انتفاضات عربية.. خارج العروبة وإسلام سياسى بشهادة حسن سلوك أمريكية

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 2 نوفمبر 2011 - 9:00 ص بتوقيت القاهرة

تتزاحم قوى كونية عظمى وقيادات عربية مستولدة حديثا على نعى «القومية العربية».

 

يتم القطع التام بين الانتفاضات العربية التى يؤكد تزامنها القواسم المشتركة التى تجمع بين «جماهيرها» وأولها وأخطرها أن ما يحدث فى مغارب الأرض العربية له صداه المباشر فى مشرقها، وهو صدى مؤثر وفعال يؤكد وحدة الأهداف والتأثير المتبادل الذى يتجاوز العواطف والمشاعر إلى تأكيد وحدة المصير.

 

يتسابق المنظرون والخبراء والمحللون الاستراتيجيون إلى تأكيد «محلية» كل انتفاضة وتمايزها المطلق عن سائر الانتفاضات العربية وان اعترفوا بان «المناخ» السائد قد ينقل عدوى الاحتجاج والرفض من مجتمع إلى آخر، مستندين إلى «المرجعيات الثورية» المعاصرة بدءا من بولونيا وصولا إلى أوكرانيا فضلا عن الانهيار الصاعق للاتحاد السوفييتى العظيم فى غمضة عين قدرية.

 

فى نظر هؤلاء لا ملامح مشتركة ولا تقارب أو تماثل بين المجتمعات التى اكتسحت جماهيرها الشوارع وصولا إلى قصر السلطان لخلعه.

 

●●●

 

لم يسمع هؤلاء كلمة «العروبة» تنطلق بها حناجر الجماهير الثائرة هادرة ومؤكدة حتمية التلاقى، ولم يروا أعلام العروبة ترفرف فى الميادين، وفاجأهم واقع ان فلسطين كانت الغائب الأعظم عن أفكار الثوار وعن أجهزة التواصل الإلكترونى فيما بينهم، كما ان هتافاتهم لم تتعرض لإسرائيل ومجازرها المتتابعة ضد الشعب الفلسطينى وأرضه ومقدساته وحقه فى جولة له فيها،إلا نادرا.

 

هى ثورات وانتفاضات محلية قد تبرز فى سياق حركتها شعارات إسلامية، ولكنها مقطوعة الصلة بالإسلام الجهادى أو الإسلام الإرهابى.. أو هكذا يراد تصويرها. أنه «إسلام مودرن» معقم بمطهرات أمريكية ــ بريطانية ــ أطلسية ويتسابق على الترويج له الرؤساء باراك أوباما ووزيرته هيلارى كلينتون، ونيكولا ساركوزى ووزيره ألان جوبيه ورئيس حكومة بريطانيا ووزير خارجيته الفصيح... فضلا عن طوابير الأكاديميين والصحفيين المتخصصين، ولا يهم إن كان بينهم إسرائيليون بالمنشأ أو بالتطوع أو بالرغبة فى إيضاح ما يستغلق فهمه على مواطنى الدول الغربية المثقلين بهمومهم المعيشية وموجة الافلاسات غير المسبوقة التى تزلزل اقتصاديات العالم الحر.

 

فإذا ما اخطأ واحد من قادة «الثورة المدنية المعاصرة» فتلفظ بما يعبر عن خزين وجدانه وما يعتبره الطريق إلى الغد الأفضل، مؤكدا أن دستور «دولة ما بعد الثورة» سوف يلتزم «الأحكام الشرعية» وسوف يطبق «القانون الإلهى»، فى كل ما يخص المرأة وقواعد السلوك، شنت عليه حملة شرسة بألسنة متعددة، حتى يتراجع صاغرا ويقر بخطأه الفادح ويكفر عنه.. بالطلب من الحلف الأطلسى تمديد مهمته التحضيرية فى ليبيا ذات الصحراء الذهبية.

 

ثم، فجأة ومن دون سابق إنذار، يدوى فى خطاب الاحتفال بالنصر القرار بإعادة الاعتبار إلى بضعة أنفار من اليهود المحليين، والإقرار بأنهم مواطنون صالحون يتساوون فى الحقوق والواجبات مع أتباع الديانات الأخرى.. وتسقط فلسطين، سهوا، من خطاب التحرير، لتفهم إسرائيل، وهى الموجودة فى كل تلك القوى الدولية التى هبت للنجدة فدمرت ليبيا، عمرانا وجيشا، ان «الثورة» لا تضمر لها أى شعور بالعداء أو بالكراهية.. فالمؤمنون أخوة، ولا يفسد الخلاف على بعض الأرض التلاقى فى الإيمان بالواحد الأحد وجنته التى تتسع للجميع.

 

أما فى تونس فيتم التمهيد لفوز «الإسلاميين المعتدلين» فى الانتخابات عبر بيانات رسمية لدول غربية عديدة ترحب بهؤلاء « التائبين» الذين نفضوا عن كواهلهم أثقال الأصولية، وتبرأوا من السلفية، وأدانوا «القاعدة»، وكادوا يحصرون انتماءهم إلى الدين الإسلامى بأنه إنما يتم بحكم الوراثة، أما ما بعد ذلك فهو «إسلام معاصر» يرطن بالإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية وحتى.. العبرية!

 

لا تعنى هذه الكلمات بأى حال إدانة لحزب النهضة التونسى الذى استقبل الجمهور العربى انتصاره فى الانتخابات بالترحيب، لأنه يحفظ له تراثه النضالى فى مواجهة نظام القمع البورقيبى الذى حاول «تجديد شبابه» مع زين العابدين بن على.

 

ولكن الحرص على هذا الحزب العائد من المنفى وقيادته المستنيرة يفرض تنبيهه إلى ان موجة الترحيب الدولى بفوزه لا تتعامل معه بتاريخه النضالى، بل هى تفترض أن فترة زمنية من النفى وإعادة الثقيف والتعرف إلى ديمقراطية الغرب وتسامحه كانت كافية «لتدجينه» بحيث يغادر التطرف والتعصب إلى الديمقراطية السمحاء.. أى من وطنيته وعروبته إلى ذلك «المطهر» الذى أقيم حديثا، لكى يدخله القائلون بالعروبة التى تعنى وحدة المصير بين أهل المشرق وأهل المغرب، والذين هم بأكثريتهم الساحقة من المسلمين، فيخرجون منه إلى الغربة عن واقعهم وعن هويتهم بذريعة الالتحاق بالعصر.

 

فالإسلام، فى خاتمة المطاف، دين سماوى، ولكنه ليس هوية وطنية، فإذا ما تم تسييسه كما نشهد فى العديد من الدول التى ترفع الشعار الإسلامى، فسنجد أنفسنا أمام مجموعة من الأنظمة متناقضة السياسات متضاربة المصالح، والتى لا تصلح ــ بأى معيار ــ كدليل على الديمقراطية والتقدم واحترام حقوق الإنسان، بل إنها متهمة ــ فى الغالب الأعم ــ بانتهاك هذه الحقوق وبمعاداة الديمقراطية، وكذلك بالخروج على الدين، فى رأى معظم المرجعيات القائمة على شئون الفقه. 

 

●●●

 

ثم إن الغرب الذى يرعى العديد من التنظيمات الإسلامية الآن ويتبنى «الحركات غير الجهادية» يهتم أكثر ما يهتم بأن يجعلهم فى وجه الحركة الوطنية التى تماهى العروبة.

 

وهو بذلك يستفيد من كون الحركات التى رفعت راية العروبة ووصلت إلى السلطة باسمها قد انقلبت على الهوية التى كانت جسر العبور وقاتلتها حتى النفس الأخير فأخرجتها من الشارع بالقمع الدائم.

 

أبسط مثال يتبدى جليا فى موقف الغرب من حركة «حماس»، و«حركة الجهاد الإسلامى» فى فلسطين، فضلا عن «حزب الله» فى لبنان... قبل ان نصل إلى موقف الغرب من الجمهورية الإسلامية فى إيران.

 

أليس ملفتا ان يعيد الغرب عموما الاعتبار إلى التنظيمات العربية للإخوان المسلمين، فتستقبل بعض قياداته فى واشنطن ولندن وباريس وبرلين وروما الخ ويتم الاستماع إلى وجهات نظرهم التى تتضمن شيئا من طلب التوبة عن ماضيهم المغامر، وعن اندفاعهم فى معاداة الغرب إلى حد تحميله المسئولية عن إقامة إسرائيل، وعن دعمه «أنظمة الكفر» وتخليه عن «المؤمنين» الذين يشتركون مع اتباع الديانات الأخرى فى مواجهة الأفكار الإلحادية الهدامة؟!.

 

ثم إن الغرب يتعامل مع تنظيمات الإسلاميين وفق قواعد صارمة: فهو يشترط ان يكون الإسلامى فى مصر مصريا، وفى تونس تونسيا، وفى ليبيا ليبيا وفى اليمن يمنيا.. والا يتم التواصل بين الفرق الإسلامية، أو التنسيق فى المواقف ناهيك بتوحيد الموقف من القضايا المطروحة. فالمحلية هى شهادة حسن السلوك التى يمكن أن تنالها التنظيمات الإسلامية من «الدول» التى كانت تخاف منها وهى الآن فى الطريق إلى رعايتها.

 

أما الإسلامى فى السعودية، مثلا، أو فى الكويت، أو فى الجزائر، أو فى أى بلد نفطى، وبمعزل عما اذا نظامه ملكيا أو أميريا أو جمهوريا، فان التعامل معه يتم بمدى خطورته على منابع النفط وعن أنابيبه ومرافئ تصديره.

 

ليمضى الإسلاميون عمرهم فى الصلاة وليذهبوا إلى العمرة والحج ما وسعتهم القدرة، وليصوموا الدهر، بمعزل عما يفعلونه فى الخفاء.. وليشتروا الأسهم والشقق الممتازة فى لندن وباريس وكان ونيس وسائر المصايف والمشاتى، وليتزوجوا من شاءوا من النساء، فالدين يسر لا عسر..

 

●●●

 

ليحكم أمثال هؤلاء من الإسلاميين ما تيسر لهم أو ما فتح الله عليهم من بلاد.. وليأخذوا من أموال النفط ما شاءوا. المهم أن تبقى السياسة لأهل السياسة من الأصدقاء فى العواصم التى كانت معادية فاهتدى حكامهم إلى أن الإسلام السياسى هو حليفهم الأكيد وصديقهم المخلص، خصوصا إن دينهم يحضهم على الوفاء بالعهد.. إن العهد كان مسئولا!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved