من فضلك.. لا تقرأنى أو تقربنى.. أنا عائد من منطقة منكوبة

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 3 يونيو 2015 - 9:25 ص بتوقيت القاهرة

كيف يكون حال أمة مكتئبة؟ أعرف جيدا كيف يكون حال أمة تعرضت لمجاعة أو إعصار أو زلزال أو فيضان أغرق الأراضى وشتت العائلات والممتلكات. كنت هناك فى مواقع شهدت نكبة أو أخرى من هذه النكبات. رأيت البؤس والغضب والجوع تطل من عيون الناس. ولكن فى معظم تلك الحالات رأيت أيضا الأمل، ورأيت الناس يساعد بعضهم البعض الآخر، ورأيت المتطوعين يهرعون إلى مواقع الكارثة بحماسة وممثلى الحكومة يشدون أزر المواطنين ويلفونهم بالبطاطين ورأيت الطائرات تلقى بعلب حليب الأطفال.

•••

خلال الأيام القليلة الماضية ساقنى الفضول والشوق ومخزون الذكريات وقدماى إلى منطقة منكوبة بنكبة مختلفة عن النكبات المألوفة التى أشرت إليها. منطقة تعيش فيها أمة مكتئبة. لم تكن مكتئبة عندما عرفتها أول مرة، بل كانت مرحة وجذابة. وأكثر من هذا، كانت تعيش الحياة، لا يفوتها لهو أو مرح أو طعام جيد أو سهرة خفيفة أو نكتة تمحو فى لحظة واحدة تعب اليوم ومشكلاته. كم لهونا وسهرنا وشربنا وأكلنا معا وجبنا الجبال والسهول، واستمتعنا بزخات المطر التى عهدناها تسحب من جباهنا بعض الحياء ومعظم التردد. كم ترددت أصداء ضحكاتنا فى المروج الخضراء نهارا وحوارى وأزقة المدن بالليل. نعم أعترف، هو الشوق.. أو صحوة الذاكرة.

•••

عدنا فقالوا لماذا عدتم. نحن لسنا من كنتم تعرفون. ولم تمض ساعات إلا وأدركنا أن الناس، كل الناس، يعانون الاكتئاب. الرجال والنساء، الكبار والصغار، الشيوخ والأطفال، لم يفلت أحد منهم من عرض أو آخر من أعراض الاكتئاب. سمعت من تقول إن ملمس جلدها تغير، لم يعد ناعما كعهدها به، وسمعت من يقول عنها حتى تغريدها الذى كثيرا ما أدخل السعادة إلى قلوبنا خفت وذكاؤها خبا. هى وأخواتها لا يتمايلن عند المشى، لا يهرعن للرقص عند سماع الموسيقى، لا يأبهن بما يلبسن أو بما يزينهن. قالت إحداهن، لماذا نهتم، هل رأيت رجالا وأنت قادم إلى بيتنا؟
نعم رأيت فى الحى نوعا من الرجال. رجال فقدوا الثقة. قال أحدهم إنهم لا يصدقون أحدا. يقابلون الكذب والمؤامرة فى كل ركن وعلى كل ناصية. لا يجوعون ولا يشبعون وإذا أكلوا فلا طعم فيما يمضغون ويبلعون. حتى «العرق»، شرابهم المفضل منذ آلاف السنين، صار فى حلوقهم بطعم الحليب خالى الدسم. طار منه الكحول ومعه رحيق اليانسون، لم يبق إلا لون الحليب.

ارحل أيها الصديق. قلوبنا تريدك أن تبقى، وعقولنا تخاف أن تبقى. نعرف أنك ستعود كما عدت دائما فأنت لا تطيق فراقنا. ليتك ما عدت لترانا على هذه الحال. ليتك استرجعتنا من الذاكرة وأنت فى بلدك، ولم تكلف نفسك عناء السفر، لتأتى فترانا أفرادا منهكين فى أمة مكتئبة ومنكسرة، أمة مريضة وأيضا مهانة.

•••

حانت ساعة الرحيل. جاء يودعنى من كنت اعتز دائما بحكمته وسداد رأيه. قال عد إلى بلدك لتحكى لأهلك وأصدقائك قصة أمة أهينت حتى الكسر. احك لهم قصتى وإن كانت شخصية فهى قصة أمتى. قل لهم، كنت أنام فى فراشى ذات ليلة عندما دخلت إلى غرفتى قوة من الجنود، جرتنى جرا من الفراش إلى خارج شقتى بينما أولادى يصرخون، ثم إلى الدرج بينما الجيران يشاركون أولادى الصراخ، فإلى عربة السجن. هناك فى السجن اتهمونى بأننى كنت قريبا من شخص كبير المقام غضبت عليه الدولة. أنكرت وكنت صادقا ولكن هم لا يصدقون. رموا بى فى زنزانة بها أربعة رجال، قضينا معا ثلاثة شهور عرايا كما ولدتنا امهاتنا باستثناء واحد كان مسموحا له ارتداء ما يغطى عورته. المقصود كما تصورنا وقتها أن لا يغيب عن أذهان أربعة من المساجين أنهم عرايا، وأن يشعر الخامس بالخزى والخطيئة. يأخذونا كل يوم واحدا بعد الآخر إلى «حفلة» تعذيب، ويعودون بنا محمولين على الأعناق ليلقوا بنا على أرض الزنزانة. كم تمنينا أثناء حفلات التعذيب أن يفقد المتعذب وعيه لنرتاح من الصراخ وننام.

•••

وفى ليلة من الليالى، وبعد حفلة عذاب، انفتح باب الزنزانة ودخل الجنود كالعادة يحملون خامسنا، وهو الوحيد بيننا المسموح له بارتداء ما يستر به نفسه، وألقوه على الأرض فوقع إلى جانبى. رقد مثل العادة لا ينطق بكلمة. تركناه لحاله وبقينا نحن العراة الأربعة نحملق ببلاهة فى ظلام الغرفة ونفكر فى حفلات اليوم التالى. مرت ساعة أو أكثر قبل أن أتذكر أن خامسنا العائد من الحفل لم يتحرك أو يئن منذ لحظة إلقائه على الأرض إلى جانبى. مددت يدى أهزه، لم يهتز، استعملت القوة ولم يتحرك. قدرت أنه ربما فارق الحياة. كان أول ما فعلت، مددت يدى إلى منطقة عورته لأخلع عنها سرواله الذى لم يفارق جسده مدة الشهور الثلاثة لأرتديه فأستر عورتى. سمعنى رفاق الزنزانة وخمنوا فى الظلام ما خططت له، فهجموا على الجثة، كل واحد من الأربعة يريد السروال لنفسه. كانت معركة وحشية، انتهت بنا فى حفلة ضرب بالسياط والعصى المدببة حتى نزف الدم من عروقنا.

يا صديقى، كثيرا ما كنت تصفنى بالحكمة والهدوء والاعتزاز بالكرامة، اعصرنى الآن لن تحصل على قطرة كرامة واحدة. لا منى ولا من المعتقلين الأربعة ولا من أمتى.

•••

أوشك الليل على الانتصاف. عرض صديقى أن ينصرف. تركنى أقضى ليلة لم أنم فيها لحظة. نهضت قبل الفجر لأهاتف أحد أعزائى، كان أيضا محل تبجيل واحترام، واشتهر بيننا بالرأى السديد والصبر الطويل. انصت إلى ما اخترت أن يسمعه، ولم ينطق على الفور. عاد بعد قليل إلى سماعة الهاتف ليهمس فيها ناصحا إياى أن أكتب ما سمعت.. أروى القصة بتفاصيلها، ملتزما شرطا واحدا. أن أكتبها لنفسى... وليس لقارئ لا أعرفه.

•••

قال.. أريد أن تشعر فى أعماقك وتعترف بقلمك بينك وبين نفسك أنك شريك فى الجريمة، شريك مثل صديقك الذى انتهى به سعى العمر ونضالات الحياة باحثا عما يستر به عورته. شريك مثلنا جميعا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved