بين (استئصال البعث) والطائفية بالدولار الأمريكي

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الثلاثاء 2 مارس 2010 - 9:31 م بتوقيت القاهرة

 يعيش العراق تحت الاحتلال الأمريكى أقسى أيام محنته الوطنية، وشعبه المقسم بالأمر يُستدعى إلى صناديق الاقتراع لينتخب نوابه لمرحلة ما بعد الاحتلال... بإشراف القوات الأمريكية وتحت رعايتها المباشرة سياسيا وأمنيا وعسكريا، وإن استخدمت الأجهزة الأمنية العراقية وأبقيت فى الواجهة، حرصا على شكليات «السيادة» وتوكيد الديمقراطية فى العملية الانتخابية التى تكاد أن تكون جولة جديدة من جولات الحرب الأهلية المفتوحة فى هذا البلد العربى العريق وعليه.

ولسوف يذهب الناخبون العراقيون إلى صناديق الاقتراع يوم السبت المقبل، تتقدمهم مخاوفهم على أنفسهم كما على وحدة بلادهم وعلى كيانها السياسى، ليختاروا ممثلى مستقبلهم من أهل الماضى، يستوى فى ذلك العائدون من «المنافى» المذهبة فى الغرب (الأمريكى خصوصا مع محطة ضرورية فى بريطانيا)، أو الراجعون على أقدامهم من مواقع اللجوء فى المنافى القريبة والتى ترى فى الانتخابات الفرصة لتوطيد أمنها بتزكية من تطمئن إلى وعيهم بحقائق الجغرافيا والتاريخ التى تيسر إعادة بناء العراق الجديد بالتوافق مع جيرانه وليس بالتضاد معهم إلى حد افتعال أسباب للحرب.

وتتزايد نبرة التحذير من «لبننة» العراق ارتفاعا، مع تعاظم الإثارة والنفخ فى الحساسيات الطائفية والمذهبية والعنصرية، عبر المزايدات مدفوعة الأجر التى تبثها بالتناوب محطات مملوكة لبعض دول الجوار الغنية، أو أنشأها بعض العائدين إلى «الوطن» على ظهر الدبابات الأمريكية، أو بعض الذين اندفعوا فى الترويج لأنفسهم باعتماد لغة الماضى ولباسه وتقاليده العشائرية مدخلا إلى المستقبل الموعود.

الفوارق بين «اللبننة» و«العرقنة» تتصل بالكم لا بالنوع، وإن كان العراق أغنى بتنوع عناصره، عرقيا، ثم إن تاريخ الصراع فيه كان الأعظم دموية على الإطلاق.

فمع «اللبننة» يمكن وضع الديمقراطية فى مواجهة الوحدة الوطنية لينتهى الأمر بحرمان البلاد من الوحدة الوطنية والديمقراطية فى آن.

أما فى العراق فتعنى «اللبننة» إعادة هذا الشعب الغنى بتاريخه إلى بداية الخلق، خارج أى تاريخ معروف.. فيمكن بالتالى إضفاء الطابع الطائفى على خلع الطغيان وكأنه انتقام «للشيعة» من سفاح «سنى»، مع أن الطغيان لا دين له ولا مذهب.. أو من خلال تصوير الاحتلال الأمريكى وكأنه جاء مدفوعا بالحمية المذهبية لنصرة الشيعة على الدكتاتور السنى، أو لنصرة المضطهد الكردى على الطاغية العربى الذى ينكر عليه حقوقه السياسية فى وطنه الواحد.

ولقد استخدمت الأقليات، الدينية والعرقية والعنصرية، كوقود للهياج الطائفى، بما يضرب أسس الوحدة الوطنية ويمنع تجديدها. افتتح الاحتلال الأمريكى مباراة بين القيادات السياسية: كل يأخذ بقدر ما يعطى الاحتلال، فهو من يوزع الحصص زعامات ورئاسات، نيابات ووزارات وإدارات وشركات مضمونة حصصها فى المشاريع الجديدة لزيادة التدفق النفطى فى العراق.. ثم إن الاحتلال هو من يوزع الثروة الهائلة ويتيحها لنهب منظم وواسع، بعد أن يأخذ حصته، ثم يقاسم كل من يعطيه حصة، ويحمى السماسرة والنهابين.

*******

الحملات الانتخابية تتركز فى ذروة ضراوتها على من كانوا ينتمون إلى حزب البعث العربى الاشتراكي، الذى حكم صدام حسين تحت رايته العراق لخمس وثلاثين سنة، بعضها ــ أقل من عشر سنوات ــ بوصفه «السيد النائب»، أى نائب رئيس مجلس قيادة الثورة (أما الرئيس أحمد حسن البكر، وهو راعيه وحاميه ومن فتح له أبواب المجد، فكان جزاؤه أن سجنه صدام فى قصره، ومنعه من ممارسة أى عمل، كما منعه من الاستقالة حتى استتب له الأمر تماما، فعزله وتركه يموت مقهورا، بعد اغتيال ابنه ومطاردة كل من كان يلوذ به، سواء أكان من عشيرته فى تكريت وجوارها أم من رفاقه القدامى فى الحزب أو فى الجيش)..

الشعار الرائج الآن، والذى حكم السياق الانتخابي ترشيحا ودخولا فى اللوائح، هو «اجتثاث البعث».. وهو شعار رفعه المروجون للاحتلال كى يخلوا الساحة من كل من كان منتسبا إلى حزب البعث، علما بأن الانتساب كان هو باب الدخول إلى الوظيفة عموما. مدنية كانت أم عسكرية، وفى القطاع العام كما فى القطاع الخاص. كانت بطاقة الحزب شرط حياة.

******
فعليا، حكم صدام حسين العراق، بالسيف والسيف والسيف والدينار لمدة خمس وثلاثين سنة دموية حافلة بالحروب التى قادها ضد الغير، كما ضد الأهل. فقد اندفع، بتحريض أمريكى واضح معزز، بتأييد سخى من دول النفط العربية إلى محاربة إيران التى كانت الثورة الإسلامية قد أعادتها إلى موقع «الحليف» الطبيعى للعرب.. وكانت تلك الحرب هائلة الكلفة بشريا (ذهب ضحيتها أكثر من مليونى قتيل فضلا عن ملايين الجرحى) أما الخراب فكان عظيما، خصوصا وأن الحرب امتدت لثمانى سنوات طويلة.

ولما طالب صدام حسين حليفه الأمريكى بالمكافأة أحاله إلى إخوانه عرب النفط الذين أفادوا إفادة عظمى من تدمير إيران، فزادوا من إنتاجهم النفطى بمعدلات فلكية ليزيدوا دخولهم بذريعة تمويل الحرب... لكن هؤلاء، رأوا أنه قد أتم واجبه، وأنهم قد دفعوا له سلفا وكفى الله المؤمنين شر القتال. وقد رد صدام بغزو الكويت، مرتكبا الخطيئة التى ستجىء بالعالم كله لقتاله تحت الراية الأمريكية.

قبل هذه الحروب وخلالها وبعدها كانت «حروب» صدام حسين فى الداخل لا تتوقف: قاتل فقتل آلافا مؤلفة من الشيعة فى الجنوب، وقتل ألوفا من السنة فى الشرق والغرب وعند أى اشتباه بالولاء فقدم «وجبات» عديدة من الإعدامات لضباط وقيادات سياسية بعثية وغير بعثية، ومن أحزاب دينية أو سياسية لا فرق بين «السنى و«الشيعى» أو بين اليزيدى والصابئى والكلدانى والآشورى.

وكان صدام حسين يحكم باسم حزب البعث.. لذا كان شرطا للحياة، قبل المعاش، أن ينتسب أى عراقى، وكل عراقى، وعراقية، إلى حزب البعث وإلا اعتبر من الخوارج وطورد فى رزقه بل وفى حياته.

*****

أما الانتخابات، فهى منافسة محصورة بين الذين حظوا بالرعاية الأمريكية، سواء كلاجئين سياسيين ذهبوا إليها كمحرضين على النظام ومطالبين بالتغيير ولو بتدمير العراق، وبين الذين عادوا من منافيهم يتقدمهم طموحهم إلى السلطة فى ظل المحتل، وهو قد سمح لهم بشىء من المزايدة كسبا للشعبية.

وقد انضم إلى هؤلاء طابور من الانتهازيين الذين لا يمانعون فى تبديل الراية والانقلاب على ولاءاتهم القديمة طلبا لموقع فى السلطة الجديدة.

من كان بعثيا فى ماضيه أعلن توبته، من دون أن يرف له جفن، وادعى معارضة الطغيان ولكن بصمت لأن الكلام مهلكة.
ومن صيرته حاجته إلى الراتب بعثيا التفت إلى من أغواه فأخذه إلى الحزب كوسيلة رزق فوجده يتقدم صفوف المطالبين «باجتثاث البعث»، فانصرف خائفا من أن يشى به ليكتسب براءة من ماضيه المشين.

فى الوقت ذاته كان الاحتلال الأمريكى يتواصل مع القادة البعثيين من أركان نظام صدام حسين فى مساومة مكشوفة: تكونون معى وتؤمنون لى استمرار النفوذ بعد انسحابى فأوفر لكم حصة فى كعكة النظام الجديد... شرطى الوحيد أن تكونوا معى ضد إيران وسوريا.

أما طهران التى لها ثأرها الدموى مع نظام صدام « البعثى» بصورة أو بأخرى ولو فى شعاره الذى اتخذ بعدا عنصريا وطائفيا فى حربه عليها تحت عنوان «قادسية صدام»، فقد وجدت فى هذا التكتيك الأمريكى محاولة للتقرب من سوريا بشعارات حزبها على حسابها، فجهرت بعدائها واستعدادها للقتال ضد أى مشاركة بعثية فى الحكم العتيد فى العراق.

فى حين أن دمشق التى اجتهدت ليبقى موقفها سياسيا من « المكونات السياسية» الجديدة فى العراق لم تجد حرجا فى استضافة العديد من اللاجئين السياسيين متعددى التوجهات. ومن بينهم بعض قيادات حزب البعث العراقى الذين لم يكونوا شركاء فى القرار مع صدام حسين. (الذى لم يكن له شريك فى أى يوم.. وحادثة المفاجأة التى تلقاها رئيس أركان الجيش العراقى حين استدعاه صدام صباحا ليعرف منه أن قوات الحرس الجمهورى قد أتمت احتلال الكويت.. من دون علمه شاهد على تفرده!).. والحقيقة أن أكثر من مليون عراقى كانوا أعضاء فى الحزب لأسباب تتصل بالرزق، خصوصا وأن الحزب- كمؤسسة ــ لم يكن طائفيا، بل إن أعداد المنتسبين إليه من الشيعة كانوا يفوقون أعداد السنة.

إن الاحتلال الأمريكى يخيف العراقيين من حزب سياسى علمانى (فى الأصل) ليدفع بهم إلى إنشاء « كيانات» طائفية صريحة تجعل الحرب الأهلية بينهم، وعلى قاعدة طائفية حتمية. ثم إن الاحتلال الأمريكى يستغل شبح «البعثيين» لإلزام الطوائفيين بالتحالف تحت ظلاله الوارفة...

وحسنا فعل المرجع الشيعى السيد على السيستانى بالامتناع عن استقبال أى مرشح، والتأكيد على دعواته شبه اليومية إلى توطيد الوحدة الوطنية... وآخر من امتنع عن استقباله رئيس الحكومة نورى المالكى، الذى تتهم أجهزة إدارته بتزوير منظم للانتخابات عبر إضافة 800 ألف اسم وهمى إلى قوائم المقترعين.

إن خمسة عشر مليون عراقى سيتوجهون السبت المقبل إلى صناديق الاقتراع، وسط موجة من التهييج والهوس الطائفى والمذهبى والعنصرى المؤهل لإنتاج عشر حروب أهلية. خصوصا وأن السفير زلماى خليل زاده، الذى كان لفترة المرشد «المسلم» للحاكم العسكرى الأمريكى للعراق، يواصل بث نصائحه إلى الناخبين الذين تتولى نشر الفتنة فى أوساطهم عشرات الفضائيات وإن ظلت أخطرها تلك التى تتمركز بالقرب من العراق وتتعامل مع الانتخابات كسوق إعلانية مجزية، حتى لو كان شعب العراق سيدفع «ديتها» من دمائه.

ملاحظة أخيرة: فى معتقل كروبر الذى أنشأه الاحتلال الأمريكى للمعتقلين أو المشبوهين سياسيا، أقام العقيد جولفان قائد الوحدة 89، قواطع تحجز المعتقلين السنة بعيدا عن متناول المحتجزين الشيعة، بذريعة منع اندلاع الخلافات.

إنهم يزرعون الفتنة حتى فى السجن!

ولسوف تكون الانتخابات العراقية أغلى انتخابات فى التاريخ، ليس فقط بدماء ضحاياها وإنما كذلك بمليارات الدولارات التى ستصرف على تزويرها، جهارا وعلنا وأمام العالم أجمع.

وعسى ألا يصبح الاحتلال عند الشعوب العربية هو الطريق الأقصر إلى الديمقراطية التى حرمهم النظام العربى من التعرف إليها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved