فى بلادنا من غزو واختراق واحتلال وتطرف دينى.
***
أسأل الوزراء ويسألهم معى الكثيرون، إلى متى يمكن أن تظل هويتنا عربية وهم لا يصدون عنا زحف الطائفيات والتعصب ولا يخلقون الظروف التى تشجع شبابنا على عدم الهجرة إلى الخارج ولا يبذلون جهدا لمنع انفراط النظام العربى. أسأل: أليس إهمالهم الجامعة العربية ومنظماتها المتخصصة الدليل الأكبر لدى شعوبنا ولدى حكومات دول الجوار غير العربية ولدى الدول الكبرى على أن أكثر النخب العربية الحاكمة لم تعد راغبة فى حماية الهوية العربية أو لعلها غير قادرة بسبب الانقلاب الهائل فى توازنات القوى الراهنة؟.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved