منتهى التقدم

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 1 أكتوبر 2014 - 7:40 ص بتوقيت القاهرة

كم ساعة تعمل فى اليوم؟ أغلب الناس تبالغ فى الإجابة عند سؤالهم عن عدد ساعات العمل الذى يقومون به. نسمع من يقول إنه يعمل 20 ساعة فى اليوم وآخر يعمل 16 ساعة. وفى أمريكا تؤكد استطلاعات الرأى هذه الظاهرة. فالناس هناك تصرح بأنها تعمل أكثر من 60 ساعة فى الأسبوع وكثيرون يزعمون أنهم تجاوزوا التسعين ساعة.

بعض هؤلاء يبالغ عن عمد، خاصة إذا كانوا يعيشون فى مجتمع «يقدس» العمل والإنتاج. ففى هذا المجتمع تقاس قيمة المواطن بحبه للعمل وانشغاله به، وبارتفاع إنتاجيته وكفاءة أدائه. وبالفعل نلاحظ فى مجتمعات أخرى أن أكثر الناس تتفاخر بأنها لا تعمل سوى ساعتين أو ثلاث، أو أنها لا تكلف نفسها عناء الذهاب إلى العمل. وهناك بالتأكيد من يسخر من زملائه الذين يعملون كما كان يسخر من زملائه التلاميذ فى المدرسة الحريصين على الإصغاء للمعلم ومذاكرة دروسهم والتفوق فى امتحاناتهم.

•••

علمتنا التجربة والقراءة أن أصحاب العمل فى المجتمعات الرأسمالية يحاولون الحصول من عمالهم وموظفيهم على أكبر عدد ممكن من ساعات العمل. كان الصراع الاجتماعى يقوم فى أحد جوانبه على الخلاف بين أصحاب رأس المال والعمال على ساعات العمل. وبالفعل حقق العمال فى دول الغرب مكاسب متتالية فى هذا الشأن. كانت هذه المكاسب جزءا أصيلا من فلسفة دولة الرفاه الاجتماعية، خاصة فى مرحلة ما بعد الكساد العظيم والحرب العالمية الثانية.

الغريب فى الأمر، أنه مع وقوع الأزمة المالية العالمية فى 2008 واستمرارها بشكل أو بآخر إلى يومنا هذا، لوحظ اتجاه عام بين الموظفين والعمال فى الولايات المتحدة برغبة فى العمل ساعات أطول. بل وصلت جرأة بعض أصحاب رءوس الأموال والشركات الكبرى إلى النص فى إعلانات طلب موظفين على زيادة ساعات العمل إلى 50 و60 ساعة. كانوا مطمئنين إلى أن البطالة المتفاقمة سوف تدفع بالموظفين إلى التمسك بوظائفهم وتجعل العاطلين عن العمل أكثر قبولا بكل الشروط المجحفة التى يضعها صاحب العمل.

•••

كان ملفتا للنظر الإعلان الذى أصدره الأسبوع الماضى ريتشارد برونسون، صاحب مجموعة شركات Virgin، يعرض فيه على موظفيه وعماله، القيام بإجازات متى شاءوا ولأى مدة وبدون تقديم الأعذار والأسباب. الشرط الوحيد الذى تضمنه الإعلان هو ألا تتعارض الإجازة مع كفاءة العمل وجودة الإنتاج ومصالح الشركة وظروف الزملاء.

يعتقد برونسون، فيما أتصور، أن الموظف الذى حقق حصته فى الإنتاج، أو أنهى مهمته، واستمر جالسا على مكتبه أو موجودا بموقع العمل، قد يتسبب بدون قصد فى تعطيل العمل، فضلا عن أنه يسىء إلى نفسه وصحته وحياته العائلية. ما فائدة أن يقضى الوقت فى مقر العمل بينما يستطيع أن يقضيه متريضا فى الحدائق وعلى ضفاف النهر، أو مسترخيا فى بيته يقرأ كتابا ويستمع إلى الموسيقى، أو جالسا مع أطفاله يشاركهم اللعب وينصت إليهم إن اشتكوا ويحكى لهم الحواديت والروايات.

أظن أن برونسون كان على علم بما نعلمه جميعا رؤساء كنا أم مرءوسين. عندما يجيب أكثرنا على السؤال، كم ساعة تعمل فى اليوم، بإجابة تعكس مبالغة فى عدد الساعات، نعلم ضمنيا أنها تعكس أيضا جانبا من عدم الصدق. إن كثيرا مما توافقنا على تسميته عملا، هو فى الحقيقة لا يمت بصلة إلى العمل، نتحادث دقائق، وأحيانا ساعات، على الهاتف مع أصدقاء من العمل وخارجه، فى أمور شخصية. نحاول معا حل مشكلاتنا الخاصة جدا بزعم أن هذا الجهد يخدم أجواء الانتاج ويحسن المزاج العام، بل هو جزء مهم من أخلاقيات الزمالة. من منا لا يقضى جانبا عريضا من وقت العمل فى اجتماعات لا طائل مثمرا من ورائها والمستفيد منها غالبا يكون عامل البوفيه.

•••

ليس سرا مصريا خالصا أن موظفين وموظفات يعتبرون الخروج للعمل وقضاء الوقت فى مقره أقل مشقة من البقاء فى المنزل وأداء الأعمال المنزلية.. وأن نسبة لا بأس بها تذهب لتتسلى بالنميمة وتبادل أنواع الطعام وممارسة المشورة ومناقشة الأحوال السياسية. يفضلون هذه الأنشطة عن أنشطة رتيبة ومملة وبعيدة عن صحبة الزملاء والزميلات. أمام الحالة المستعصية التى تمسك بخناق «الكاتب» المصرى موظفا كان أم عاملا، يستحق العرض الذى قدمه برونسون لموظفيه وعماله، أن يعرضه أصحاب العمل المصريين، ومن بينهم الحكومة المصرية، على موظفيهم.

•••

يقول المدافعون عن برونسون، إن الأخذ باقتراحه سوف يخلص عددا من الموظفات والموظفين من عقدة الذنب التى تتكون بدون شك نتيجة قضاء وقت فى العمل بدون عمل. هذه العقدة، قد تستحكم لدى بعض الموظفين، فتؤدى إلى مشكلات نفسية وعصبية أشد خطورة. بل يؤكد أساتذة ومتخصصون أن هذه العقدة تقف وراء علاقات زوجية متدهورة وحلات طلاق متزايدة ووراء أطفال معذبين أو تعساء. يقولون أيضا، أن الموظف الذى يبتعد عن مقر العمل لفترات إجازة متقطعة ومتعددة يعود من إجازاته أشد التصاقا بالشركة وأكثر اشتياقا لعمله وزملائه وزميلاته.

•••

هناك مزايا أخرى. يقول علماء نفس إن تجاربهم أفادت بأن الإنسان العاطل عن العمل اجبارا أو اختيارا إنسان أوفر مقدرة على إقامة علاقات عاطفية والمحافظة عليها. يستند هؤلاء إلى دراسات أجريت فى أوقات الكساد على الأشخاص الذين يسعون إلى الارتباط عاطفيا والخطوبات واللقاءات الغرامية، وتبين منها زيادة ملموسة فى هؤلاء وأولئك وتأكد صدق الحكمة القائلة بأن «البؤس يحب الصحبة». ففى الأزمات الاقتصادية يجد الناس الوقت الكافى للتعارف مع الجنس الآخر والدخول فى علاقات عاطفية. هذه العلاقات العاطفية ضرورة يجب السعى دائما لإشباعها خاصة فى أوقات «البؤس» المالى والاجتماعى والقلق الناتج عن صعوبات وأزمات فى العمل، لأن هذه العلاقات العاطفية تتسبب فى زيادة إفرازات معينة فى المخ، وهذه بدورها تزيل القلق. هكذا، وبفضل هذه العلاقات التى نشأت وتمت فى ظروف إجازات حرة يشجع عليها أصحاب العمل، تتجدد «نفسية» العامل فيعود ليحصل على إشباع العمل بعد أن حصل على إشباع الحب والسلام النفسى.

•••

حاجتنا ماسة إلى زيادة الانتاجية وإلى مصالحة أنفسنا وإلى سلام اجتماعى وإلى إشباع عواطفنا. بمعنى آخر: حاجتنا ماسة إلى إجازات أكثر.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved