صراع الأنظمة العربية: من السياسة إلى الحرب الأهلية

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 3 يونيو 2015 - 9:25 ص بتوقيت القاهرة

أخلت الدول العربية، ذات الماضى العريق موقع القيادة ومركز القرار، لأسباب عديدة، أخطرها داخلى يتصل بطبيعة النظام القائم فى كل منها وقدراته ونجاحه أو فشله فى التعبير عن إرادة شعبه، ومن ثم أهليته للعب الدور القيادى فى المحيط العربى ومواجهة محاولات الاحتواء والهيمنة التى تبذلها الدول الكبرى وإسرائيل لمصادرة القرار الوطنى والقومى.

ولقد أغرى الفراغ دولا طارئة على التاريخ والجغرافيا بأن تتقدم فتتصدى لمهمات جليلة تتجاوز قدراتها المادية، بالغة ما بلغت، فإن هى اصطدمت بجدار الواقع الصلب اندفعت إلى إعلان الحرب على النظام المعنى، مستعينة بخصومه فى الداخل، متحالفة مع الأعداء التاريخيين للبلاد المستهدفة بشخص نظامها.. بمن فى ذلك العدو الإسرائيلى.

بصورة عامة، اختفت أو تكاد تختفى أدوار «الجمهوريات» فى الوطن العربى ليخلو المسرح للأنظمة الملكية (السعودية أساسا ومعها الأردن ثم المغرب) وإمارات الخليج ذات الوهج الذهبى القادر على شراء «الدور» بالثمن، متكئة على الرعاية الأمريكية أساسا والغربية عامة، فضلا عن غياب الدول، صاحبة الدور القيادى حتى الأمس القريب.


•••

كانت البداية مع خروج مصر من دورها الذى لم تكن تنافسه فيه سائر الدول العربية، خصوصا أن بعضها كان يسلم بشرعية قيادتها، والبعض الآخر كان أضعف من أن يشكل محورا مضادا، وإن حاول فى حقبات معينة المشاغبة على هذا الدور، عبر تركيز الاتهام على «فرعونية» مصر التى تخرجها من «العروبة» أو ـ أقله ـ تطعن فى أهليتها.

ثم تكفّل الصراع بين «الأنظمة الجمهورية» المعنية، لا سيما سوريا والعراق، أو مصر وسوريا، أو مصر وعراق صدام حسين، وبين ليبيا القذافى ومصر ثم بينه وبين سائر الدول العربية، فى إضعاف الرصيد القيادى لهذه «الجمهوريات» ومعها «الجماهيرية» البدعة.

فى الوقت ذاته، كانت أقطار الخليج تتبدى أشبه بجمعيات خيرية، تدفع مساعدات قيّمة لإبعاد انعكاسات الصراع عنها، وتندفع إلى توطيد علاقاتها بمن اعتبرته حامى وجودها فى وجه الخطر الإيرانى كما فى وجه مغامرات بعض القيادات العربية، وبالتحديد صدام حسين فى غزو الكويت.
لم تكن هذه الدول الغنية بحاجة إلى سند من التاريخ، ثم إن المال يشترى التاريخ والمؤرخين، فضلا عن أن الماضى قد مضى ويمكن الاستغناء عنه أو إهمال دوره فى الحاضر وفى إعادة صياغة المستقبل بالقدرات الفعلية وليس بتاريخ ما أهمله أو ما يتوجب أن يهمله التاريخ: «نحن أبناء اليوم، فى هذه الدنيا المذهلة بإنجازات التقدم العلمى ووسائط التواصل الاجتماعى التى تخاطب المستقبل، أما الماضى فقد مضى ولا بد من تجاوزه وتركه لحكايات العجائز وذكريات ما قبل ثورة النفط».

•••

تبدل معنى «الدولة» بقدر ما اختلفت مرتكزات وجودها عما كان سائدا فى تعريف الدول، أكاديميا: كم الدخل القومى وكم حجم الدين الخارجى، وكم هى القدرة على الإنجاز ودخول العصر، وبالتالى على لعب الدور، بمعزل عن التاريخ وعدد السكان وإنجازات الماضى القريب. المعيار هو القدرة على دخول العصر، ولا ينفع التباهى بالدور فى الماضى القريب، فكم فى قديم الزمان وسابق العصر والأوان من دول زالت وإمبراطوريات اندثرت وطواها النسيان؟!
إذا توفر الذهب فليس أسهل من تحويل مدينة صغيرة فى قلب الصحراء، رسم كيانها الأجنبى، إلى دولة ذات دور وذات نفوذ وذات تطلع إلى موقع مؤثر فى القرار العربى.. فإذا اجتمعت هذه الدول الصغرى بعدد سكانها، العظمى بمداخيلها، صارت هى مصدر القرار، أو افترضت فى ذاتها القدرة على التصدى لمثل هذا الدور.

لنأخذ «قطر» مثالا، ليس من باب الرغبة فى التشهير، وإنما من باب الشهادة لها بالتصدى لأدوار تتجاوز قدرات دول كبرى وذات تاريخ كان يمنحها الجدارة بالدور القيادى..
فقطر، فى هذه اللحظة، تمارس، أو تحاول أن تمارس دورا خطيرا فى مناهضة الحكم الذى انتهت به وإليه ثورة الميدان. وهى تجاهر بممارسة هذا الدور وترعى الإخوان المسلمين فى الداخل كما فى المنافى، وأبرزها تركيا التى يتولى مناصبها القيادية مسؤولون إخوانيون. كذلك فقطر تجاهر بدعم أصناف المعارضة السورية كافة، السياسية منها والميليشيات المسلحة بتسمياتها المختلفة.. ولا يقتصر الدعم على رعاية المؤتمرات المتنقلة لهذه المعارضة فى مختلف عواصم القرار الدولى، فرنسا، الولايات المتحدة، فضلا عن تركيا ومصر وقطر ذاتها، بل إن قطر تيسّر بالتعاون مع تركيا للمعارضة المسلحة إنشاء مراكز التدريب، وتأمين شحنات من أحدث وأخطر أنواع السلاح، بما فى ذلك صواريخ التدمير الشامل، والآليات العسكرية، فضلا عن مراكز القيادة والتوجيه المزودة بأحدث التجهيزات.

وفى تبرير الحرب على اليمن، قررت الممالك والإمارات العربية، أن نظام الرئيس الممدد له استثنائيا، عبدربه منصور هادى، هو خلاصة الديمقراطية، وأن الاعتراض عليه يتجاوز الكفر إلى تهديد الأمن الخليجى، ويفتح الباب أمام الخطر الإيرانى، ويهدد الأمن القومى.. وها هى حرب تدمير اليمن تدخل شهرها الثالث، وقد طاولت غارات «عاصفة الحزم» المنشآت العسكرية، ومقارّ حزب «أنصار الله» الذى يصر من خطط للحرب وينفذها على تسميتهم الحوثيين (والحوثيون فرع من عائلة من الأشراف كان منها إمام اليمن أحمد حميد الدين)، تجنبا للقول إنهم من «الزيديين» أو «الزيود» وهم ليسوا من الشيعة الاثنى عشرية، كالسائدة فى إيران، وذات الدور البارز فى لبنان بعد انتصار «حزب الله» ـ كمقاومة وطنية ـ على الاحتلال الإسرائيلى وإجباره على الجلاء، ثم تصديه للحرب الإسرائيلية على لبنان فى صيف العام 2006 ودحر العدو مهزوما.

أما لرعاية هذه الحرب ونتائجها المتوخاة، فقد ذهب وفد ملكى فخم إلى البيت الأبيض فى واشنطن فالتقى الرئيس الأمريكى باراك أوباما الذى دعاه إلى «خلوة» فى كامب ديفيد، يبدو أنها لم تحقق ما كان يطلبه منها الوفد السداسى الذى غاب عنه ملك السعودية سلمان بن عبدالعزيز وإن هو أوفد ولى العهد الأمير محمد بن نايف وولى ولى العهد محمد بن سلمان لتمثيله.
المهم أن ملك السعودية وأمراء دول الخليج هم الذين يقررون للجمهورية اليمنية مصيرها، وهم يقررون نظامها الديمقراطى، وهم الذين يكافحون الخطر الإيرانى بغارات الطيران الحربى المدمرة.

•••

فى هذا السياق يتبدى «الحوار» الذى تم تنظيمه للمذيع الإخوانى أحمد منصور مع زعيم «جبهة النصرة»، المتفرعة عن «القاعدة»، «أبومحمد الجولانى»، كمحاولة لتلميع صورة هذا الإرهابى وتقديم «مشروعه السياسى» ليس لسوريا ـ الدولة فحسب، بل للشعب السورى وسائر الشعوب العربية، مع محاولة تجاوز القيد الطائفى أو المذهبى.. بحيث يتبدى «الجولانى» وكأنه «مصلح اجتماعى» من طراز فريد، وقائم على مشروع سياسى مناقض لمشروع «قرينه» أبوبكر البغدادى وتنظيم «الدولة الإسلامية فى العراق والشام».

إن قطر تقدم، عبر الجزيرة وبشخص المذيع المصرى الإخوانى أحمد منصور، «البديل العصرى» للنظام السورى، و«البديل المتحضر» لأبى بكر البغدادى،.. كأنما يفرض على السوريين (والعراقيين والليبيين وشعوب أخرى) الخيار بين إرهاب «القاعدة» أو إرهاب «داعش»، وكلاهما يحمل الفكر التكفيرى نفسه ويعيش فى ما قبل التاريخ، وإن تيسر له الحصول على أحدث أسلحة القتل والتدمير، وأفاد من الفجوة القائمة بين مسلك النظام وطموح الشعب وحقوقه فى وطنه فى كل من العراق وسوريا.

مع التذكير بأن آخر «إنجازات» داعش تمثل باحتلال تدمر والعبث بآثارها التاريخية الباهرة التى تعود إلى أكثر من ألفى عام، والتى تجسد بعض حضارة بلاد الشام، فضلا عن تدميره الآثار الكلدانية والآشورية فى العراق بعد احتلاله الموصل، وتدمير أقرانه فى «النصرة» وفصائل معارضة مسلحة أخرى فى سوريا بعض أقدم الآثار الآرامية ـ السريانية فى صيدنايا ومعلولا وقلعة الحصن.

وخلاصة الكلام أنه ليس أسهل من اللجوء إلى تفجير الحروب الأهلية فى أقطار الأشقاء الآخرين، إذا ما شجر الخلاف السياسى بين الأنظمة، وتعهد النظام الأغنى بتمويل المعارضة وتسليحها فى البلد الآخر، غير آبه لما يصيب الشعب من كوارث قد تتهدد دولته ـ وليس النظام فحسب ـ فى وجودها.

•••

ولا مجال للمفاضلة طبعا بين بلاد عريقة فى تراثها الحضارى وفى ما كانت تعد به من إسهام فى تقدم الأمة، وواقعها الراهن، وبين دعاة التغيير من الجهاديين بل الإرهابيين الجدد، لو أن أنظمتها احترمت إرادة شعوبها وعملت على تحقيق التقدم الذى يقدر شعبها على إنجازه لو أنه مكن من اختيار نظامه ديمقراطيا بحيث يشعر بكرامته ويضع قدراته فى مجال بناء بلاده وتقدمها.
أما تأكيد «الاخوة» بإشعال الحرب الأهلية، أو تحويل المعارضة المدنية إلى دواعش فى بلاد الآخرين، فهو أقصى درجات العداء وخيانة المصالح المشتركة والمصير الواحد.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved