شافيز رحل.. شافيز يعود

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الخميس 2 مايو 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

كتبت كريستينا ماركانو وألبرتو باريرا كتابا جاء فيه أن هوجو شافيز كان يتكلم مع الناس وعبر التليفزيون تماما كما يتكلم مبشر أو داعية من دعاة الدين. كان يتحدث ويجيب عن أسئلة الجماهير لمدد تزيد أحيانا على اثنتى عشرة ساعة متواصلة.

 

  كل من أتيحت له زيارة مدينة بيونس أيرس، العاصمة الرائعة للأرجنتين، والتجول فى أحيائها لا شك استرعت انتباهه لوحة هائلة الحجم. على ناحية منها، وهى الناحية المواجهة لأحد أفقر أحياء المدينة وأسوأها حالا فى شئون الرعاية والتنمية والصحة، صورة لإيفا بيرون، زوجة الرئيس الأرجنتينى الأسبق خوان بيرون. تظهر إيفيتا فى الصورة بوجه مبتسم يقطر منه الحنان والعطف والحب. وعلى الناحية الأخرى، وهى المواجهة لأحد أغنى أحياء بوينس إيرس وأروعها أناقة ونظافة، صورة لإيفا بيرون نفسها وقد ظهرت بوجه غاضب يكشف عن ثورة شديدة ونية تحدى.

 

 

●●●

 

   نعرف أنه عند موتها فى عام 1952 حاول الفقراء فى الأرجنتين إعلانها قديسة وطلبوا من حكومتهم الضغط على الفاتيكان لاتخاذ إجراءات فى هذا الشأن. إيفا وخوان بيرون فى الأرجنتين، وأومار توريوس فى بنما وخوان فيلاسكو ألفارادوا فى بيرو وفيديل كاسترو فى كوبا وهوجو شافيز فى فنزويلا وكثيرون غيرهم تشهد عليهم سجلات تاريخ قارة أمريكا اللاتينية باعتبارهم حكاما أو زعماء تصدوا لمشكلات اللا مساواة والدفاع عن الفقراء، هؤلاء اشتهروا فى كتابات الغرب الرأسمالى كقادة شعبويين، بمعنى أنهم فضلوا الإنفاق ببذخ على الطبقات المحرومة، سواء بإقامة مشاريع رعاية اجتماعية وصحية أو بتفضيل إقامة الصناعات التى تخدم أغلبية السكان أو تقوم بتحقيق أغراض اجتماعية إلى جانب ما تنتجه من سلع للاستهلاك أو للتصدير.

 

   يؤخذ على هؤلاء الزعماء الشعبويين، أنهم لم يراعوا تطبيق القواعد والقوانين الاقتصادية عند تنفيذ هذه البرامج، أو أنهم أهملوا التفكير فى احتياجات الشعب فى المستقبل، وفضلوا عليها التفكير فى سد احتياجاتهم العاجلة، عملا بمبدأ أن المستقبل لا زبائن له بين المحتاجين والفقراء. قادة آخرون حاولوا كسب تأييد الطبقات الوسطى بأن خصصوا نسبا كبيرة من الميزانية كمساعدات لشراء مساكن وسلع معمرة ولدفع معاشات تقاعد كبيرة نسبيا. فى كل الحالات خضع «الزعماء الشعبويون» لضغط الجماهير التى تطالبهم بإنفاق الثروة على حاجاتهم وترفض مشروعات تتضمن إدخار أجزاء منها للاستثمار فى البنى التحتية، كالطرق والأنهار والسدود والتعليم الراقى أو على برامج البحث والتطوير.

 

●●●

 

  المؤكد من تجارب فى أمريكا اللاتينية وبعض الدول الآسيوية والعربية أن بعض نظم الحكم التى تعرف «بالشعبوية» حقق إنجازات مشهودة وبخاصة على الصعيد الاجتماعى، أحد الدلائل هو ما حققه هوجو شافيز من خفض كبير فى معدلات الفقر، إذ تدنت نسبة الفقراء ليس فقط فى بلاده، ولكن أيضا فى دول مجاورة بما كان يقدمه لها من معونات وقروض وتسهيلات فى الحصول على نفط فنزويلا. والمؤكد فى الوقت نفسه هو أن للشعبوية دورة خاصة بها. فالنظام الذى يعتمد على قيادة «شعبوية»  يكون عادة قصير الأمد. إذ بعد وقت قصير تبدأ حلقات الاقتراض من الداخل أو من الخارج، ويتصاعد معدل التضخم ويزداد اللجوء إلى الممارسات السلطوية. حينذاك تجد هذه الحكومات نفسها فى ورطة فتضطر إلى اللجوء إلى مزيد من الاقتراض للإنفاق على حاجات الشعب وكسب رضاه، أو البدء فى حرمانه من امتيازات صارت حقوقا له، أو إغضاب الطبقة الوسطى وفقدان حماستها للإنتاج والتحديث والاستقرار، إلى أن تصل الأحوال إلى درجة تضطر الدولة عندها إلى إعلان الإفلاس وهى الحالة التى وصلت إليها الأرجنتين فى عام 2001، أو إلى درجة تدفع القوات المسلحة للتدخل لحماية البلاد من فوضى تبدو شبه مؤكدة.         

 

●●●

 

  هناك دول فى أمريكا اللاتينية لم تجرب هذا النوع من الحكم، مثل شيلى وكولومبيا والمكسيك. إلا أنه حتى فى هذه الدول وفى مراحل كثيرة من تاريخها خضعت لتصرفات وممارسات شعبوية من حاكم أو آخر، إذ لا يمكن إنكار أن الثقافة السياسية لشعوب هذه القارة تشجع على أن يظهر حكام «شعبويون» أو حكام يمارسون «الشعبوية» بين حين وآخر، باعتبار أن الحاكم فى أمريكا اللاتينية «زعيم» قبل أن يكون رجل سياسة أو رجل جيش. لا تزال صورة الفارس، كالحال فى صورة سيمون دى بوليفار، هى النموذج الذى يجب على كل حاكم فى أمريكا اللاتينية، وبخاصة فى دول الأمازون ووسط أمريكا الجنوبية، أن يتمثله.

 

●●●

 

   لا أغفل عوامل أخرى، بخلاف الطبيعة الطبقية فى أمريكا اللاتينية والثقافة السياسية السائدة فيها، إذ لا يمكن أن تناقش أمرا من أمور التطور السياسى والاقتصادى فى دول القارة دون أن تجد للولايات المتحدة دورا فيه. لن تجد دولة فى أمريكا اللاتينية تأمن إلى الولايات المتحدة. ولن تجد شعبا فيها إلا ويتخيل دائما أن أمريكا بشركاتها ومخابراتها وحكوماتها تضمر الشر لحكومات وشعوب أمريكا اللاتينية. تخشاها البرازيل كما تخشاها المكسيك والأرجنتين وبخاصة شيلى وإكوادور ونيكاراجوا، فكل واحدة من هذه الدول مرت بمرحلة سوداء فى تاريخ علاقاتها بالشقيقة الكبرى. يصبح منطقيا والأمر كذلك أن تحن الشعوب بين وقت وآخر لزعيم Caudillo يظهر ليقودها ويحميها من خطر التدخل الأمريكى أو شره الإمبريالية الأمريكية.

 

●●●

 

   من ناحية أخرى قد خاب أمل شعوب عديدة فى أمريكا اللاتينية فى تجارب دخلتها مع الديمقراطية والليبرالية الغربية وسياسات «توافق واشنطن». كانت النتيجة فى حالات كثيرة محبطة ليس بسبب حملات التخلص من القطاع العام وتقليص الأنشطة الاجتماعية للحكومات، ويبرز بشكل خاص الفساد كسبب رئيسى للإحباط. ففى دول ما زال أغلبها يعتمد على تصدير المادة الخام تزداد فرص الرشوة والتبديد، ويعود الشعب يطالب بحكومة قوية المراس وزعيم، ليس بالضرورة، من العسكريين، ولكنه قادر على استعادة الكرامة الوطنية وتأميم الشركات الأجنبية.

 

●●●

 

  كان رحيل هوجو شافيز الفرصة التى شجعت عددا من المتخصصين فى شئون أمريكا اللاتينية على العودة إلى إجراء فحص التجارب التى أفرزتها المرحلة الانتقالية من الدكتاتورية إلى الديمقراطية. المتفائلون الجدد كثيرون الذين يؤكدون أنه لا عودة إلى حكم العسكريين، والمتشائمون الجدد أيضا كثيرون، وهؤلاء يتوقعون فشل ديمقراطية الصندوق التى جاءت إلى الحكم بمادورو نائب الرئيس الراحل رئيسا لجمهورية فنزويلا وبخاصة بعد إدلائه بتصريح شهير حكى فيه عن قصته مع العصفور الذى دخل عليه فى الكنيسة وهو يصلى.

 

       قال السنيور مادورو رئيس فنزويلا فى خطابه إلى الشعب: «كنت أصلى فدخل عصفور من شباك الكنيسة وبدأ يغنى لى، فقمت بالرد عليه. شعرت فى تلك اللحظة أن روح شافيز موجودة معى فى الكنيسة. لقد جاء الرئيس الخالد ليباركنى ويبارككم.»

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved