خطاب الاحتيال

عماد عبداللطيف
عماد عبداللطيف

آخر تحديث: الثلاثاء 2 يناير 2018 - 10:20 م بتوقيت القاهرة

يعرف العالم المعاصر أساليب متنوعة لإعادة تركيز الثروات فى يد الأقوياء؛ سواء على المستوى الدولى أو الفردى. فعلى المستوى الدولى، اعتادت الدول الكبرى القوية سلب الدول الضعيفة ثرواتها بواسطة الاحتلال المباشر، أو الهيمنة، أو إثارة النزاعات المسلحة فيما بين هذه الدول الصغيرة الغنية، أو غيرها. وعادة ما تأخذ عملية سلب الثروات أشكالا متنوعة، أكثرها افتضاحا هو النهب الصريح، وأكثرها لؤما هو إجبار الدول الصغيرة الغنية على التخلى عن بعض ثرواتها فى مقابل شراء سلاح لا جدوى منه، أو المشاركة فى استثمارات خاسرة، أو الإكراه على خوض حروب بالوكالة، وتحمل فاتورتها كاملة. عادة ما تُنجَز عمليات إعادة تركيز الثروة فى أيدى الدول الكبرى بشكل سرى، بواسطة ضغوط، وإملاءات غير معلنة من الطرفين. ومن ثم، لا يقوم الخطاب بالدور الأكبر فى إنجازها. وذلك على خلاف حالة تركيز الثروات بين الأفراد، التى يلعب الخطاب فيها الدور الأكبر، وهذا المقال مخصص لتأمل كيف يفقد بعض الأفراد العاديين ثرواتهم، بسبب تأثير دعايات اقتصادية، مقروءة، ومرئية، ومسموعة، تشكل ما يُمكن تسميته بخطاب الاحتيال.

هناك ميادين عديدة يُستعمل فيها خطاب الاحتيال بكثافة؛ مثل المضاربات على العملات، والسلع، والأسهم، والمراهنات المقنعة، والعملات الرقمية المشفرة. وقد حظيتْ الأخيرة على وجه التحديد بشهرة واسعة فى الشهور القليلة الماضية، وأصبحت تشغل مساحة كبيرة من الحديث العام، وحقق الخطاب المصاحب لها قدرا من النجاح يجعل من الضرورى التوقف حياله. إذ ليس من السهل دفع شخص عاقل، يقدر لخطواته مواضعها، أن يُغامر بجزء من ممتلكاته، فى استثمار عالى المخاطر، وغير مأمون العواقب، كما هو الشأن فى الاستثمار فى العملات الرقمية. فكيف، إذا، أمكن إقناع آلاف البشر، أو ربما أكثر، بفعل ذلك؟ بشكل مبدئى أرى أن خطابات الاحتيال تستعمل ثلاث سبل أساسية، لإيقاع الضحايا فى فخاخها الحريرية؛ هى الإلحاح، وصناعة الوهم، والأسطورة الفردية.
***
الإلحاح سيد الإقناع. فقد أدرك خبراء الدعاية والإعلان منذ وقت مبكر أهمية الإلحاح فى الترويج للمنتجات؛ وأثبت التكرار المتواصل لرسائل إعلانية بسيطة قدرة سحرية على إقبال الناس على شراء المنتجات التى تُعلن عنها بغض النظر عن جودة المنتج، أو أهميته. وحيثما وليتَ وجهك فى أى فضاء إلكترونى ستجد رسالة تدعوك إلى الاستثمار فى العملات الرقمية المشفرة مثل بيتكوين ولايتكوين وبيركوين والريبل. فلا يكاد يخلو موقع إلكترونى من خبر يخصها، أو شريط فيديو يروج لها، أو إعلان جانبى يدعوك للاستثمار فيها. وغاية هذا الحضور المكثف فى الفضاء العمومى الرقمى هو أن تحوز العملات الرقمية جزءا من انتباه متصفح الإنترنت، سواء أراد هذا أم لم يرده. وبذلك، تُصبح جزءا من عالمه المدرك، وتدخل تدريجيا إلى دائرة اهتمامه، فيفكر فيها، ويتحدث عنها، ويسعى للحصول على مزيد من المعلومات بشأنها، وحينها سيجد ترسانة صناعة الوهم، جاهزة لتقوده إلى الفقد الطوعى للمال.

لا يتحقق احتيال بمعزل عن وهم. وعادة ما يتمتع المحتالون البارعون بمهارات استثنائية فى صناعة الوهم. فهم يرسمون عالما ورديا ساحرا، ممتلئا بالتفاؤل، ومكتظا باللذات، تتساقط فيه الثروات من السماء كالمطر، دون أدنى جهد، ويقضى فيه الفائزون حياتهم يتنقلون بين المنتجعات الشهيرة، والسيارات الفاخرة. وقد شاهدتُ لأجل كتابة هذا المقال عدة رسائل إعلانية مصورة تحفز على الاستثمار فى العملات الرقمية؛ وبحسب ما هو متوقع فإنها تُقدم دروسا عظيمة فى كيفية صناعة الوهم. أول مبدأ فى هذه الرسائل هو التجاهل التام لاحتمالات الخسارة، فليس هناك فى أىٍّ منها ذكر لحقيقة أن أى استثمار عالى المخاطر، هش الضمانات ــ مثل الاستثمار فى العملات الرقمية ــ ينطوى على درجة عالية من إمكانيات الخسارة. وبالطبع، فإن الصور الواقعية جدا التى يمكن أن تعقب الخسارات الفادحة لا يُتخيل ورودها فى رسائل صناعة الوهم؛ فضياع الثروات، وما يترتب عليه من تدهور فى حياة المضاربين، وانهيار لنفسياتهم، ومعاناة لأسرهم، تصل إلى حد التشرد، لا تُذكر أبدا.

***

تقوم صناعة الوهم على مبدأ أساسى هو أن «تكوين ثروتك لا يحتاج إلى أى جهد أو وقت، فقط سر وراءنا». ومن هنا نفهم الهجوم الضارى الذى تشنه الرسائل الإعلانية المروجة لشراء العملات الرقمية على المفهوم التقليدى لتكوين الثروات؛ الذى يربط تكوين الثروة بالعمل الجاد الإبداعى المتواصل لزمن طويل. فهى تقدم عملية الإثراء على أنها قفزة واحدة سحرية، تصل بك إلى قلب الرفاهية الناعمة. وليس بوصفها السير فى طريق طويل، تتراكم فيه المدخرات عبر الزمن. واقتناعا بهذا التصور الكاذب، يحاول كثير من الأشخاص القيام بالقفزة المستحيلة، فيلقون أموالهم فى بئر بلا قاع؛ ليكتشف أكثرهم أن القفزة السحرية لم تكن إلا سقطة من قمة شاهقة على إسفلت الطريق. أما الأشخاص القليلون جدا جدا، الذين يُحققون القفزة السحرية، فهؤلاء هم الذين سيستغلهم خطاب الاحتيال ببراعة كبيرة لتقديم الأسطورة الفردية، التى تشكل وسيلة إقناع سحرية، لشراء الأوهام.

فى لحظة إثارة درامية، يتصل المذيع بشخص على الهاتف، يسأله: أنت فلان؟ فيجيبه، نعم. يسأل المذيع: ما الذى تحلم به فى حياتك؟ وبعد أن يستمع إلى الإجابة يقول له: مبروك، لقد تحقق حلمك. هذا الفرد الذى يُختار عادة من عامة الناس، سوف يكون هو المادة الخام للأسطورة الفردية. فوهم الثراء أو الفوز يتغذى بواسطة الأفراد القليلين جدا، الذى يُمنحون الفوز، أو يحققون بالفعل الثراء. فهؤلاء سوف يكونون الموضوع الأثير للرسائل الإعلانية، تقدم حياتهم قبل الثراء وبعده، وتصور بتفصيل شديد شكل الرفاهية السحرية التى يعيشون فيها بعد قفزة الثراء المفاجئ، ويتم التركيز على التناقض الكبير بين حياتهم قبل الثراء وبعده. وسيتمنى كل من يراهم أن يكون مثلهم، وحينها تتدخل آلة الدعاية الجبارة لتدله على الطريق: استثمر معنا. وعلى الرغم من أن حجة الأسطورة الفردية شديدة الهشاشة؛ ببساطة لأنه أمام كل شخص رابح، هناك عشرات الآلاف من الخاسرين، فإنها شديدة الفاعلية؛ لأنها هى التى تُقدم بإلحاح وبراعة وإتقان، فى حين تُخفى صور الخاسرين المتألمين، كأنها لا توجد أبدا.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved