«لبناني» فى قاهرة الثورة

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 2 يناير 2013 - 8:55 ص بتوقيت القاهرة

من المطار إلى «الميدان» فى قلب القاهرة، فالى المطار بعد سلسلة من اللقاءات والمناقشات شارك فيها العشرات من «أهل الثورة»، داخل القاهرة وخارجها، من دون أن يغيب عنها من يمثل «الفلول»، تجلى واضحا أن أبواب الحديث فى السياسة قد انفتحت للمواطن المصرى على مصراعيها، وأن عهد «ما ليش فى السياسة» قد انتهى إلى الأبد.

 

انتهى زمن التلقى، وانتبه كل مصرى وكل مصرية إلى واجبه الذى يفرض عليه أن يقول رأيه فى الدستور، حتى وإن لم يكن فقيها فى القانون، وفى الاقتصاد وإن لم يكن خبيرا فى مجال الاستثمار، خصوصا أن «معركة» التعديلات الدستورية وتردداتها على مستوى أهل القضاء ورجال القانون عموما قد نبهت إلى المخاطر الكامنة فى النصوص الملتبسة وإلى أن التزوير يمكن أن يتجلبب نصوصا قانونية.

 

الأهم أن «الثورة» لما تصبح ذكريات عن أيام عبرت وانتهى الأمر.. فميدان التحرير ما زال مليئا بالخيام، والطرق منه واليه مقفلة، وإن كانت الصورة من حوله قد اختلفت، فجاءها الباعة بعربات الأطعمة والشاى والمرطبات.. أما داخل الخيام فقلة من الشباب يتناوبون حراسة ما يمكن اعتباره «ربط نزاع» خلال الهدنة الإلزامية التى تتخلل المواجهات.

 

كانت القاهرة مذهولة نتيجة تصريحات القائد الإخوانى الدكتور عصام العريان حول حق اليهود بـ«العودة» إلى مصر و«استرداد أملاكهم فيها، والتى كان صادرها عبدالناصر، وطردهم منها.. وقد اختتمها بمناشدتهم «إن يعودوا إلى بلادهم، فمصر أولى بهم من إسرائيل».

 

وبهذا التصريح النابى والمباغت تكاملت مضبطة الاتهام في» وطنية» الإخوان.. أما النظام فقد خسر هيبته ولا يبدو متيسرا أن يستعيدها فى المدى المنظور:

 

الشرطة فقدت اعتبارها بعدما وُظفت كطرف فى المواجهات الأولى بعد تفجر الميدان بالثورة.. ومع تكرر الاشتباكات تمكن شباب الثورة من تحييد مجاميع من رجال الشرطة، فى حين أن أعدادا من الضباط الذين استخدموا القسوة مع «الشباب»، وبالذات مع الفتيات قد تم تصنيفهم «أعداء للشعب».

 

بالمقابل فإن الجيش قد استعاد اعتباره الذى كان أصابه شىء من الضرر فى «المرحلة الانتقالية» نتيجة ملابسات عديدة، بينها أن قيادته التى صيرتها الضرورة قيادة سياسية للبلاد قد سلكت سلوكا ضعيفا ومترددا، ولحقتها فى لحظات معينة شبهة «التواطؤ» مع الإخوان المسلمين.

 

وفى حين يمتدح بعض صناع الرأى العام المصرى القيادة الجديدة للجيش، ويشيدون بوطنيتها مستذكرين لوزير الدفاع الجديد تأكيده أن «الجيش ما زال ناصرى العقيدة ويحمل تقديرا عاليا لجمال عبدالناصر، بأن القدرات العسكرية الجديدة»، فإن شباب الميدان يأنسون لتأكيد القيادة الجديدة «حيادها»، وهم رحبوا بالبيان الذى ميز موقف الجيش عن مواقف السلطة الإخوانية.

 

الى جانب الدستور ومعه يواجه حكم الإخوان رفضا شعبيا واسعا. وبين الطرائف أن تجمع الشعارات المرسومة على الجدران فى العديد من شوارع العاصمة بين فلول النظام القديم وبين النظام الإخوانى وبين رفض حكم العسكر.

 

وتتبدى الشعارات الإخوانية، معززة بالشعارات المستفزة التى يرفعها «الحازميون» أى السلفيين، منفرة للمصريين الذين اشتهروا بالإيمان بغير تعصب.

 

على أن هذه الشعارات ومعها السلوك اليومى، فى الشارع ثم فى الدوائر الرسمية، قد أسهمت فى التعجيل فى حسم قضية خطيرة هى موقع الأقباط وسائر المسيحيين فى الحياة السياسية المصرية. ويمكن القول براحة ضمير إن إحدى أخطر نتائج ثورة الميدان هو التوكيد المطلق لثوابت الوحدة الوطنية، وانتهاء عصر التمييز بين المصريين.

 

لقد انتهى زمن التعامل مع الأقباط وكأنهم «جالية أجنبية» فى حين أنهم الأساس فى وجود مصر، وقد أعطوها اسمها..

 

لقد توحد الكل فى الميدان، لكن هذه الوحدة ما تزال بحاجة إلى برنامج والى إطار سياسى جامع. وبرغم قيام «جبهة الإنقاذ الوطنى» التى انضوى تحت لوائها أبرز الشخصيات والأحزاب المعارضة، فإن هذا الإطار ما يزال ينتظر خطة العمل، ومغادرة موقع رد الفعل على قرارات تتخذها السلطة، والتقدم فى اتجاه الإمساك بالقرار وتحديد الخطوات العملية الآيلة إلى بناء مشروع السلطة البديلة، فى المقبل من المعارك.

 

وإذا ما اعتبرت نتائج التصويت فى المعركة الرئاسية بجولتها الأولى التمهيدية ثم الثانية والتى انتهت بفوز الدكتور محمد مرسى، هى المرجع فى تحديد شعبية هذا التيار أو ذاك، وهذه الشخصية العامة أو تلك، فإن معارك «الدستورية» فى تشكليها ثم فى ناتج عملها، ومن بعد فى التعديلات التى أدخلت على الدستور فى اللحظات الأخيرة، تكشف الثغرات التنظيمية التى وفرت فرصة الفوز للإخوان: خصومهم مختلفون، بينما هم تقاربوا حتى كادوا يتوحدون مع «السلفيين» الذين كانوا منافسيهم والتقليديين.

 

للمناسبة، لابد من الإشارة إلى أن «الأحزاب السياسية» فى مصر ليس لها رصيد شعبى وازن، ثم إن من الصعب محاكمتها على قاعدة برامجها أو المنطلقات النظرية. فإخوان 2012 هم بالتأكيد غير إخوان 1928، وغير إخوان ما بعد 1954، وغير إخوان عهد السادات، الذى «اشترى» ولاءهم بتشريع وجودهم الحزبى ووفر لهم الفرصة للمشاركة فى الحياة السياسية ولو من موقع «الملحق» بالنظام. كذلك الأمر مع نظام مبارك.

 

الحزب الجديد الذى يمكن أن يكون له مستقبل سياسى فى مصر هو الحزب الذى يتصدر قيادته حمدين صباحى، وهو «ناصرى» التوجه.. وثمة أحزاب أخرى جديدة ومعظمها وليد «الميدان» بينها «الدستور». أما الحزب المعتق «التجمع» فقد أصابه اليباس تحت قيادته التى لم تتبدل على امتداد نصف قرن إلا قليلا.

 

أين العرب والعروبة فى ثورة مصر؟ وأين «الغرب»، أمريكا أساسا، ثم سائر الدول، وأين «الشرق» ممثلا بروسيا أساسا، ومن بعدها الصين.

 

أمريكا حاضرة فى مختلف المجالات والأمكنة.. ثمة أجيال من الخريجين الذين عادوا من دراستهم فى الجامعات الأمريكية مبهورين بتقدمها العلمى والاقتصادى، وبالمقابل فإن العديد من القيادات العسكرية تلقوا تدريباتهم فى الكليات العسكرية.

 

ثم إن المعونات الاقتصادية الأمريكية تشكل أمرا واقعا ثقيل الوطأة، إذ لا يمكن الاستغناء عن المليار ونصف المليار دولار من المعونات، حتى وإن كانت تذهب إلى غير ما استدينت من أجله، أو أن بعضها ينفق على «خبراء أمريكيين»، فلا بديل لها فى ظل البخل الشنيع الذى مارسته دول النفط العربى مع نظام مبارك، والبخل الأشنع الذى مارسته وما تزال تمارسه مع الحكم الجديد، برغم كل ما بذله «الإخوان» من جهد لاسترضائها وتطمينها، ومن غير أن ننسى أن الزيارة الرسمية الأولى التى قام بها الرئيس محمد مرسى كانت للسعودية، ثم عاد فزارها مرة ثانية لحضور مؤتمر هامشى لم يكن حضوره فيه ملحوظا.

 

الحديث يجرى عن قطر، وليس إلا قطر: إمبراطورية زمن البؤس العربى.

 

ولعل هذا منطقيا.. فسوريا غارقة فى دماء أهلها، والعراق تائه عن حقائق حياته ودوره، وفلسطين استقرت فى خلفية الذاكرة وإن وجد من يحاول استثارة «شوفينية» المصريين عبر الزج بأسماء بعض الفلسطينيين فى بعض الاشتباكات التى وقعت وذهب بعض المواطنين ضحية لها. ثم إن «صفقة غزة» قد أثارت الريب فى دور ما للإخوان المسلمين فى مصر بتزكية أمريكية واضحة. ليبيا مصدر لتهريب السلاح، بكل أنواعه، إلى مصر، والبعض منه «يتسلل» إلى سيناء بذريعة غزة، وربما لهذا زاد التوجس «مما يدبر لمصر فى سيناء»، وباختصار: فالمخاض فى مصر مستمر، ولن تتوضح صورة المستقبل فيها إلا بعد مواجهات ومعارك سياسية فكرية مفتوحة مع الإخوان المسلمين وقد غدوا الآن فى سدة السلطة.

 

وبالتأكيد فإن تصريحات العريان قد فضحت ما كان مستورا من خطط الإخوان لمستقبل حكمهم، إذ يكاد هذا القطب الإخوانى يجعل من إسرائيل حليفا وصديقا لمصر، متجاوزا أنور السادات ذاته، ويريد استعادة اليهود الذين غادروا مصر ثم قاتلوها مرتين كإسرائيليين.

 

لكن ما يمكن استنتاجه من جولة قصيرة بين الآراء إن مصر عائدة إلى دورها، قريبا، ولو كره الكارهون، فى مواقع السلطة فيها، أو فى خارجها القريب والبعيد.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved