دول المشرق العربى تهتز: نحو «سايكس ـ بيكو» إسرائيلى؟

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 1 يوليو 2015 - 10:45 ص بتوقيت القاهرة

من موقعين مختلفين إلى حد التناقض، تلاقى التخوف الذى يعيشه عرب المشرق مع «النبوءة» التى أطلقها الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، قبل أيام، مبشرا بأن «ما نشهده اليوم هو تنفيذ لنظام سايكس ـ بيكو جديد خطوة تلو الأخرى على حدودنا الجنوبية، على وجه الخصوص، فلا يمكن تفسير ما يجرى فى سوريا والعراق بالعوامل الداخلية فقط.. بل إننا نرى محاولات لرسم مستقبل المنطقة بأسرها بما فى ذلك بلادنا، عبر مشروعات تتعارض مع تاريخ المنطقة وتركيبتها المجتمعية».

واتفاق سايكس ـ بيكو هو المرجع الاستعمارى لتقسيم المشرق العربى. وقد عقده البريطانيون والفرنسيون لتقاسم بعض «التركة» العربية لزمن الاحتلال التركى زمن الإمبراطورية العثمانية، التى اندثرت مع الحرب العالمية الأولى، وبالطبع مع أرجحية بريطانية واضحة لأن «بريطانيا العظمى» كانت موجودة بعسكرها فى مصر، وفى منطقة الخليج العربى التى كانت مشاعا فقيرا جدا فى ظل شيوخ قبائل يتوزعون «الساحل المتصالح»، وفى بعض العراق وفى البصرة تحديدا باعتبارها أرض التلاقى بين «الرافدين» دجلة والفرات اللذين يشكلان معا «شط العرب» وهو أول الخليج الذى كان بمشيخاته منطقة تقاطع نفوذ بريطانى ـ إيرانى.
بموجب هذا الاتفاق، صُيِرت فلسطين تحت الانتداب البريطانى مظللا بوعد بلفور الشهير الذى «أعطى فيه مَن لا يملك مَن لا يستحق»، تمهيدا لإقامة الدولة الإسرائيلية العتيدة فوق الأرض المقدسة. واقتطع بعض البادية السورية ليكون إمارة هاشمية تحت اسم إمارة شرقى الأردن «تعويضا» للشريف حسين عن خسارته حلم «المملكة العربية»، وخطا عازلا لتثبيت الفصل الكامل بين فلسطين وكل من العراق والسعودية، فضلا عن نزع الهوية السورية عن الأرض والسكان، ليصير شاطئ النهر المقدس حدودا مفترضة لدولة إسرائيل العتيدة.

***

بخطوط بالأحمر والأسود تقاسم الاستعمار البريطانى ـ الفرنسى المشترك هذا المشرق مستولدا كيانات سياسية فى المشرق العربى وفق مصالحه وعبر تقاسم للأرض على قاعدة الأقوى يأخذ أكثر ـ وهكذا كانت «فلسطين والعراق والأردن، الذى ابتدع كيانه السياسى كإمارة هاشمية فى حينها، من حق البريطانيين» الذين كانوا أصلا فى مصر. أما فرنسا فقد أخذت سوريا، بعد رسم خريطة جديدة لها، ثم أعيدت صياغة «الكيان اللبنانى» الذى كان الغرب قد فرضه على السلطة، ليغدو «الدولة» التى نعرفها منذ العشرينيات من القرن الماضى كجمهورية قلقة.

لم تكن الكيانات المستولدة تستند إلى معطيات ثابتة فى التاريخ والجغرافيا، بل فرضها صراع المصالح، فأخذ الأقوى من المستعمرين الأغنى من المناطق ـ وربطت بريطانيا بين حقيقة وجودها فى مصر وفلسطين وعبر الأردن مع العراق، بحيث باتت لها السيطرة على مجمل دول المشرق القديم الثابت منها والمستولد حديثا، مع امتداد عبر منطقة الخليج العربى التى كانت مجموعة مشيخات غارقة فى عتمة التاريخ والجغرافيا حتى الخليج الفارسى. على الطريق إلى الهند عبر إيران.

ولأن البريطانيين كانوا أدهى من الفرنسيين، فقد ثبتوا سلطتهم عبر التمكين لإدارة ذاتية قفزت من فوق الأكثرية، كما فى العراق، مطمئنة إلى ضعف هذه الأكثرية العددية الشيعية مقابل الأقلية السنية «نسبيا» معززة بالأكراد، مسترضية الشيعة باختيار فيصل بن الشريف حسين بن على «ملك الحجاز» ملكا على العراق، مستفيدة من التباس موقع الأشراف عند العامة بغض النظر عن مذهبهم. وذلك ما ينطبق على الأردن. وكانت ردة فعل الشيعة غضبة مضرية تجسدت فى ثورة العشرين ضد الاستعمار البريطانى مع رفض المشاركة فى الحكم.

أما فى سوريا، فقد تصرف الفرنسيون بعقلية استعمارية قاصرة، وهكذا حاولوا ـ فى البداية ـ إقامة أربع دول فوق الأرض التى قسمت بالتراضى مع البريطانيين، فكان للشمال بعاصمته حلب دولة ولدمشق ومحيطها دولة ثانية وللعلويين عند الساحل دولة ثالثة ولحمص والبادية دولة رابعة. وعندما هب السوريون يرفضون تقسيم بلادهم، منت عليهم سلطة الانتداب الفرنسى بتوحيد هذه الجهات فى دولة واحدة، وإن ظلت تراعى مطامع تركيا فى إقليم الإسكندرون حتى إذا جاءت الحرب العالمية الثانية اقتطعت كيليكيا وأضنة وإسكندرون لتعطيها للأتراك، بعد ترحيل معظم أهلها.

***

كان فى كل كيان من هذه الكيانات الوليدة وجوه خلل جدية تبدأ من جغرافيته الطبيعية والبشرية. فالحدود غالبا كثبان من الرمال كما بين العراق وسوريا أو نهر صغير كما بين سوريا وشرقى الأردن، الذى كان بعض مساحتها، والسكان على طرفى الحدود أهل، ينتمون لقبائل وعائلات واحدة، يصعب عليهم الاعتراف بأنهم صاروا «شعوبا» فى «دول» يفصل بين الواحدة والأخرى أسلاك شائكة ومخافر حدودية وحرس لبوادى الرمال.

وكان أهل بعض لبنان يعتبرون أنهم اقتطعوا بأرضهم من سوريا، وضموا إلى الدولة المستحدثة بعد تكبير كيانها الذى أسس له «الاستعمار» بمتصرفية جبل لبنان بعد فتنة مدبرة بين المسيحيين والدروز. فى حين أن الكيانيين كانوا يرون فى «الملحقات» أى الجنوب والبقاع والشمال إضافة إلى بيروت، ما يهدد «الصفاء» الذى كان يطبع كيان المتصرفية.
وستمضى سنوات طويلة قبل أن يسلم المسلمون بالكيان اللبنانى بقوة الأمر الواقع كوطن نهائى منفصل تماما عن سوريا، وقبل أن يسلم المسيحيون بلبنانية المسلمين.

فى سوريا التى رفض أهلها تقسيمها، مجددا، أى بعد اقتطاع فلسطين الأردن وبعض لبنان «وفى وقت لاحق كيليكيا وإسكندرون» من كيانها الطبيعى، سيمر وقت طويل قبل أن يسلم أهلها بالأمر الواقع، خصوصا وأن نكبة أخرى كانت فى الطريق: «تواطؤ بريطانيا مع الحركة الصهيونية لتسليمها فلسطين لتكون كيانا هجينا انتزع من أهله بالقوة لإقامة دولة إسرائيل التى استولدت أقوى من مجموع الدول العربية المحيطة مخلخلة أمنها مظهرة ضعفها بل عجزها عن أن تكون دولا مستقلة قادرة على حماية كياناتها المستولدة، حديثا بلا قدرات فعلية، اقتصاديا وعسكريا، تؤهلها للحياة فى قلب العاصفة الإسرائيلية المعززة بقدرات ساهم فى تقديمها الغرب والشرق معا».

***

.. وقامت «دول» كثيرة فى هذا الشرق، تحت الاستعمار أو الانتداب الذى سيستمر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث كانت الأرض قد باتت ممهدة لإعلان قيام دولة إسرائيل قوية وقادرة على إلحاق الهزيمة بالجيوش العربية جميعا «المصرى والسورى مع مساهمات عراقية ومشاركة رمزية لبنانية وجموع من المتطوعين بالغيرة على بيت المقدس».

على أن كلا من هذه الدول كانت تستشعر نقصا فى الجغرافيا «الطبيعية». فسوريا ظلت حبيسة الحسرة على اقتطاع تركيا «اللواء السليب» أى كيليكيا وإسكندرون، فضلا عما أخذ منها للبنان، والعراق ظل حبيس حسرته على اقتطاع الكويت منه، فى حين حصن النفط المملكة العربية السعودية التى «وحدها» الملك عبدالعزيز آل سعود، كما حول النفط مشيخات الخليج إلى دول: قطر، البحرين، ثم ساحل عمان، الذى سيغدو دولة الإمارات العربية المتحدة.
على أن الأمر الواقع فرض نفسه بقوة القهر الاستعمارى الذى تحكم فى رسم حدود هذه الدول، بغض النظر عن مطامح أهلها.

ولقد عاشت هذه الدول قلقا دائما وتوجس بعضها من البعض الآخر، ثم سقط الحلم بالتوحيد أو التعديل فى الحدود، وصار كل «كيان» يتطلع إلى الكيان الآخر، وكأنه بعض أرضه وقد انتزعت منه بالقوة. ثم ثبتت إقامة إسرائيل هذه الكيانات التى أعطاها الخطر الداهم حدودها فى الجغرافيا وفى الدور.

وها هى مخاطر الحرب الأهلية التى يعيشها كل من العراق وسوريا، تنذر بتفكك الكيانات التى رسمتها معاهدة سايكس ـ بيكو قبل مائة عام، والتى عاشت منذ قيامها حالة قلق جدى عبرت عن جانب منه الانقلابات العسكرية، التى توالت على سدة السلطة منذ إقامة إسرائيل، والتى ظل النظام الحاكم فيها أقوى دائما من الدولة التى غالبا ما منع قيامها.

***

وإذا كان القلق على دولتى العراق وسوريا يطغى على ما عداه حاليا فى ظل مناخات الحرب الأهلية الدائرة رحاها فى هذين «القطرين»، فإن لبنان يشهد محاولات لإعادة طرح الفيدرالية على قاعدة طائفية كصيغة لنظامه والتى قد يغرى بنجاحها تحول العرب من قوة حماية إلى مصدر للخطر ليس على لبنان فقط وإنما على العراق وسوريا قبله.

وحدها إسرائيل تتبدى دولة الاستقرار والمنعة فى الأرض العربية. خصوصا إذا ما انتبهنا إلى القلق التركى كما عبر عنه سلطان العصر الحديث فيها رجب الطيب أردوغان!

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved