الإدارة الرشيدة للتراث الإنسانى

سامح عبدالله العلايلى
سامح عبدالله العلايلى

آخر تحديث: الثلاثاء 3 أكتوبر 2017 - 10:15 م بتوقيت القاهرة

السطور التالية هى ملخص لترجمة محاضرة دعيت لإلقائها فى جامعة لوسيادا بلشبونة البرتغال خلال عام 2013 وكان موضوعها الإدارة الرشيدة للتراث الإنسانى ولأن ذلك الموضوع لا يتقادم بمرور الزمن ولأهميته لمصر التى تزخر بكنوز ومعالم مهمة موثقة فى سجل التراث العالمى لذلك فإن عرضها مرة أخرى ربما يفيد من يهمه أمر الحفاظ على هذه الكنوز والمعالم، ولأن ذلك هو من مسئولية السلطات المختصة والمجتمع المصرى بمجموعه ولأن ذلك أيضا من شأنه أن يظهر مصر كأمة حريصة على تراثها الذى يميزها عن الآخرين مما يحفز العالم على احترامها والعمل على التعاون معها لإخراجها من كبوتها. 
تمهيد حول مسئولية العالم عن حماية التراث الإنسانى

إن التراث بمعناه العريض هو سجل مُركب شديد التعقيد والثراء والتنوع لتطور نظام حياة الإنسان على الأرض وما واكبه وتبعه من أنشطة وأحداث وما تبقى منها من مآثر وشواهد، لذلك فهو يُمثل ركيزة أساسية فى ذاكرة المجتمع العالمى وسلسلة متصلة الحلقات لا يجب السماح بفقدان بعضها أو جزء منها أو محو هويتها، بسبب إهمال أو سُوء فهم أو نتيجة لحدوث كوارث من أى نوع كان، لأنها بكل بساطة ملك للإنسانية جمعاء، وليست ملكا لطرف أو فرد أو مجتمع بعينه، لذلك فإن حماية التراث وحسن إدارته هى مسئولية جماعية تُحتم مشاركة واعية واسعة فى تحملها. 

إن القيمة الحقيقية للتراث العالمى تتمثل فى أنه وُجد بالتوازى مع عصر اكتشاف الإحساس بالضمير الإنسانى، وهو تحول مهم فى حياة الإنسان والمجتمع يدلنا التاريخ على أنه وليد الأمس فقط، فقد ظهر فى شكل قوة اجتماعية منذ نحو عدة آلاف من السنين فقط، على عكس قوة الإنسان الآلية عتيقة القدم، حيث اجتهد فى صنع أسلحة فتاكة للصيد والدفاع وأخيرا الهجوم منذ نحو مليون عام.

هنا، يمكن الإيجاز بأن نشأة الإنسان فى مجتمع يحكمه نظام عام مُتماسك قد ارتبط بوجود مصادر للمياه، وطبقا لأبحاث بريستد عالم التاريخ والحضارة المصرية القديمة، الواردة فى كتابه فجر الضمير لتفسير أسرار نشأة الحضارة المصرية القديمة على ضفاف النيل.

إن شمال أفريقيا كان غزير الأمطار والنباتات والكائنات، وبحلول مرحلة الجفاف العظيم فى حقبات تاريخية سحيقة، هيأت الطبيعة موطنا جديدا لنشأة أول الجماعات المستقرة للإنسان البدائى فى شمال شرق أفريقيا على أرض وادى النيل الخصيب بعد أن تغير مسار النهر منذ نحو ستة ملايين عاما، بسبب أحداث طبيعية وجيولوجية، ليصب شمالا فى المتوسط بدلا من جنوبا فى المحيط الهندى، وبفضل حاجز الصحراء المنيع الذى أقامه الجفاف من الشرق والغرب والجنوب واعتدال الطبيعة ووفرة المياه والطعام، انعزلت الحياة وانتظمت فى ذلك الموطن الجديد، وبدأ الإنسان لأول مرة فى الانتقال تدريجيا من حياة القنص الموحشة إلى حياة الفلاحة المنظمة واستئناس الحيوانات، فى الوقت الذى تعرضت فيه بقية مناطق تجمع الإنسان البدائى فى العالم إلى شدائد وكوارث متنوعة أعاقت امكانيات استقرار أو تقدم الحياة الإنسانية، وبذلك ولد على أرض مصر أول مجتمع منظم وأول شعب يحكمه نظام مُوحد فى وقت كانت فيه أرجاء كثيرة من العالم مسكونة بجماعات مشتتة من صيادى العصر الحجرى.

ولم يكن موقع ضفاف النيل هو الوحيد الذى شهد بداية استقرار جماعات الإنسان البدائى المُشتتة فى أحواز مصادر المياه، لكن بداية استقرار هذه الجماعات وتطورها جاء بطيئا للغاية بالمقارنة لمجتمعات حضارتى الفيوم ووداى النيل فى مصر.
ومع استقرار هذه الجماعات هنا وهناك بدأت رحلة تطورها الإنسانى بطيئة طويلة وشاقة، بالتوازى مع انغلاقها على نفسها، حيث ساهمت خصائصها المنغلقة فى المحافظة على نُظم حياتها وعدم قبول أفكار بديلة فى بُطء انتشار تعارفها على بعضها البعض، كما كانت وسائل انتقال المعارف والاتصال بدائية محفوفة بالمخاطر بين المجتمعات الوليدة.

فى مرحلة لاحقة ساهمت حركة البشر بسبب الفضول والرغبة فى اكتشاف المجهول، فى بدء مرحلة جديدة من التحرك البطىء لجماعات الإنسان نشطت بمرور الوقت حيث تحولت إلى مبادرات للهجرة والانتقال من مكان لآخر، بحثا عن حياة أكثر استقرارا صاحبها بمرور الوقت نمو نشاط تبادلى تحول إلى نشاط تجارى، وفى مراحل أخرى ساهمت أيضا الغزوات العسكرية وحملات التبشير الدينية بقدر كبير فى تحقيق اتصال المجتمعات المختلفة بعضها ببعض قبل اكتشاف وسائل الاتصال الأحدث التى ظهرت بعد اختراع الآلة.

أما اليوم، فقد تغير وجه العالم بعد انقسامه إلى جزءين متباينين، الأول يضم دول العالم القوى الغنى المستقر قليل العدد والمسيطر، أما الجزء الثانى فهو يضم دول العالم الضعيف الفقير المضطرب كثير العدد الخاضع للسيطرة، وفى الماضى كانت السيطرة تتم من خلال الاحتلال العسكرى وانتشار المستعمرات، أما اليوم فقد تغيرت وسائل السيطرة المكانية للقوى الكبرى، إلى وسائل سيطرة عن بعد من خلال سياسات التحكم الاقتصادى وحماية المصالح بغض النظر عن تعارض ذلك من هموم عالم الضعفاء، تحت شعارات براقة كالعولمة وبرامج التعاون المشترك والمساعدات والمعونات بأنواعها والمعارك المصطنعة بدعوى محاربة الأشرار، كذلك تأثير وجود الشركات متعددة الجنسيات على الأسواق المحلية ودعم مراكز القوى فى العالم الثالث التى تخدم أغراض الكبار.

إننا نتعايش رغما عنا فى زمن ذلك العالم الجديد، حيث الحضارات عابرة والثقافات طائرة، والانفتاح الكامل للمجتمعات المنعزلة للعالم القديم على بعضها البعض دون تروٍ أو استعداد، مما يسر ازدهار ثقافة الاستهلاك الرخيص والعنف والتفكك الأسرى والمجتمعى، تلك الثقافات التى لا تتوقف كثيرا عند معانى هوية وخصوصيات المجتمعات المحلية، ومع تسارع إيقاع الحياة لم يعد لدى الغالبية العظمى من الناس وقت كافٍ للتوقف لحظة لالتقاط الأنفاس أو التفكر والتدبر فيما هم فاعلون وإلى أى نهاية هم واصلون. من الواضح أن كل ذلك مُؤداه تلاشٍ تدريجى لخصوصية وتراث المجتمعات المحلية بعد أن وجُهت للسير على طريق النظام العالمى الجديد، الذى هو بالقطع مُخالف لطبيعتها وموروثاتها، ومُهدر لقيمها التراثية، تلك القيم التى تُميز كل مجتمع عن الآخر وتُحافظ على التنوع الطبيعى والثقافى للمجتمعات المختلفة الذى يستوجب الحماية. 

تعريف التراث الإنسانى
إن التراث الإنسانى هو إذن منظومة متكاملة تعكس كيف كانت الحياة على مدى العصور، إلا أن هذا الميراث يتعرض لمتغيرات سلبية متنوعة تُؤدى به فى النهاية إلى التدهور والتآكل وأحيانا الفناء الكامل، إنها المتغيرات الناشئة عن الغزو الثقافى وتغيير نظام الحياة، كذلك بسبب سطوة المصالح وضعف بنيان السلطات الرسمية المسئولة عن الحفاظ عليه.
يزداد معدل تأثير هذه المتغيرات السلبية فى المجتمعات النامية التى مازالت مؤسسات معظم دولها دون مستوى المقدرة على أداء المهام الجسيمة بالحفاظ على القيم التراثية الإنسانية المتواجدة فى زمامها.
هناك من عناصر ومكونات التراث ما يستوجب الحفاظ عليها فى مواقعها أو فى المتاحف المتخصصة، وهناك من عناصرها ما يُمثل نظاما قائما ومستمرا للحياة، فى إطار بنيان عمرانى تقليدى، وفى كل الأحوال فإن التراث الإنسانى يمثل قيمة حضارية مجتمعية واقتصادية تتباهى بها المجتمعات المحلية لكونها من مقومات الفخر الوطنى.

مكونات التراث الإنسانى
هو ميراث الأنشطة والتجارب والخبرات الإنسانية عبر العصور الماضية، مكوناته هى؛ البنيان العمرانى والمعمارى، الحرف اليدوية، الفنون التشكيلية التقليدية، الموسيقى الشعبية والغناء، الملبوسات الأصلية، فنون طهى الطعام المحلية، اللغات واللهجات المتوارثة، الموروثات الأدبية والزجل والشعر، العادات والتقاليد والأعراف، الاختراعات والاكتشافات العلمية المحلية. 

الإدارة الرشيدة للتراث الإنسانى
إنها تلك الإدارة التى تهدف إلى الحفاظ على شكل ومحتوى التراث، وتمنع التعدى على عناصره ومكوناته مع إظهاره بأسلوب يتناسب مع قيمته، كما أنها إدارة تُحقق جدوى الحفاظ على ما تُمثله ذاكرة المجتمع وتواصل الماضى بالحاضر، كل ذلك باستخدام نُظم عمل وتقنيات تتناسب مع خصائص المجتمع وقدراته ولا تُحمله من الأعباء أكثر من طاقته.
إنها عملية مركبة، لا تتكامل وتحقق أهدافها إلا بمشاركة فاعله قانعة من أطرافها مجتمعين، كما أنها ليست مشروعا هندسيا أو عمرانيا أو تنمويا، إنما هى مهمة تكاملية تشاركية متكاملة لكل شريك دور محدد فيها.
الأطراف المشاركة فى إدارة التراث الإنسانى

1) السلطات المحلية المسئولة عن حماية وإدارة التراث التى تعمل من خلال تشريعات حاكمة وضوابط قادرة على تطبيقها، ومن المهم للغاية أن يكون لدى هذه السلطات قناعة تامة بأهمية الحفاظ على القيم التراثية وأن يتوفر لديها الإحساس بأن من واجبها توفير وسائل الدعم الكافية لترشيد إدارتها، ووضع كل ذلك على أولويات سياساتها العامة حفاظا على هوية المجتمع.

2) مجتمع الأهالى المحلى:
مشاركة المجتمع المحلى بكل طوائفه وأطيافه عن قناعة تامة فى عملية حماية وإدارة التراث هى ركيزة أساسية فى تحقيق أهداف الإدارة الرشيدة للتراث، على أساس أنه يُمثل الهوية التى تُميزه عن المجتمعات الأخرى وأنه قيمة حضارية واقتصادية يجب عدم التفريط فيها.
الأمر هنا يحتاج إلى وضع السياسات التى تعمل على نشر ثقافة حماية التراث على جميع مستويات التعليم ووسائل الإعلام والأنشطة الثقافية المختلفة، وعلى وجه الخصوص البرامج السينمائية والتليفزيونية التى أصبح لها اليوم تأثير كبير فى تشكيل وتوجيه الرأى العام للقاعدة العريضة فى المجتمع.

3) منظمات المجتمع المدنى:
تعمل هذه المنظمات بأسلوب تطوعى، الأمر الذى ينعكس على مصداقية أدائها، وقبول من المجتمع لمشاركتها فى مهام كثيرة؛ من بينها مهام حماية وإدارة التراث، كما أن لديها القدرة على القيام بدور الوسيط فيما بين السلطات الحاكمة والمجتمع كذلك العمل على تجميع الموارد اللازمة للمساهمة فى حماية التراث وإدارته، تضم هذه المنظمات عادة عددا من الخبراء والمتخصصين وأصحاب النوايا الطيبة التى تبغى الخير للمجتمع، لذلك فإن موقعها مهم للغاية فى تكامل منظومة العمل.

4) أهل الخبرة والمتخصصين:
إنهم المسئولون عن إجراء البحوث والدراسات العلمية اللازمة لوضع الخطط التنفيذية لمهام حماية التراث وإدارته، المطلوب منهم أن تكون مقترحاتهم قابلة للتنفيذ فى حدود قدرات المكان وخصائصه، دون اللجوء إلى تقنيات ووسائل صعبة المنال.

5) أصحاب المصالح فى مناطق التراث من التجار، المهنيين، الحرفيين، مؤسسات العمل العامة والخاصة المختلفة، المنشآت السياحية... الخ 
لاشك فى أن قناعة أصحاب المصالح فى مناطق التراث بأهمية حمايته وترشيد إدارته لها مردود كبير على الارتقاء بمصالحهم الخاصة وتحقيق جدوى اجتماعية بالتواصل مع المجتمع المحلى واقتصادية بما يُعظم من مواردهم. 

6) المنظمات الدولية المسئولة عن حماية التراث العالمى: 
بموجب مواثيق دولية مثل منظمة الأمم المتحدة للتعليم والعلوم والثقافة UNESCO، المجلس الدولى للآثار والمواقع الأثرية ICOMOS، ومركز التراث العالمى، هذه المنظمات عليها واجب حيوى فى مراقبة مدى التزام الدول الأعضاء الموقعة على مواثيق حماية التراث العالمى، برسم السياسات ووضع البرامج التنفيذية وتوفير الدعم التشريعى والمادى اللازم لحماية التراث المحلى وترشيد إدارته.
كما أن عليها أن تمد يد العون لمساعدة الدول التى ليس لديها القدرات اللازمة لهذه المهمة، سواء بالدعم الإدارى أو الفنى كذلك تجميع الموارد اللازمة التى قد تصل إلى حد إطلاق حملات دولية لتجميع الموارد اللازمة لحماية بعض الحالات النادرة من التراث فى الدول التى تحتاجه.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2017 ShoroukNews. All rights reserved