عن مخاوف التفرد بالسلطة تحت الشعار الإسلامى

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الثلاثاء 1 مايو 2012 - 10:30 م بتوقيت القاهرة

وسط الفوضى الدموية التى تجتاح الأرض العربية، فى مشرقها خصوصا من سوريا حتى اليمن، مرورا بالعراق والبحرين، يتابع المواطنون العرب باهتمام استثنائى ما يدور فى مصر من حراك سياسى بجبهاته المتعددة وسواء تمثل بالاجتهادات الدستورية أو بالمناقشات القانونية أو الاعتراض على المقدمات الانتخابية والتخوف من مصادرة الحياة السياسية لحساب اتجاه واحد وإن تبدى برأسين أو أكثر... إضافة إلى المواجهات فى «الميدان» بين القوة والأطراف السياسية المختلفة.


ومفهوم أن يسود التخوف من تحول هذه المناقشات التى تظهر التعارض فى المواقف إلى صدامات مباشرة فى الشارع لتغليب توجه على آخر، خصوصا وقد أمدت انتخابات مجلسى الشعب والشورى التيارات الإسلامية بالشعور بفائض فى القوة قد يغريها على الاستيلاء على سائر المؤسسات، وتحديدا على رئاسة الدولة، متكئة على ما يعتبره خصومها نوعا من «التواطؤ» مع المجلس العسكرى.

 

يقع هذا التخوف ضمن القاعدة فى السلوك الإنسانى التى بلورها المفكر الذى أغنى بانخراطه مع ثوار الجزائر فى جهدهم العظيم لتحرير بلادهم من مستعمرها الفرنسى، فرانز فانون والتى تشير إلى أن المضطهَد (بفتح الهاء) كثيرا ما يقلد مضطهِده فى سلوكه متى واتته الفرصة ونجح فى اقتناص السلطة، أية سلطة وكل سلطة فى أى مكان وزمان.

 

وها نحن نشهد فى العديد من الأقطار العربية التى أسقطت الانتفاضات طغاتها، شيئا من التكرار لتلك القاعدة الأبدية، وبالتحديد حيث احتل الإسلاميون، بفصائلهم المختلفة، واجهة المسرح، وتقدموا نحو مراكز القرار فى السلطة البديلة لوحدهم منكرين على منافسيهم حق المشاركة بذريعة أن الشعب قال كلمته فولاهم.. والأمر لله من قبل ومن بعد!

 

بغير رغبة فى المقارنة، يمكن التذكير بالكلمات الأخيرة لبعض الطغاة ممن أسقطتهم الانتفاضات، فاستهلوا هذا التجرؤ على مواقع سيطرتهم الأبدية، وعبروا عن رفضهم المطلق لإرادة الجماهير... ولعل أصرحهم كان معمر القذافى الذى خاطب معارضيه محقرا: من أنتم؟ أنتم قرود! أنتم حشرات، أنتم بهايم... أين كنتم حين قمت أنا بالثورة؟

 

أما طاغية تونس زين العابدين بن على فقد باشر رده على انتفاضة البوعزيزى بنبرة التهديد والوعيد، ثم تراجع عنها بضغط الشارع فادعى أنه وعى الحقيقة: «أنا فهمتكم، وأنا معكم بضرورة الإصلاح... ولسوف نعمل معكم للإصلاح».

 

          •••

 

كذلك حاول داهية اليمن على عبدالله صالح أن يناور على الانتفاضة بمحاولة تحريك الثأرات والأحقاد والخلافات القديمة، إضافة إلى الحيلة الأبدية المتمثلة بشق المنتفضين، إما على أساس قبلى أو على أساس استثارة حمية الشماليين مع نفاق الجنوبيين، لا سيما حين عين جنوبيا نائبا للرئيس، فضلا عن التلويح بخطر القاعدة... فلما حمل إليه الخليجيون إشارة التخلى الأمريكى عنه ساوم على حصته فى «العهد الجديد» مطالبا بضمانات لم يكن أمام السعوديين غير أن يقدموها، ومن بينها أن يبقى له الكثير من امتيازات الرئاسة وبينها «مواقع حاكمة» ومؤثرة على « القرار».

 

•••

 

ها هم الإسلاميون يكررون أو يوشكون على تكرار الخطأ القاتل نفسه، فى أكثر من عاصمة عربية «أسقطت» أو سقطت بين أيديهم (حتى لا ننسى التجربة الموجعة مع ليبيا ودور الحلف الأطلسى فى تحريرها)... فيفترضون أن السلطة حقهم بالمطلق وبغير شريك، مستغربين أن يطالبهم «الآخرون» وفيهم «الشباب» الذين فجروا الانتفاضات، بالشراكة أو بأن يحفظوا لهم حقهم فى سلطة ما بعد الطغيان.

 

إنهم يمارسون سياسة الاستحواذ على مختلف المواقع، ويحاولون احتكار السلطة، مكررين تجربة النظام الذى أسقطته الانتفاضة، فى الهيمنة على القرار فى العهد الجديد، مستفيدين من زخم تنظيماتهم السياسية التى كانت محجوبة فخرجت إلى الشارع، ومن قدراتهم المالية التى كانت مخبوءة فجرى «تسييلها» لاستمالة الفقراء والبسطاء... وهكذا يبنون الديمقراطية الجديدة عبر التلويح بالسيف والدينار، مستثمرين اضطهادهم التاريخى للمطالبة بتعويضهم عما فات بما هو آت.

 

وينسى المنتمون إلى هذه التنظيمات أن جموع الشعب وأكثرية المناضلين الحزبيين قد نالوا نصيبهم من السجن والاضطهاد، كما أن هؤلاء قد تعرضوا مثلهم لتجربة المشاركة الشكلية فى بعض المواقع غير المؤثرة، لكى يتمكن النظام من الادعاء أنه قد استوعب الجميع، وبالتالى فلا مجال للطعن بصحة تمثيله الشعب، لأن الجميع من أهل اليسار واليمين والوسط هم شركاء له، بدليل أنهم يظهرون فى الصور الرسمية إلى جانب ممثلى الحزب الحاكم.

 

يمكن القول إنهم فى تونس قد أثبتوا أنهم أكثر شطارة من «إخوانهم» فى مصر، فهم قد قبلوا مبدأ الشراكة مع قوى سياسية أخرى كانت تعانى من الاضطهاد مثلهم، ولها قاعدة شعبية عريضة لا تقل حجما وتأثيرا عن قاعدتهم إن لم تكن أقوى ولكنها غير موحدة.

 

أما فى مصر فمنذ الامتحان الأول ممثلا بالانتخابات النيابية (لمجلسى الشعب والشورى) اندفع الإسلاميون، بلونيهم المتمايزين، الإخوان والسلفيين، نحو احتكار السلطة بكثير من الشبق والرغبة فى الاستئثار بها والاستهانة بالآخرين الذين لا يملكون «عدة الفوز بأصوات الناخبين».. متكئين على شىء من التواطؤ مع المجلس العسكرى.

 

ثم إنهم واصلوا الهجوم على محاولات صياغة الدستور، مظهرين إصرارهم على «إملائه» على المصريين جميعا بلغتهم وشعاراتهم، وكأنهم الأكثر علما والأعظم كفاءة فى صياغة الدستور فى مجتمع هو الأول فى المشرق العربى الذى عرف الدستور... ثم إن علماء القانون الدستورى فيه هم من كتبوا دساتير العديد من البلاد العربية، متكئين على دراستهم فى أرقى جامعات العالم وعلى علمهم الغزير بالشريعة واحترامهم الشديد لحقوق الإنسان.

 

ولقد بالغوا فى إظهار رغبتهم فى احتكار السلطة عبر مؤسساتها جميعا فتصدر مرشحوهم الانتخابات الرئاسية، ولما اصطدم بعضهم بعقبات قانونية تمنع ترشيحهم كادوا يصطدمون بالمجلس العسكرى ورفضوا الموافقة على اختيار هيئة مستقلة تضم الخبراء وممثلى فئات الشعب المختلفة، إلى جانب أعضاء من مجلسى الشعب والشورى، تتولى إعداد الدستور الجديد.

 

•••

 

وهكذا فإن سلوك الإسلاميين يتجاوز محاولات الهيمنة على مواقع القرار جميعا إلى ممارسة قدر عظيم من الاستكبار على كل الآخرين، فى الداخل كما فى الخارج.

 

وربما نتيجة لهذا كله، اندفعت بعض فئاتهم، نتيجة أخطاء فى التصرف أكثر منها أخطاء مقصودة، إلى المواجهة المفاجئة وغير المبررة بين جماعات سلفية والمسئولين السعوديين عبر «محاصرة» سفارتهم فى القاهرة.. ولقد جاء الرد سريعا ومتميزا، بشراسة غير مألوفة من مملكة الصمت التى اشتهر نظامها بأنه ينأى بنفسه دائما عن المواجهات، ويشترى الخلافات بالدولار، حيث أمكن.

 

إن تصرف القوى الإسلامية فى مصر يثير المخاوف من ارتداد عنيف إلى الخلف، عن الدستور والديمقراطية وحق الاختلاف، و«يبشر» بنزعة شرسة إلى مصادرة المستقبل بحجة الانتقام من ماضى الطغيان الذى لم يكونوا وحدهم ضحاياه... بل إنهم فى فترات معينة كانوا شركاء له وساهموا فى التغطية على طغيانه مقابل «رشوة» كانت تؤشر الى نوع من الشراكة.

 

ولا أحد يناقش حق الإسلاميين فى المشاركة فى السلطة، وبحسب القوة الانتخابية التى رفعتهم إلى مجلسى الشعب والشورى.

 

لكن المسألة أن الانتخابات التى جرت فى ظرف معلوم، وضمن مناخات تثير شبهة التواطؤ مع المجلس العسكرى، وتؤشر إلى النجاح فى استدراج الموافقة الأمريكية، والصمت الإسرائيلى على نجاح هذه القوة التى كانت ــ فى ما مضى ــ ترفع شعار التحرير ثم تخلت عنه (كما يتبدى من خلال نهج السلطة فى غزة)... كل ذلك يدفع إلى الاشتباه فى أن يكون النظام الجديد امتدادا فى السياسة للعهد الذى ساهم فى إسقاطه لوراثته، مستندا إلى زخم انتخابى واضح، جسّد الرغبة فى الانتقام من الماضى.

 

لكن الأسئلة المطروحة الآن تتصل بالمستقبل، وبموقع «النظام الجديد» من القضايا الكبرى التى هرب من مسئولياتها، بل وتآمر عليها النظام السابق، الذى يكاد مسلسل محاكمته يشابه المسلسلات التركية، بل لعله أردأ وأقل إثارة منها.

 

ويظل السؤال الأخطر: هل سيمنع الإسلاميون فى مصر كتابة دستور يكون نموذجا يُحتذى فى بقية الأقطار العربية، ويحصن حركة التقدم نحو مستقبل أفضل ببناء نظام ديمقراطى يحفظ كرامة الإنسان وحقه فى وطنه ودوره فى النهوض به إلى حيث يقدر بجهده وبعقله.

 

إن مثل هذا الهدف النبيل هو ما يتوقعه العرب جميعا من مصر، ومن انتفاضتها المجيدة، التى ما زال الأمل أن تبنى النموذج الذى تستحقه مصر: الدولة الحرة المنيعة القادرة على البناء ومواجهة عدوها القوى والمتحررة من النفوذ الأجنبى.

 

والغد أمر أجلّ من أن يترك لفئة أو لحزب أو لتنظيم بالغة ما بلغت قوته التى لا يمكن فصل تأثير الظروف التى رافقت بروزها عن القدرة على تحقيق الأهداف التى انتفض الشعب من أجلها فملأت جماهيره ميادينها، لتفاجأ بعد وقت قصير بأن السلطة قد انتقلت ممن لا يستحق إلى من لا يستطيع منفردا بأداء مهمة جليلة كبناء الغد الأفضل.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved