خريطة تطبيق قانون التأمين الصحى الشامل

علاء غنام
علاء غنام

آخر تحديث: الثلاثاء 3 يوليه 2018 - 10:20 م بتوقيت القاهرة

تخطينا فى لحظة فارقة إشكالية الانتهاء من إصدار قانون التأمين الصحى الشامل فى يناير الماضى وصدق عليه بعد موافقة البرلمان فى وقت قياسى عقب سنوات مثيرة من المناقشات المجتمعية الناجحة ووعد وزير الصحة وفريق عمله بالبدء فى تنفيذه فى أوائل شهر يوليو 2018 ولكن تغير الوزير وفريقه فى بدايات يونيو الحالى، وجاءت وزيرة جديدة لأول مرة من أبناء الوزارة مؤهلة علميا ولديها خبرة بكل إشكاليات الملف الصحى وكانت قد عملت عليه منذ عام 2003 فى مستويات مختلفة قيادية لقطاعات الوزارة ما جعل التفاؤل سمة أساسية بين أبناء القطاع الصحى لقدوم قيادة من داخله وكانت العادة هى اختيار وزير من الكوادر الأكاديمية الجامعية اللامعة.
وكان أول تصريح للوزيرة عقب زياراتها لمحافظة بورسعيد المرشحة لبدء التطبيق «أن تحديد موعد البدء سابق لأوانه» ما يعكس وجود معوقات وتحديات لم تحل بعد على أرض الواقع كما يتمنى الجميع من حيث توافر البنية التحتية الجاهزة بطبيعة الحال، ومن حيث توفير القوى البشرية المؤهلة لإدارة المنظومة فى تلك المرحلة اﻻنتقالية الحرجة والمؤثرة على نجاح التطبيق.
هذه المقدمة ربما ما دفعنى الآن لطرح رؤية حول خريطة الطريق اللازمة للوفاء باﻻلتزام الدستورى من الدولة تجاه ملف التأمين الصحى الشامل الذى يعد أحد الملفات الأساسية لإنجاز الوعود ولتحيق أهداف خطة الدولة للتنمية المستدامة 2030، وخريطة الطريق هى نموذج استرشادى عام لصانع القرار ولمنفذى خطة التطبيق ما يجعلهم يقفون على أرض صلبة إزاء توقيتات واقعية وملزمة لإنجاز ما وعدت به الدولة أمام الشعب.

***

وإدراكا منا لصعوبة المهمة وتشعب أبعادها نطرح على المجتمع تلك الخريطة انطلاقا لما هو متاح من معلومات ومعطيات حول النظام الصحى الحالى وخلفيته السياسية واﻻقتصادية:
أولا: يعرف الجميع أن ثمة مشكلات اقتصادية تواجه الدولة خاصة فيما يتعلق بحجم الدين الداخلى والخارجى وبالعجز الذى تعانى منه الموازنة العامة ونسب التضخم وارتفاع الأسعار ومحاوﻻت الحكومة السابقة والحالية لهيكلة الدعم المقدم فى أسعار الطاقة والكهرباء والمياه وسائر الخدمات الأخرى مثل النقل الداخلى.
فهل يصبح ذلك كله مبررا لتأجيل البدء فى تطبيق القانون التأمينى الحلم الذى انتظره الناس طويلا؟
ذلك تساؤل يبدو منطقيا ويستحق الإجابة عنه من زاوية الأولويات وتوزيع الموارد المتاحة ومن زاوية ضرورة وجود شبكة حماية اجتماعية وصحية فى ظل الأزمة اﻻقتصادية التى نعانى منها جميعا.
ربما يقول بعض الخبراء إن تلك هى اللحظة ــ على العكس ــ التى يجب فيها تدعيم شبكة الحماية الاجتماعية الصحية لمنع تفاقم آثار عمليات الإصلاح المالى واﻻقتصادى الحالى بما يعكس رغبة صادقة فى الحد من الأعراض الجانبية القاسية لها على الأقل فى محاور الصحة والتعليم وغيرها من أدوات الحماية والتضامن المجتمعى، وبالفعل هذا ما أكدت عليه كثير من التجارب الدولية فى مناطق متعددة من العالم عندما قطعت أشواطا قاسية فى عمليات الإصلاح اﻻقتصادى والمالى وإعادة هيكلة آليات الدعم بها رافضا لوجود روشتة واحدة عالمية جوهرها وضع أسعار حقيقية للخدمات المقدمة فى المجتمع كأسعار الطاقة والملبس والمأكل عموما دون أن نضع فى المقابل أجندة قوية لتطبيق شبكة للحماية اﻻجتماعية والصحية للفئات الأكثر احتياجا فى المجتمع.
وذلك ما نؤكد على أهميته فى الواقع، من ثم نرى ضرورة الشروع فى بدء تطبيق القانون والتجهيز له برغم الصعاب اﻻقتصادية والمالية فهو إحدى آليات الحماية الضرورية التى قد تحمى المواطنين صحيا فى ظل صعوبات أخرى يتعرضون لها.
والمرضى فى المجتمع يمثلون شريحة بالفعل هى أولى بالحماية فى ظل تحرير سعر الصرف وارتفاع أسعار الطاقة والخدمات الأخرى بشكل تدريجى.

**

من هذا المنطلق نحدد خريطة طريق التطبيق للقانون فى خمس خطوات أساسية كالآتى:
أوﻻً: أهمية اﻻنتهاء من البنية التحتية فى منطقة التطبيق (وحدات الرعاية الأساسية والمستشفيات العامة).
ثانيا: توفير القوى البشرية اللازمة والمؤهلة خاصة فى وحدات ومراكز الرعاية الأساسية فى منطقة التنفيذ.
ثالثا: تأسيس نواة للكيانات الجديدة الثلاثة ﻻ مركزيا، وتحديد أماكن عملها وتوفير القوى البشرية اللازمة لها والمؤهلة بأعداد صغيرة كنموذج تجريبى Prototype، هيئة التأمين تتكون من 25 فردا مؤهلا ومديرا تنفيذيا، هيئة الرعاية تتكون من 25 فردا مؤهلا ومديرا تنفيذيا، هيئة اﻻعتماد والرقابة تتكون من 25 فردا مؤهلا ومديرا تنفيذيا لإقليم القناة وشمال وجنوب سيناء.

رابعا: وضع خطة للأعمال اللازمة للتغطية الصحية الشاملة Business Plan ووضع خطة للأموال اللازمة للتغطية الشاملة financial Plan، وضع نماذج للتعاقدات فى مستوى الخدمة الأساسى وفى مستوى الخدمة الثانى والثالث، وضع نماذج معايير اﻻعتماد، وضع نماذج الإرشادات الكلينيكية، وضع نماذج للترويج للمشروع.
يقوم بذلك مبدئيا فريق التنفيذ العملى الذى يشكل من لجنة تنفيذية فنية فى الإقليم يصدر بها قرار وزارى من 25 فردا مؤهلين فنيا أغلبهم من الشباب ويقودهم مدير تنفيذى بصفات قيادية خاصة يتم اختياره بدقة ويقيم هذا الفريق فى ميدان التنفيذ ويعطى صلاحيات واسعة بقرار من مجلس الوزراء ويضم ممثلين لوزارة المالية والتضامن والإدارات المحلية.

خامسا: تبدأ إجراءات إعادة هيكلة القطاع الصحى مركزيا وبخطوات متدرجة للأدوار الجديدة للنظام بقيادة وزير الصحة شخصيا وفق خطة استراتيجية يضعها مجلس أعلى للصحة يشكل بقرار جمهورى وهذا ما سيحتاج لإجراءات تفصيلية أخرى توضع فى خطة منفصلة، مثال (فصل مكونات التمويل عن تقديم الخدمة فى الهيئة العامة للتأمين الصحى الحالية – فصل مكونات تقديم الخدمة عن وزارة الصحة الحالية – فصل مكونات إدارة الجودة واللجنة العليا للاعتماد عن الوزارة وتوزيع أفرادها على مناطق التنفيذ مبدئيا – وضع هيكل جديد لوزارة الصحة وفق وظائفها الجديدة).

تلك الخريطة مجرد خطوط عامة تحتاج إلى المزيد من التفاصيل الدقيقة والفنية التى يجب أن تشرع الجهات الحكومية للعمل عليها لتفى بالتزامها أمام المجتمع لتنفيذ قانون التأمين الصحى الشامل كإحدى أدوات الدولة للحماية الاجتماعية ولتقليل الآثار الجانبية للوضع اﻻقتصادى والمالى العام ولتحقيق اﻻلتزام الدستورى الذى صدر فى مادة 18 من دستور مصر الأخير.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved