الشـهرة وبدائلها

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 3 نوفمبر 2010 - 9:49 ص بتوقيت القاهرة

 سنحت الفرصة لأقترب من مهرجان عالمى للأفلام السينمائية واقتنصتها. لم أحضر يوما مهرجانا للأفلام ولا يربطنى بالسينما سوى علاقة غير مستقرة وغير منتظمة نشأت بين مشاهد وشاشة، وعلاقة غير مباشرة ولكن منتظمة ومستقرة بين قارئ متابع بشغف ومنغمس بحماسة فى جهود لفهم عالم المشاهير فى كل قطاعات الشهرة. اقتربت من المهرجان مترددا قبل أن ألج فى دهاليزه وأشترك فى مناسباته. وبالتأكيد استفدت. استفدت فائدتين على الأقل.

كنت أعرف أنه فى مثل هذه المهرجانات تتجسد بأقصى وضوح ممكن ظاهرة المشاهير فى العديد من صورها وأشكالها. وبالفعل وخلال الأيام التى قضيتها فى صحبة بعضهم ازددت فهما بطبيعة العلاقات الخاصة التى تقوم بين المشاهير من جهة والصحفيين والمصورين من جهة أخرى، وبينهم ورجال الحرس الخاص، وبينهم والحواريين وكذلك بين المشاهير وبعضهم البعض.

خرجت من التجربة أكثر استعدادا لفهم الدوافع وراء ما يكتبه أو يصرح به بعض المحيطين بالمشاهير ومنهم متطفلون على مجتمعات الشهرة وبخاصة مجتمعات الفن كالسينما والمسرح ومتخصصون فى كافة شئون الشهرة واحتياجاتها وحدودها. قيل لى فى معرض تعريفى بهذا العالم المختلف نوعا وذوقا وحسا عن غيره من العوالم إن الجماهير الحاشدة التى تنتظر، وقوفا لساعات غالبا ما تطول عن عمد، وصول مواكب النجوم عيونها لا ترى الجميلات والمفضلات إلا وقد ازددن جمالا والظرفاء خفيفى الظل وقد ازدادوا ظرفا. تعرف الجماهير أو لا تعرف أن لكل من هؤلاء النجوم بضاعة لا يبخل عليها بجهد أو مال لإبرازها وتطويرها، وبعضهم يبالغ أحيانا فى الجهد المبذول قبل أن يطل على الجمهور.

يعرف المشاهير قيمتهم. يعرفون مثلا أن مهرجانات الأفلام قد تقام فى غيابهم ولكنها لا تنجح إلا بوجودهم. وقد عقبت إحدى الفنانات من الشهيرات على إشادة بها ودورها فى نجاح المهرجان بقولها «مهرجان بدون مشاهير كسيرك بدون سباع ونمور». وهم مدركون تماما أن الجماهير التى تتزاحم على جانبى السجادة الحمراء فى مختلف المهرجانات إنما جاءت من أجلهم وليس من أجل مشاهدة أفلامهم أو أفلام الآخرين المعروضة فى المهرجان. كثيرون ضيوفا كانوا أم مضيفين أم نقادا أم متطفلين جاءوا من كل مكان لأن المشاهير هنا. بل إن بعض المشاركين غير المعروفين جاء ليعرض شيئا جديدا، يتصور ويعتقد أنه جيد، وقد يكون بالفعل جيدا، ولكنه يعرف أنه ما كان ليتحمس للمجىء لو اقتصر المهرجان على عرض الأفلام وتخلف المشاهير عن الحضور واحتلال مكانة الصدارة فيه. هذا البعض من طارقى أبواب الشهرة مع ما يحمله من أفلام وأفكار لا يقيم مهرجانا، وإذا أقيم من أجله فلن تحضر الجماهير ولن تتسابق على تغطية المهرجان أجهزة الإعلام العالمية والمحلية، ولن تتزاحم آلات التصوير لتلتقط آلاف الصور، وسيضيع على فنان أو أكثر من المشاهير فرصة يحقق من خلالها نفعًا ماديًا مجزيًا. كان هناك على سبيل المثال من وصل إلى حافة السجادة الحمراء مستقلا آخر صيحة فى عالم السيارات الفاخرة وبرفقته صاحب الشركة الموزعة. كانت هناك أيضا من وصلت متعلقة بذراع مصمم أزياء شهير جاء يعرض آخر إبداعاته.. رداء السهرة الذى ترتديه الفنانة الشهيرة. فى الحالتين عمت الفائدة وعادت الشهرة بعائد مجزٍ.

يقول طارق جديد إنه لا يخفى على الطارقين الجدد لأبواب الشهرة أن الجهة الداعية والمشاهير المدعوين تجمعهم ثقافة مشتركة كتلك التى تجمع بين المشاهير والدولة التى ينتمون إليها. أحد الطرفين، ويقصد الجهة الداعية، دولة كانت أم مؤسسة، ملتزم حماية امتيازات المشاهير ومواقعهم من طموحات طارقى أبواب الشهرة. والطرف الآخر، ويقصد طرف المشاهير، ملتزم بتبنى ثقافة أهل الدعوة مثلما هو ملتزم بتبنى ثقافة أهل الحكم فى بلده لا ينحرف عنها إلا بحساب دقيق أو تفاهم مسبق.

استفدت من اقترابى من مهرجان الأفلام استفادة أولى حين دخلت تجربة عملية للتوصل إلى فهم أعمق لشريحة المشاهير ورؤيتهم لدورهم والمجتمع، واستفدت استفادة ثانية لا تقل أهمية، وهى مشاهدتى «حاوى»، الفيلم الذى حصل على الجائزة الأولى رغم خلوه من المشاهير وموقفه منهم، وربما لأنه يمثل ثقافة بديلة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved