العاصمة العربية مدينة بلا قلب

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 2 يونيو 2010 - 9:51 ص بتوقيت القاهرة

 على هامش أعمال ندوة سياسية عقدت أخيرا فى بيروت وجمعت عددا من الدبلوماسيين والصحفيين الأجانب، فيهم الأمريكى والبريطانى والفرنسى والإيطالى، وبعض الزملاء اللبنانيين، طرحت مسألة هى فى غاية الأهمية: أين «الشارع العربى» وما أسباب الضعف المفجع الذى أصاب الحركة الشعبية فغيبها تماما عن الفعل وعن التأثير فى القرار السياسى للنظام العربى؟!

انطلق النقاش من السؤال الذى يفرض نفسه، على مدى الساعة يوميا دون أن يجد من يملك الجواب عنه: أين جماهير القضية الفلسطينية التى كانت مقدسة، والتى كانت ــ على امتداد نصف قرن ــ هى المحرك الأساسى للشارع العربى، يواكبها متنبها إلى مخاطر المشروع الإسرائيلى على الأمة العربية جميعا، فى حاضرها ومستقبلها؟!

هل فقدت القضية قداستها ففقدت جمهورها، أم أن النظام العربى قد نجح فى إفراغها من زخمها عبر أسطوانات التفاوض، ولو عبثيا، مع الاحتلال الإسرائيلى، خصوصا بعدما تولت الإدارة الأمريكية رعايته منفردة أو بشراكة شكلية مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى؟

ثم تشعب النقاش حول العنوان ذاته انطلاقا من بيروت التى كانت عاصمة تظاهرات الغضب ضد النظام العربى العاجز عن مواجهة إسرائيل، وكذلك عن مواجهة ما تصح تسميته مشروع الهيمنة الأمريكية.

تم استعراض أسباب التبدل الجذرى الذى أصاب الحركة الشعبية عموما وأخلى الشوارع من جمهورها، وأخذ كل مشارك يروى ملاحظاته وانطباعاته التى تركزت خلاصتها على مضمون واحد: أن العواصم العربية باتت بلا قلب.. بمعنى أن «النظام» قد انتبه إلى خطورة «القلب» كمركز للتجمع ومنطلق لتظاهرات الغضب والاعتراض، فألغى هذا «القلب» عن طريق تقسيمه مربعات أمنية تتولى قوى جاهزة دائما منع المعترضين من التجمع فيه، وكل
هذا بعدما فرغ من تمزيق صفوف المعارضة السياسية باستخدام الوسيلتين الفاعلتين: السيف والدينار.

استذكر بعض الحاضرين ديوانا قديما للشاعر المتقاعد أحمد عبدالمعطى حجازى أعطاه عنوان «مدينة بلا قلب»، قبل أن ينتقل كل مشارك لتعزيز فكرة الديوان بالواقع القائم فى بيروت، التى كانت ولفترة طويلة، «صناجة العرب» وشارعهم الوطنى المفتوح لقضايا نضالهم القومى بشعاراتها التى تتلاقى عند فلسطين: الحرية، الوحدة، التقدم والعدل الاجتماعى.

قال دبلوماسى سويسرى: كانت بيروت عاصمة عربية مهمة، وكنا كمراقبين ومتابعين مهتمين نرصد من خلال حركة الشارع فيها الصراع بين القوى السياسية المختلفة فى مختلف الأقطار العربية ووجهة التحولات التى علينا أن نتوقعها. اليوم، بيروت مدينة بلا قلب.

أضاف صحفى بريطانى عتيق: كنت أعرف من خلال «الشارع» فى بيروت التوجهات السائدة فى القاهرة، أو سياق الصراع بين بغداد ودمشق، أو بين النظام الهاشمى فى الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية. أما اليوم فبيروت «مدن عدة» لا يربط بينها أى جامع سياسى، بل أن «بعضها» لا يتحرك إلا للرد على تحرك «بعضها» الآخر.

كل قوة سياسية «تستقل» بقطعة من بيروت أو ضاحية من ضواحيها، ولا مركز للمدينة التى كانت عاصمة للغضب العربى، بشارعها وصحافتها وأنديتها فضلا عن أحزابها السياسية وقد كانت تعبر عن حركة الصراع بين القوى السياسية فى المشرق والمغرب جميعا.

قال صحفى أميركى قدم حديثا إلى المنطقة: لقد أبلغنى رئيس التحرير ألا أهتم كثيرا بالقاهرة كعاصمة سياسية مؤثرة. قال لى إنه يمكننى أن أرصد الحركة السياسية عبر الصحف والمنتديات أو اللقاءات السياسية المقفلة وليس عبر «الشارع» ممثلا بميدان التحرير الذى تحول أو هو فى طريق التحول إلى أسواق تجارية. ثم إن القاهرة صارت «مدنا» متجاورة بعضها للأغنياء حصرا، خصوصا الأحياء بل المدن الجديدة التى تنامت بسرعة قياسية من حولها (6 أكتوبر وتفرعاتها، القطامية وما قام من حولها).

قال دبلوماسى فرنسى، كان عائدا للتو من بغداد:
كل ما تتحدثون عنه من تحولات أصابت المدن العربية لا يكاد يذكر بالمقارنة ما جرى لبغداد، خلال السنوات السبع من الاحتلال الأمريكى، وبالتحديد ما يجرى لها الآن.

توقف لحظة وسأل: هل سمعتم عن السور الجديد الذى يتم بناؤه، هذه الأيام ليعزل بغداد عن سائر العراق، والذى سينجز خلال عام؟!

كان بعضنا قد قرأ شيئا عن هذا السور بامتداده الخرافى: 112 كلم!

توالت التفاصيل، فقدم كل ما اتصل بعلمه حول السور الذى سيلغى بغداد كعاصمة للعراق ودولته المهددة فى وجودها.

قال صحفى إيطالى زار بغداد مرارا خلال العشرين سنة الأخيرة:
لن يعرف أحدكم تلك المدينة ذات التاريخ إذا ما زارها مستقبلا..
فالمدينة التى بناها الخليفة العباسى أبوجعفر المنصور، على ضفاف نهر دجلة، والتى صارت عاصمة دولة الخلافة ودار الحكم فى عصر هارون الرشيد الذى خاطب الغيوم العابرة قائلا: «امطرى حيثما شئت فإن خراجك عائد لى»... تعيش أو هى تكاد تموت اليوم فى قلب حصارها المزدوج بجنود الاحتلال الأمريكى وبالإرهابيين والقتلة المحسوبين على «القاعدة» التى صارت «قواعد» متعددة الراية والوجهة وإن ظلت جميعها «دموية». هذا فضلا عن فساد السلطة والخلافات المحتدمة بين أطرافها والتى تهدد العراق جميعا، والأقطار المجاورة، بويلات الحرب الأهلية والفتن المفتوحة على مخاطر مصيرية غير محدودة.

ساد الوجوم فأضاف الصحفى الإيطالى:
تتباهى السلطات الأمنية الآن بأنها ستجعل من بغداد «جزيرة آمنة» بعد إتمام بناء هذا السور الهائل من حولها، بضواحيها.. والذى يبلغ طوله مائة واثنى عشر كيلومترا، والسلطة ترى فى السور سياجا أمنيا لصد الهجمات التى يشنها انتحاريو «القاعدة» ومن يعاونهم ويسهل لهم ارتكاب جرائمهم الجماعية التى طالما أراقت دماء الأبرياء، رجالا ونساء وأطفالا، مصلين فى المساجد والحسينيات، وساعين وراء الرزق، طلابا وأساتذة فى الجامعات وأطفالا فى طريقهم إلى مدارسهم، ومتسوقين وباعة وعابرى سبيل.

قرأ الدبلوماسى السويسرى من مفكرته ما خلاصته:
يلتف السور الأمنى، حسب المخطط المرسوم، من حول عاصمة الرشيد فيفصل بغداد عن جوارها جميعا، و«يعزلها» عن سائر أنحاء «الوطن العراقى» فيجعلها جزيرة أمنية محصورة ومحاصرة.. وإن كان ذلك كله، وبحسب السلطات الأمنية قد لا يكون كافيا لتأمين السلامة وحفظ حياة أبناء العاصمة وسكانها أو الوافدين إليها من مختلف أنحاء العراق.

عاد الصحفى البريطانى إلى الكلام فقال:
يتواصل بناء السور من حول بغداد بينما يحتدم الصراع السياسى المموه بالطائفية والمذهبية والعنصرية بين مختلف القوى، زعامات وقيادات و«كيانات سياسية» هى أقرب لأن تكون ائتلافات بين مختلفين فى مواجهة ائتلافات أخرى بين مختلفين، مما يموه صورة الاحتلال الأمريكية الذى يتولى سفيره فى بغداد «تنظيم» الاختلاف بين الأطراف العراقيين، مما يبقى شبح الحرب الأهلية مخيما على هذا الوطن المهدد كيانه بالتمزق.

قال دبلوماسى فرنسى متقاعد:
بين «طرائف» موقف سلطات الاحتلال الأمريكى تصريح أدلى به، أخيرا، معاون وزيرة الخارجية الأمريكية جيفرى فيلتمان، داعيا الدول العربية، جميعا، إلى عدم التدخل فى شئون العراق، مفترضا أن هذه الشئون من اختصاص الإدارة الأمريكية بغير شريك.

قال من يصف نفسه غالبا بأنه مراقب سياسى مستقل، وإن كان إيطالى الجنسية:
ليس هذا التصريح الوحيد يصدر عن مسئول فى الإدارة الأمريكية فى محاولته للإيحاء بأن الشأن العراقى من اختصاص سلطات الاحتلال، بغير شريك، حتى لو تلطت وراء الخلافات التى تعصف بالتوازنات الدقيقة التى تحكم أوضاعه الداخلية وتبقى الاحتلال «حاجة موضوعية» لمنع تفجر الحرب الأهلية، على غرار ما شهدته هذه الدولة التى كانت بين الأقوى والأغنى بين الأقطار العربية جميعا.


أنتحدث عن المدينة وقلبها؟!
إن الاحتلال يقيم سورا سياسيا من حول العراق، إضافة إلى سور احتلاله العسكرى.
أما السلطات الأمنية فهى تجتهد لتبرير إنشاء السور الذى يذكر بجدار الفصل العنصرى فى فلسطين المحتلة، عبر الادعاء بأن تنظيمات القاعدة واشتقاقاتها «تسيطر على معظم مداخل بغداد».. وأنها قد اضطرت ــ نتيجة لهذا الواقع ــ إلى إغلاق الطرق الفرعية ولم يتبق إلا ثمانية مداخل إلى عاصمة «الرشيد».

يذكر أن صدام حسين كان قد اقتطع لمراكز حكمه وإقامته بعض أحياء بغداد، عند ضفة دجلة، وهى هى المراكز التى تحتلها إدارات السلطة ومساكن كبار المسئولين الآخرين، وتعرف بالمنطقة الخضراء، التى يمتنع على المواطنين العراقيين دخولها إلا بتراخيص خاصة.

على هذا فلسوف تصبح بغداد، وهى العاصمة، مدينة معزولة عن سائر العراق بالسور الجارى بناؤه، ثم إن قلبها معزول عن سائر أحيائها ليوفر الأمان لسكان المنطقة الخضراء، علما بأن كل حى فيها معزول عن الحى الآخر بالفرز السكانى الذى فرضه مناخ الفتنة التى تفجرت دموية بين الإخوة وذوى الأرحام خلال السنوات القليلة الماضية، والتى جعلت الاحتلال بعسكره ودباباته ومرتزقته من فرق «لبلاك ووتر» قوة فصل بين الأشقاء الذين أزاغت أبصارهم وبصائرهم لوثة الدم فتاهوا عن عدوهم واقتتلوا.

ليست مدينة الرشيد العاصمة العربية الوحيدة التى يفصل سور عال بين قلبها، أو ما كان قلبها، وبين أحيائها الداخلية ثم الضواحى من حولها، فيعطله ويعطلها جميعا.
إن معظم العواصم العربية قد شطرت مناطق أمنية، وسدت المنافذ إلى حيث كانت ساحة التجمع للانطلاق فى تظاهرات الغضب (ساحة الشهداء فى بيروت مثالا)..

ثم إن معظم العواصم العربية تكاد تكون مسورة، قبل الحواجز والمراكز الأمنية وبعدها، بالفقر والعوز، إذ تحيط بها ضواحى الفقراء والبؤساء الذين هجروا القصبات والقرى فى الأرياف، حيث عز عليها الرزق وجاءوا المدينة يطلبون فيها أى عمل يؤمن «قوت العيال».
العاصمة العربية، الآن، مدن لا مدينة واحدة، والانقسام واضح بين مدن الأغنياء و«مدن» الفقراء.. والأمن هو السور الذى يحمى الأغنياء من الفقراء. فأين القلب؟!

فى كل عاصمة عربية سور أمنى يحمى أصحاب السلطة والثروة والنفوذ ممن كانوا ذات يوم أهلهم فهجروهم وتركوهم فى غياهب فقرهم.

كل العواصم العربية يصدق عليها الوصف أنها مدن بلا قلب..
وقلب المدينة الناس.. ترى أين ذهب الناس؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved