لقاء السحاب بين توماس بين والكواكبي

معتز بالله عبد الفتاح
معتز بالله عبد الفتاح

آخر تحديث: السبت 2 يناير 2010 - 2:08 م بتوقيت القاهرة

 كنت قد كتبت فى هذا الموضوع من قبل، وأعتقد أن بحكم اتساع قاعدة قراء «الشروق» فمن الواجب أن أعيد طرح هذا الموضوع عسى أن يكون فيه ما يفيد شخصا ما فى زمن ما. الموضوع ببساطة أن أصحاب الأفكار النيرة فى مصر موجودون وحاضرون لكنهم ليسوا بالضرورة قادة رأى عام بمعنى أن عطاءهم الفكرى عميق لكنه ليس من الاتساع كى يشمل عددا كبيرا من الناس القادرين على أن يعوا معنى الكلام وأن يطوروا منه منطلقا لسلوك مختلف. وما نعانيه اليوم كان بسبب أن هذه الآفة أصابتنا من بعيد. ولهذا السبب فهذا المقال مخصص لمناقشة عطاء شخصين أحدهما رأى نتاج إنجازه لأن أصحابه قاموا به وآخر مات وذهبت الكثير من أفكاره أدراج الرياح. الأول اسمه توماس بين (Thomas Paine) والآخر اسمه عبدالرحمن الكواكبى. هما لم يلتقيا قط لكنهما كتبا وكأنهما عقل واحد انشطر إلى جسدين. أحدهما إنجليزى والآخر سورى. الأول عاش فى القرن الثامن عشر والآخر فى القرن التاسع عشر. كتبا ما عندهما ووفيا ما عليهما وبذرا ما امتلكا، لكن بذرة الأول صادفت أرضا عامرة عفية قادرة على الاستيعاب والإنبات قرأت ووعت بنت وتقدمت والأخرى صادفت أرضا غليظة ونفوسا ضعيفة لم تقرأ ولم تفهم ولم تزل تعيش نفس مشاكل أجدادها وكأنها أبت إلا أن يكون أجمل ما فيها ماضيها.

***

كفاية مقدمة وندخل فى الموضوع. أعزائى القراء أقدم لكم توماس بين بمؤلفاته الثلاثة الكبار التى صنعت مع آخرين مستقبل المستعمرات البريطانية فى أمريكا الشمالية (والتى أصبحت لاحقا الولايات المتحدة الأمريكية) ثم ساهمت فى تنوير الرأى العام الفرنسى فشارك مع الفرنسيين فى الثورة الفرنسية وساهم بوضوح فى وضع قيود شديدة على الملكية البريطانية ثم كل الملكيات الأوروبية وهاجم الاستبداد إلى أن أصبح واحدا من ضحاياه.

المؤلَّف الأول هو Common Sense أى الحس السليم، ويا له من عنوان عبقرى لكتاب عميق، والذى نشره فى عام 1776 ينادى فيه ويزرع فى ثناياه فكرة حق المستعمرات الإنجليزية فى أمريكا الشمالية فى أن تستقل عن الاستبداد الإنجليزى. متى كتبه؟ فى نهايات القرن الثامن عشر. كم نسخة طبعت من هذا الكتاب؟ نحو 120ألف نسخة فى 3 أشهر فى مجتمع كان عدد سكانه آنذاك 4 ملايين نسمة، وخلال عام واحد بلغت عدد نسخه المطبوعة نحو نصف مليون نسخة فى أوروبا بما جعله أكثر الكتب مبيعا باللغة الإنجليزية فى القرن الثامن عشر. ولا يعادل هذا الرقم من مبيعات الكتب فى مصرنا المعاصرة إلا كتب فن الطهى والتنجيم. أما لو سألت كم كتابا تطبعه وتبيعه مكتباتها للكواكبى الذى قام بدور توماس بين فى مجتمعاتنا، فالرقم قطعا سيكون هزيلا بقدر الهزال الذى أصاب عقولنا وأضاع عافيتنا. إن كتاب توماس بين بذرة قوية فى أرض عفية.

من قرأ هذا الكتاب؟.. كل المثقفين والساسة المهمين فى تلك الفترة وعلى رأسهم الجنرال جورج واشنطن، قائد القوات الأمريكية فى مواجهة المستعمرين الإنجليز ومعه كبار رجال الدولة الأمريكان بل إنهم تدارسوه وتناقشوا فيه ووصلوا إلى أنه دستورهم من أجل الاستقلال عن الحكم الإنجليزى المستبد. بذرة قوية فى أرض عفية. بل إن توماس بين الشخص الذى اقترح تسمية الدولة الناشئة باسم «الولايات المتحدة الأمريكية» فكافأته الدولة الأمريكية الناشئة بمبلغ ضخم من المال تقديرا له على بذرته القوية التى صادفت أرضا عفية ونفوسا غنية بمادة الحياة وبالاستعداد للتضحية من أجل مستقبل أفضل. مات وعاشت أفكاره تنتج التقدم والنهضة. بذرة قوية فى أرض عفية.

هل انتهى الأمر بعد أن تحررت الولايات المتحدة؟ لا، فالرجل صاحب قضية عاش من أجلها فى كل مكان ذهب إليه. لقد سافر إلى فرنسا وكتب كتابه الشهير Rights of Man أى «حقوق الإنسان» يمهد فيه للثورة ويدعم فيه حق المجتمع فى مقاومة الاستبداد ورد فيه على كتابات المحافظين الإنجليز من أمثال إدموند بيرك الذى كان يرى أن الثورة تهديد للمؤسسات المستقرة وأنها تدمير للتوازن الذى يعيشه المجتمع حتى وإن كان هناك فقر وجوع ومرض. ولكن توماس بين يرفض «حياة الفراخ والخنازير» كما وصفها.. لأن حق الإنسان أن يعيش إنسانا مكتمل الكرامة موفور الإرادة. ومن هنا هاجم الملكيات المستبدة ودعم حق الثورة عليها بل طالب بأن تتحول الملكية فى إنجلترا إلى جمهورية دستورية تأخذ بالرقابة التشريعية والتداول السلمى للسلطة. وحين نجحت الثورة الفرنسية واستقرت أعطته، مع آخرين، الجنسية الفرنسية الفخرية ثم انتخب عضوا فى البرلمان الفرنسى وهو لا يجيد الفرنسية تقديرا لدوره.. حتى إن نابليون قال له: «إنك تستحق تمثالا ذهبيا فى كل مدينة فى العالم يا صاحب العقل الذهبى». وقبل توماس بين مجاملة نابليون لكنه لم يقبل نزعته نحو الاستبداد فهاجمه فى كتاباته، وقاد حملة مضادة له فى فرنسا واستمع له كثيرون حتى انتهى حكم الاستبداد فى فرنسا أيضا. إنها بذرة قوية فى أرض عفية.

بيد أن الرجل ما كان ليقبل أن يكون هناك استبداد باسم الدين فدخل فى هجوم صريح على الكنيسة بل وعلى كل من يتحدثون بالنيابة عن الخالق من جميع الأديان الأخرى بما فى ذلك «الكنيسة التركية» كما وصفها يقصد بهذا الدور السلبى الذى كان يقوم به علماء الدين الإسلامى فى ظل الدولة العثمانية. لأنه كان يعتبر رجل الدين الساكت على الاستبداد كأنه شريك فيه. فوصف نفسه بأنه مؤمن لكن كنيسته هى عقله. فكتب فى كتابه الأشهر The Age of Reason «عصر العقل» عن حتمية الإصلاح الدينى برفض سيطرة رجال الكنيسة على الدين، ورفض الدين الذى يتحالف مع الدولة المستبدة. فالدين عنده أعمق وأعظم وأرحم من أولئك القابضين على عقول الناس. واعتبر أن العلم، وهو فى هذا يعتبر نفسه تلميذا للسير إسحاق نيوتن، هو المحرر للعقل البشرى من سلطان العابثين باسم الدين، كما أن الفلسفة هى المحررة للإرادة الإنسانية من استبداد الدولة.

ولأن الحرية لا تتجزأ فقد كتب الرجل عن تحرير العبيد وهاجم الولايات المتحدة، وعلى رأسها جورج واشنطن، الرئيس الجديد لأنه كان يمتلك عبيدا. هى أفكار قالها فيلسوف عالم وتلقته أذن واعية ونفوس حرة وثابة لما فيه صالح المجتمع. هى بذرة قوية فى أرض عفية.

هذا عن توماس بين، الإنجليزى الفرنسى الأمريكى الذى ساهم بفكره وقلمه فى صناعة ثورتين (الأمريكية والفرنسية) وأوهن الاستبداد فى مجتمعات الغرب. ماذا عن مفكرنا العربى عبدالرحمن الكواكبى، القوى بأفكاره، الضعيف بأتباعه؟

لقد تشارك الرجلان لدرجة أننى وأنا أقرأ كتاب أحدهما، أظننى أقرأ كتاب الآخر ولولا أن كلا منهما يكتب بلغة مختلفة لظننت أنهما عقل واحد فى جسدين. وهو ما يؤكد لى ما سبق أن طرحته من أن كتالوج التقدم واحد فى الكون لكن المهم أن تتلقاه أذن واعية. لقد شدد النكير على الاستبداد فى كتابه الأهم «طبائع الاستبداد» بل إنه وصف الاستبداد بقوله: «الاستبداد أعظم بلاء لأنه وباء دائم بالفتن، وجدب مستمر بتعطيل الأعمال، حريق متواصل بالسلب والغضب».

وقال فى كتابه «أم القرى» عنا، نعم عنا نحن، لقد «تأصل فينا فقد الآمال، وترك الأعمال والبعد عن الجد والارتياح إلى الكسل والهزل، والانغماس فى اللهو.. إلى أن صرنا ننفر من كل الماديات والجديات حتى لا نطيق مطالعة الكتب النافعة ولا الإصغاء إلى النصيحة الواضحة، لأن ذلك يذكرنا بمفقودنا العزيز، فتتألم أرواحنا، وتكاد تزهق روحنا إذا لم نلجأ إلى التناسى بالملهيات والخرافات.. وهكذا ضعف إحساسنا وماتت غيرتنا، وصرنا نغضب ونحقد على من يذكرنا بالواجبات التى تقتضيها الحياة الطيبة، لعجزنا عن القيام بها «أرجو قراءة الاقتباس السابق مرة أخرى...»، «لا نطيق مطالعة الكتب النافعة». وتذكروا أن كتاب توماس بين طبعت منه120 ألف نسخة فى ثلاثة أشهر. لقد كتب لقوم لا يقرأون، ونادى فى قوم لا يسمعون. إنها بذرة عظيمة فى أرض عقيمة.

إن الكواكبى أدرك المشكلة وقدم الحل فنادى بوضوح أن تكون «قوة التشريع فى يد الأمة، والأمة لا تجتمع على ضلال.. وبمحاكمة السلطان والصعلوك على السواء».

ويقول فى وصفه لعلاج الأمة فى حتمية التمييز بين الدين والدولة دونما الفصل التعسفى الذى أخذت به بعض الدول التى عاصرها، وقال بوضوح: «لقد تمحص عندى أن أصل الداء هو الاستبداد السياسى، ودواؤه هو الشورى الدستورية» وقال أيضا: «إن الهرب من الموت موت! وطلب الموت حياة! والخوف من التعب تعب! والإقدام على التعب راحة والحرية هى شجرة الخلد، وسقياها قطرات الدم المسفوح.. والإسارة (أى العبودية) هى شجرة الزقوم». بذرة عظيمة فى أرض عقيمة.

***

طيب، ماذا نفعل؟

هل من الممكن مبدئيا أن نستصدر بطاقة انتخابية حيث إن القانون لا يسمح باستصدار البطاقات الانتخابية إلا خلال ثلاثة أشهر: نوفمبر وديسمبر ويناير؟ والسلام ختام..

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved