عد تنازلى!

أحمد عبدربه
أحمد عبدربه

آخر تحديث: الأحد 1 نوفمبر 2015 - 11:00 ص بتوقيت القاهرة

٣١ يوما هى العمر الاعتيادى لشهر أكتوبر الذى انتهى بالأمس، ورغم أن الشهور ذات الواحد والثلاثين يوما تبدور طويلة ومملة، إلا أن شهر أكتوبر هذا العام قد حمل لنا العديد من الرسائل السياسية والساخنة والتى أنهت شهورا طويلة من الملل والرتابة السياسية التى ميزت باقى شهور ٢٠١٥ فى ظل التأجيل المستمر للانتخابات البرلمانية وغلبة الأمن على السياسة حتى أصبحنا بالفعل نقوم بالعد التنازلى!

فى أكتوبر ٢٠١٥ يمكن رصد ثمانى رسائل سياسية وجهتها أطراف عدة فى الداخل المصرى تؤكد أن العد التنازلى قد بدأ بالفعل، هى رسائل تنتظر من ينظر إليها ويفهمها ويضعها فى عين الاعتبار إن أردنا دفع البلاد إلى الأمام وانتشالها من مستقبل غامض، كانت هذه الرسائل على النحو التالى:
أولا: الشعب انسحب! كانت هذه رسالة الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية المصرية والتى حتى لو سلمنا بصحة نتائج المشاركة المعلنة رسميا (تدور حول نسبة الـ٢٥٪) فتظل هى النسبة الأقل فى تاريخ الانتخابات البرلمانية المصرية فى الفترة من ١٩٧٦ وحتى الآن، حيث كانت النسبة الأقل على الإطلاق فى انتخابات ٢٠١٠ (٢٧٪ تقريبا)، تليها انتخابات ٢٠٠٥ (٢٨٪ تقريبا)، حتى جاءت نتائج المشاركة فى الجولة الأولى لتكون الأقل على الإطلاق (غير محسوب فى هذه الإحصائية نتائج انتخابات مجلس الشورى فى أى فترة كونه مجلسا يغلب عليه الطابع الاستشارى). عدنا إلى مرحلة ما قبل ٢٠٠٥ حيث الانسحاب العام من السياسة، والعزوف عن الإقبال على الأمور التى تخص الشأن العام عموما. لم تنفع مع الناس محاولات التعنيف أو التهديد على شاكلة «لا تلوموا إلا أنفسكم لو لم تشاركوا» أو «شاركوا حتى لا يصل السلفيون إلى الحكم»، الناس رأت أن السياسة فى مصر عادت إلى مرحلة التفصيل و«التأييف»، فعادوا هم أيضا إلى الانسحاب وعدم المشاركة فى مسرحية العرس الديموقراطى.
ثانيا: ٣٠ يونيو لا تعترف ولا تحترم ٢٥ يناير! جاءت هذه الرسائل بوضوح من الجمهور القليل الذى شارك فى الانتخابات البرلمانية ومن أجهزة الدولة وصقورها فى الإعلام وفى دوائر رجال المال والأعمال! فعلى الرغم من ديباجة دستور ٢٠١٤ والذى يقر باحترام الحدثين رافضا حتى أن يضع بينهما حرف العطف «الواو» للإيحاء بأنهما نفس الشىء، وعلى الرغم من حرص الرئيس فى خطبه الرسمية على تأكيد المعنى ذاته فى مرات متعددة، فإن الانتخابات الأخيرة وطريقة تعاطى أجهزة الدولة والإعلام معها قد أوضحت بجلاء أن ذلك الفصيل الذى شارك فى ٣٠ يونيو ولكنه مازال يحترم قيم ومبادئ ٢٥ يناير لن يكون له وجود فى السلطة التنفيذية أو التشريعية فى المستقبل، والمطلوب الآن هو ذلك الفريق الذى يخلص فقط لـ٣٠ يونيو باعتبارها تفويضا تاما للسلطة بالحكم نيابة عن الشعب!
ثالثا: التحفز هو سيد الموقف، أظهرت أيضا الكثير من أحداث الشهر المنصرم أن هناك فئات شعبية عديدة متحفزة لمقاومة السلطة، أى سلطة تفرض أوضاعا خاطئة أو غير عادلة، ولكنهم لا يجدون حتى الآن المعركة السياسية المناسبة للمشاركة إما بسبب غياب القوى السياسية القادرة على إعادة حشد الناس أو تنظيم مطالبهم، أو بسبب الخوف وعدم الثقة أن الأفعال الجماعية ستلقى دعما شعبيا يحميها من بطش السلطة. ففى الشهر الماضى صمم بعض العاملين فى شركات النسيج على الاعتصام رغم تهديدات السلطة، كما ظهرت أيضا فى الوقفات الاحتجاجية التى دعا لها بعض الشباب ضد رؤساء أحياء مدينة الإسكندرية بسبب تقصيرهم فى أزمة الأمطار، كما ظهرت أيضا فى الحملات الإلكترونية ضد إحدى الإعلاميات المتجاوزات دائما وأبدا لدرجة دفعت بعض الشركات المعلنة الإعلان عن الانسحاب من البرنامج وهو ما أدى إلى استقالة المذيعة. صحيح أن كل هذه الأفعال الاحتجاجية مازالت ضعيفة وعشوائية وغير منظمة بالشكل الكافى لتصب فى حملة سياسية احتجاجية لها مطالب محددة، كما أن السلطة (كل سلطة) تتصرف معها باعتبارها موجات عالية يمكن التحايل عليها حتى تهدأ، إلا أن مجرد وجودها وتخطيها للاستقطابات التقليدية (علمانية/إسلامية)، (يمينية/يسارية)، (دولجية/ثورجية) هو رسالة هامة لمن يهمه الأمر.
رابعا: النزاهة أشمل من التزوير! ثبت خلال الشهر الماضى ما سبقت الإشارة إليه فى مقالات سابقة من أن مفهوم «نزاهة» العملية الانتخابية أعم وأشمل من مجرد «التزوير أو عدمه»، ذلك أن الانتخابات التى جرت الشهر الماضى أثبتت أن أزمتها أعمق بكثير من الحديث عن رشاوى انتخابية هنا أو هناك، أو نجاح هذا المرشح أو ذاك، وأن الأزمة هى باختصار أزمة القوانين التى نظمت العملية الانتخابية منذ البداية، أزمة التأجيلات غير المبررة، أزمة انحياز الإعلام لشبكات وجماعات مصالح معينة، أزمة الإصرار على تأميم السلطة التشريعية واختطافها لصالح أجندة سياسية محددة سلفا بغض النظر عن أى جدل حول حقيقة عدد الأرقام المشاركة فى الانتخابات أو تسويد البطاقات أو الإلتزام بالصمت الانتخابى، وهو ما يعنى أن البرلمان القادم لن يكون ممثلا للشعب المصرى بطوائفه وجماعاته المتعددة وأنه سيكون مجرد ديكور سيتعرض للهدم فى أقرب فرصة!
خامسا: الاحتفالات الأسطورية لا تعنى النجاح! رغم أن هذه الرسالة قديمة قدم تنظيم المؤتمر الاقتصادى مارس الماضى، إلا أنه كان ولابد من التذكير مرة أخرى بهذه الحقيقة البسيطة التى لا تحتاج إلى بذل جهد لإثباتها وهى أن حسن التنظيم أو الحفلات الأسطورية لافتتاح هذا المشروع أو ذاك لا تغنى أبدا عن دراسات الجدوى والشفافية والرقابة والمحاسبة والتى هى الأصل فى المشاريع العامة التى تستخدم موارد البلاد المحدودة بطبيعتها وخصوصا فى هذه الظروف السياسية والاقتصادية الخانقة، فشراء شرعية سياسية بموارد عامة فضلا عن أنه مقامرة غير مضمونة العواقب، فهو أيضا من علامات الاستهتار بالإرادة الشعبية ودليل على تبديد موارد الدولة فيما لا يفيد.
سادسا: الغلابة فى واد والدولة والنخبة فى واد آخر! كانت هذه أيضا من رسائل أكتوبر، فالناس العاديون الذين يعيشون اليوم بيومه يزدادون فقرا وجهلا، والنخب التى تعيش فى برجها العادى (بما فيها النخب الثورية) إما أنها مشغولة بتصفية حساباتها الشخصية أو أنها غارقة فى التنظير والاحتفال بالانتصارات الوهمية، بلا تعلم أو فهم لما يجرى حولها! أما الدولة فحدث ولا حرج، فهى كالعادة لا تنظر إلى هؤلاء إلا باعتبارهم «هما ثقيلا»، لابد من التوقف عن «تدليعهم» بسحب الدعم منهم كى يتوقفوا عن «الخلفة» ويبحثوا عن حلول غير تقليدية لمعيشتهم، قطعا لا تذكر الدولة أنك لو أردت أن تسحب الدعم من الفقراء فلابد لك من إعادة البناء السياسى من جديد، وأنك لا يمكن بعد أن استدعيت حكائية «الحفاظ على الدولة» منذ يونيو ٢٠١٣ بكثافة لدرجة أنك اقنعت الناس أن قتل ألف أو اثنين من أجل الحفاظ على الدولة هو عمل مشروع، أقول لا يمكن بعد كل ذلك أن تقول لهم أنكم «متدلعين زيادة عن اللزوم» وأن الدولة ستتخلى عن احتضانكم! فلماذا ضحوا بالدماء وأيدوا الدولة اذا؟
سابعا: سقوط المنطق الإصلاحى! كاتب هذه السطور بطبيعته إصلاحى يعتقد دوما أن الإصلاح هو عمل رشيد بين فاعلين سياسيين لديهم الحد الأدنى من الوعى للتوصل إلى حقيقة أن الإصلاح كفعل بديل عن الهدم أو إبقاء الأوضاع على بؤسها هو أمر مطلوب ويكف الجميع عناء دفع أثمان باهظة! لكن أثبت الشهر الماضى، كما أثبتت الشهور والسنوات التالية ليناير، أن السلطة ليس بها إصلاحيون، وإن وُجد الأخيرون فهم أضعف بكثير من الانتصار لأى أجندة إصلاحية، السلطة ليس بها سوى صقور يلعبون مباراة صفرية بغشم شديد سيكلف (والحقيقة أنه بالفعل أضحى يكلف) الجميع أثمان فادحة لا يمكن أن تحتملها مصر على الأجلين المتوسط والطويل!
أما الرسالة الأهم، فهى أنه وبدون إصلاحات سياسية وأمنية فلا معنى ولا طائل من أى محاولات لتجميل الصورة أو التحايل على الواقع المر، أفلت مبارك من يده فرصة الإصلاح واعتقد الجميع أننا بصدد ثورة «جياع» فجاءت يناير لتنقذ الجميع من مصير مظلم إذا ما قام الجياع ليفتكوا بالسلطة وبالمجتمع، ولكن فاتت عليها الفرصة وعدنا مرة أخرى إلى نقطة الصفر حيث إن العد التازلى قد بدأ بالفعل للسلطة الحالية، لا نعرف إلى أى وجهة سيقودنا وخصوصا وأن البدائل غير متاحة، ولكنها ستكون حتما وجهة مؤلمة للجميع!

مدرس النظم السياسية المقارنة، جامعة القاهرة.

اقتباس
أفلت مبارك فرصة الإصلاح واعتقد الجميع أننا بصدد ثورة «جياع» فجاءت يناير لتنقذ الجميع من مصير مظلم إذا ما قام الجياع ليفتكوا بالسلطة وبالمجتمع، ولكن فاتت عليها الفرصة وعدنا مرة أخرى إلى نقطة الصفر حيث بدأ العد التنازلى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved