الذين يحبوننا

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين

آخر تحديث: الأربعاء 3 فبراير 2010 - 9:29 ص بتوقيت القاهرة

بعد دقائق قليلة من فوز مصر ببطولة أمم أفريقيا مساء الأحد الماضى، رن الهاتف المحمول للمهندس إبراهيم المعلم رئيس مجلس إدارة «الشروق»، ولأنه كان يتحدث عبر الهاتف الأرضى، فقد رددت نيابة عنه. المكالمة كانت دولية والمتحدث ليس شخصا واحدا، بل رئيس وأعضاء رابطة مشجعى الأهلى فى غزة، علاء خالد وعبدالحليم النمر وزملاؤهما.

لم أتأثر من مكالمة منذ زمن بعيد مثلما تأثرت بهذه المكالمة.

الإخوة الفلسطينيون كانوا يلهثون وهم يتكلمون، كأنهم كانوا فى الملعب.. كلماتهم متقطعة، يريدون قول أشياء كثيرة مرة واحدة خلاصتها «كم هم يحبوننا».

قالوا جميعا وبنفس التعبيرات، تقريبا: شكرا لكم وللمنتخب لأنه أدخل السرور إلى قلوبنا، لأنكم أخرجتم غزة من حزنها ولو قليلا، ،شكرا لكل ابتسامة رسمتموها على وجوهنا، حماكم الله وحفظكم بقدر قدرتكم على إسعاد شعب محروم من كل شىء، من أول الكهرباء وحتى الأمن والغذاء.

كنت أتصور أن هذه المشاعر قاصرة على الفلسطينيين المهتمين بالرياضة لكننى فوجئت بوكالات الأنباء تبث صورا لجماهير عادية جعلت شوارع غزة بعد المباراة تبدو وكأنها شوارع مصرية عادية فى القاهرة والمحافظات.

الأمر نفسه حدث فى عواصم ومدن عربية كثيرة، فالذين فرحوا لم يكونوا فقط الجاليات المصرية فى الخليج، بل مواطنون عرب بسطاء شعروا أنهم هم الذين فازوا أيضا. هؤلاء البسطاء هم الذين كانوا يتصلون بأرقام عشوائية فى مصر ليقولوا لنا فقط مبروك ونحن نحبكم.

أدرك أن هناك الكثير من الشحن النفسى بين الشعوب العربية، كما هو وحادث الآن للأسف بيننا وبين الإخوة الجزائريين، لكن ذلك يظل الاستثناء للقاعدة فى أننا أشقاء، وبيننا مصالح وأشياء كثيرة، لم يفلح الأعداء على مر التاريخ فى التأثير فيها، قد يكونون قد كسروها أو شوهوها، لكنهم لم يستطيعوا ولن يستطيعوا محوها.

وهذه الأشياء المعنوية هى آخر ما تبقى لنا عند الأشقاء العرب.. فقدنا أشياء كثيرة، لكن تأثير مصر فى الثقافة والفن والأدب والرياضة هو ما يبقى، وللأسف فكثير منا لا يدرك قيمة الاستثمار فى هذه المجالات التى قد لا يكون لها عائد اقتصادى مباشر وسريع.

هذه هى الأشياء التى تجعل أهل غزة يفرحون لفرحنا رغم كل الخلافات السياسية، ورغم الحصار وإغلاق المعابر وتأثيرات الجدار الفولاذية المحتملة.

هذه هى المشاعر الطبيعية التى ينبغى على «المؤرخين الرياضيين الجدد» أن يفهموها، عليهم أن يركزوا فى التحليل الرياضى ويجيدوا فيه ويبتعدوا عن التاريخ والجغرافيا والعلاقات السياسية، لأنهم باختصار شوهوا العلاقات بين أندية تنتمى لبلد واحد، فماذا سيفعلون بين بلدين مختلفين؟!

فى نهاية المكالمة قال لى الأخ الفلسطينى: نحن نعرف قدركم جيدا.. شكرته كثيرا وقلت فى نفسى: «ومتى نعرف نحن قدر أنفسنا»؟!.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved