بين الإسلام التركى وولاية الفقيه الإيرانية

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 1 مايو 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

تربت أجيال عربية على كراهية تركيا، بسبب من تركتها الاستعمارية ثقيلة الوطأة.

 

كذلك كان الوضع مع إيران الشاه، وإن اختلفت الأسباب فحل حاضر الخمسينيات والستينيات محل الماضى البعيد.

 

كان دهر الاستعمار التركى طويلا، بحيث استهلك الزمن الشعار الإسلامى الذى موهه بداية، خصوصا وقد غلب السلطان الخليفة فأسقطه من التاريخ والجغرافيا والممارسة وصارت «العثمانية» بل «التتريك» هو مضمون السياسة المعتمدة. وكان أكثر تطبيقاتها قسوة والتى بلغت حد الوحشية مع العرب المسلمين كامتياز خاص.

 

ولقد كان سهلا على الاستعمار الأوروبى الذى تقدم لوراثة السلطنة بعد الحرب العالمية الأولى أن يعيد رسم خرائط الدنيا العربية الفسيحة التى كانت هويتها قد أسقطت عمدا خلال قرون.. من هنا وجد الشريف حسين المجال مفتوحا لإعلان نفسه خليفة عربيا، وأن يشهر سيفه فى الحجاز لاستعادة «ملك العرب»، متدثرا بعباءة النسب الشريف، تاركا لابنه فيصل أن يتولى عرش سوريا، مع الاحتفاظ بإمارة شرقى الأردن لنجله الأمير عبدالله توطئة لما سيلى معاهدة سايكس ــ بيكو، من مخططات لتقسيم المنطقة أخطرها وعد بلفور بإقامة دولة يهودية على أرض فلسطين.

 

ولقد تعذر على فيصل الأولى الاحتفاظ بملكه فى بلاد الشام، فهزم الفرنسيون جيشه تحت التأسيس عند مدخل دمشق ليتلقفه البريطانيون فيقطعوه ملك العراق الذى أنشئ بعد مساومات طويلة على خريطة كيانه المستحدث انتهت بأن فصلت الموصل عن الكيان السورى لتلحق به.

 

ثم، عشية الحرب العالمية الثانية، وجد الفرنسيون ضرورة لاسترضاء تركيا فاقطعوها بعض الأرض السورية: كيليكيا وأضنه واسكندرون التى باتت تعرف ــ سوريا ــ باسم «اللواء السليب»، وفيها مدينة أنطاكية ذات المكانة المقدسة عند طائفة الروم الأرثوذكس، بل مسيحيى المشرق إجمالا.

 

أما إيران الشاه فلم يكن موقعها عند العرب أفضل بكثير من تركيا.. فليس سرا أن «الفرس» تحت قيادة الشاه لم يكونوا ينظرون باحترام إلى العرب عموما بل كانوا يستعلون عليهم من موقع «الإمبراطورية» مستذكرين دائما أن هؤلاء «البدو» قد حطموا ملكهم الشاسع واسقطوا إمبراطورهم بقوة الدعوة الإسلامية وزخم المبشرين بدين الهداية والكرامة الإنسانية والكتاب: القرآن الكريم.

 

هكذا وجد العرب أنفسهم عندما عرفوا طريقهم إلى الثورة يواجهون خصمين تاريخيين هما الأتراك والإيرانين قبل أن يستولد الغرب عدوهم الجديد والقوى: إسرائيل.

 

●●●

 

وحين تفجرت مصر بثورة 23 يوليو 1952 لم ينتظر خصوم العروبة وأعداؤها طويلا قبل مهاجمتها ومحاولة فرض الحصار عليها، خصوصا وان صداها بدأ ينشر عدوى التحدى فى المشرق والمغرب على حد سواء. وهكذا اندفعت إسرائيل إلى مهاجمة مصر، تارة بزرع القنابل فى بعض المرافق وتارة أخرى ببعض عمليات الاغتيال ومحاولة تحريك قضية اليهود داخل مصر.

 

أما الذروة فكانت فى العدوان الثلاثى فى خريف العام 1956 وبذريعة الرد على قرار الثورة بقيادة جمال عبدالناصر بتأميم قناة السويس فى 26 يوليو 1956.

 

ليس سرا أن تركيا وإيران الشاه كانتا مع العدوان الثلاثى بأهدافه المعلنة والمضمرة، وهى الأخطر إذ كانت ترمى إلى عودة الاستعمار إلى مجمل الأرض العربية التى بالكاد قد عرفت طريقها إلى الحرية. وكانت إسرائيل هى «الطليعة المقاتلة» فى حين كان عسكر تركيا وشاه إيران فى الخلفية السياسية، تبرر أهداف العدوان وتحمى نتائجه.

 

ولم تلبث دول العدوان الثلاثى أن عادت إلى الانضباط تحت القيادة الأمريكية التى استفادت من رصيدها فى استنكار ذلك العدوان للمناداة بحلف بغداد الذى يجمع إلى الولايات المتحدة وبريطانيا عراق الملك فيصل الثانى (الهاشمى) وتركيا وإيران وصولا إلى باكستان، بحيث تحاصر مصر (ومعها سوريا التى ناصرتها ووقفت معها ردا على تضامن مصر الثورة معها فى مواجهة الحشد التركى على حدودها فى خريف العام 1957) بحلف «إسلامى» يضم بعض الأكبر والأقوى نسبيا من الدول الإسلامية (وجميعها، كما لا بد لاحظتم، غير عربية).

 

هل يمكن التأريخ بذلك الحلف، بعد العدوان الثلاثى على مصر مباشرة، بأنها الخطوة الغربية الحاسمة فى اتجاه وضع الإسلام السياسى فى تركيا وإيران فى مواجهة الهوية الأصلية لمنطقتنا العربية، أى العروبة؟!

 

ولأن التاريخ شاهد لا يموت، فإن محاولة إثارة الحرب بين العروبة والإسلام ليست جديدة، وأن ما نشهده اليوم من مواجهات بين هذين المكونين المتكاملين لوجدان الأمة العربية ليس إلا استئنافا لمعركة مفتوحة منذ بدايات القرن الماضى... مع إرادة معلنة بطمس التغيير المؤثر الذى نقل إيران من المعسكر المعادى إلى موقعها الحالى الذى يرى فيه البعض انتصارا للإسلام فيها على الفارسية، فى حين يراه البعض الآخر تمويها للنزعة الاستعلائية للفرس بالشعار الإسلامى.. فإذا لم تكف هذه التهمة لإدانة «السياسة التوسعية الإيرانية» الراهنة تمت إضافة «الشيعية» لفصل إسلامها (الشيعى) عن الإسلام (السنى) الذى تدين به أكثرية المسلمين.

 

بالمقابل تجرى محاولة حثيثة لتصوير حكم الإخوان المسلمين فى تركيا بأنه قد أنجز ثورة التصحيح والتقدم داخل الدين الإسلامى، ونجح فى أن يبنى حكما معاصرا ناجحا وقادرا على بناء دولة متقدمة اقتصاديا وبارعة سياسيا بدليل أن عضويتها فى حلف الأطلسى لم تمنع الإخوان المسلمين من الوصول إلى سدة السلطة، وأن عضويتها فى الحلف الأطلسى، وكونها قاعدة عسكرية أمريكية كبرى وكذلك تحالفها الوثيق والدائم والذى لم يتأثر بتغيير رأس الحكم مع إسرائيل لم يؤثر على صداقتها مع العرب!

 

●●●

 

بديهى أن يكون لكل دولة كبرى فى هذا الإقليم مطامحها السياسية ونزعتها «التوسعية» خصوصا فى ظل الفراغ السياسى الهائل الذى واجه الانتفاضات العربية، فأربكها وتسبب فى ضياعها عن أهدافها، مفسحا فى المجال لتقدم الولايات المتحدة وبعض أوروبا مجددا لتثبيت مواقعها، بل ولتعزيزها، خصوصا وأن الحكام الجدد يعملون على مدار الساعة لتأكيد الحاجة إلى العون والمساعدة ــ ماديا وسياسيا ــ تبريرا للبقاء فى حظيرة النفوذ الأمريكى.

 

... وبين هذه المبررات المستجدة: مواجهة النزعة الاستعمارية عند «دولة ولاية الفقيه» الإيرانية، والتى تكاد تستحوذ على المشرق العربى بدءا من لبنان (حزب الله)، مرورا بسوريا (نظام الأسد) وصولا إلى العراق (حكومة المالكى) مع جيوب فى البحرين واليمن وصولا إلى مختلف أنحاء أفريقيا.

 

يمكن الحديث هنا، أيضا، عن صفقة إيرانية ــ أمريكية سمحت لطهران بأن تمدد نفوذها داخل العراق، ليصبح بالإمكان بعد ذلك الحديث عن «هيمنة فارسية» بغطاء شيعى على بلادها دون الرشيد.

 

هكذا، وببساطة يتم التعديل فى خطة التحرر والتحرير: تعطى الأولوية المطلقة «للخطر الشيعى»، وهو أقوى بما لا يقاس من «الخطر الفارسى». تقدم إيران فى المواجهة على إسرائيل التى انضمت بيسر إلى «الحلف الجديد»، وكأنها حارسة الدين الحنيف، وتصنف تركيا الإخوان باعتبارها النموذج الرائد للإسلام الصحيح.

 

وبالتأكيد فإن «حكم الملالى» فى إيران (كما يسميه خصومه)، يبدو وكأنه يأتى من خارج العصر. ثم انه «مقتحم» يواجه بلا تهيب، مؤكدا إسلامه حتى وهو يتمسك بصياغته الخاصة «لشيعيته»، ويرى أن إيران دولة كبرى فى هذا المشرق وبالتالى فإن لها حق الرأى فى شئونه.

 

 ومفهوم أن تشتد الحملة، عربيا، وبالذات من دول الخليج التى قدمت الولاء للشاه، على إيران الثورة، بوصفها استعمارا فارسيا جديدا تحت ستار طائفى.. أما تركيا الإخوان فأمريكا صديق كبير، خصوصا وقد تحرر من ارتباطه الوثيق مع بشار الأسد، إلى حد أن النظام السورى اسقط من خطابه لواء الإسكندرون.. وكذلك فعلت المعارضة التى تتخذ من بعض ارض ذلك اللواء السليب منطلقا لمهاجمة النظام فى دمشق.

 

على أن المفجع هنا هو غياب العرب، مما يوسع هامش النفوذ أمام كل قادر على التقدم للهيمنة تحت شعار «ملء الفراغ» وحماية مصالحه.. ولو بادعاء حماية الأقليات مع الدين الحنيف.

 

المؤسف أن الذرائع التى تستخدم حاليا فى مواجهة إيران ومطامعها تلجأ إلى سلاح المذهبية ولا تتورع عن محالفة إسرائيل أو أقله إسقاط عدائها.

 

ومن باب التذكير، ليس إلا، فإن حكام الجزيرة والخليج، خاصة، ومعظم الحكام العرب كانوا يرحبون بالشاه بل ويخضعون لنفوذه المباشر بوصفه «كسرى المعاصر» ولا يرون من إيران الحالية إلا «شيعيتها» متجاهلين ثورتها الإسلامية وقافزين عن أسباب الضعف التى تجعل خيارهم محصورا بين احد النفوذين الخارجيين، وكأنهم لا أحد، أو أنهم من خارج هذا العالم.

 

 

 

رئيس تحرير جريدة «السفير» اللبنانية  

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved