تجربة عمرو الشوبكى

زياد بهاء الدين
زياد بهاء الدين

آخر تحديث: الثلاثاء 3 نوفمبر 2015 - 10:35 ص بتوقيت القاهرة

تجربة الدكتور عمرو الشوبكى فى دائرة الدقى والعجوزة عبرت عن كثير من أوجه الخلل فى العملية الانتخابية.

على عكس الكثير من أصدقائه، لم يدهشنى قرار «عمرو» بخوض الانتخابات البرلمانية برغم الأجواء السلبية المحيطة بها هذه المرة، إيمانا منه بأهمية المشاركة وتمسكا بالمنافسة على المقعد الفردى الذى فاز به عام ٢٠١٢ بعد مواجهة شرسة مع الدكتور عمرو دراج، القيادى البارز فى جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة آنذاك. وقد جاء اختيار «عمرو» متسقا مع مواقفه السابقة والتى دعا فيها إلى تفضيل المشاركة على المقاطعة، والترشح الفردى على القوائم.

وفى اعتقادى أن خسارته هذه المرة لم تكن مفاجأة فى حد ذاتها. فالمشاركة جاءت ضعيفة للغاية فى دائرته، كما حدث فى معظم الدوائر الحضرية، حتى من أنصاره الطبيعيين ممن اختاروا الابتعاد عن الانتخابات أو مقاطعتها تعبيرا عن احتجاجهم على المناخ السياسى السائد فى البلد. من جهة أخرى فإن «عمرو» اختار أن يخوض هذه المعركة بشرف وأمانة، وبلا موارد حقيقية، ولا دعم ماليا بالملايين، ولا رشاوى انتخابية، ولا حتى انتقاد لمنافسيه بما يخرج عن حدود اللياقة.

ولكن مع أن النتيجة لم تكن مفاجئة، فإن ما جعل الصراع على مقعد الدقى والعجوزة يحظى بهذا الاهتمام الواسع، برغم عدم اكتراث الناس بالانتخابات عموما، وما يجعل من الضرورى التوقف عند تجربة «عمرو الشوبكى»، أن الهجوم الشخصى عليه قد تجاوز هذه المرة كل ما هو مقبول ومعروف سبا وقذفا وكسرا لكل القوانين وأعراف الانتخابات إلى حد لا يستدعى فقط المسئولية القانونية بل يثير التساؤل حول شرعية العملية الانتخابية التى يسمح فيها بهذا القدر من التجاوز والإرهاب المعنوى. والأعجب من ذلك أن يحدث كل هذا تحت مرأى ومسمع الدولة واللجنة العليا للانتخابات التى تدخلت فى أحوال أخرى لوقف أبسط المخالفات الإجرائية، بينما اختارت أن تغض البصر تماما عن هذا الاستهزاء الجسيم بجوهر التنافس الانتخابى.

جوهر الانتخابات النزيهة ليس مجرد وقوف الناس أمام مقار الاقتراع وقيامهم بملء البطاقات الانتخابية دون تدخل من الدولة وأجهزة الأمن. هذه مجرد الخطوة الأخيرة، وقد أقر الجميع بأن الدولة لم تتدخل فى عملية التصويت ذاتها ولم تمارس عمليات التزوير والتسويد وتعبئة الصناديق التى كانت معروفة من قبل، وهو ما أقر به «عمرو الشوبكى» فى مقاله بالأمس فى «المصرى اليوم» فى ذات سياق احترامه لشرف المنافسة الانتخابية حتى اللحظة الأخيرة. ولكن ما يسبق يوم التصويت وما يحدث خارج اللجان هو ما يعطى العملية الانتخابية مصداقية وشرعية فى أذهان الناس. وقد سبق للكثيرين أن حذروا من التأخر الشديد فى عقد الانتخابات، وفساد نظام القوائم المطلقة، وغياب الرقابة على التمويل. ومع ذلك قبل«عمرو الشوبكى» وغيره خوض المعركة بكل مشاكلها اعتقادا بأن الحد الأدنى من مقومات العملية الانتخابية سوف يتم احترامه. ولكن المؤسف أن تجربة «عمرو» سمحت بمستوى جديد من التجاوز والإهدار لجوهر التنافس الانتخابى، وبدلا من أن تتدخل اللجنة العليا للانتخابات وتعتبر أن اتهام أحد المرشحين بجرائم الخيانة والارهاب والعمالة أمر خطير لا يقل شأنا عن وضع ملصقات انتخابية فى غير أماكنها، اختارت السكوت وكأن هذه اللغة وهذا الحوار نوعا من المناظرة الانتخابية المقبولة.

قرار «عمرو الشوبكى» بخوض الانتخابات سوف يظل قرارا خلافيا بين أصدقائه وزملائه، وهذا وضع طبيعى وأعلم أنه لا يزعجه بالمرة. ولكن أتمنى ممن خالفوه الرأى فى هذا القرار أو اعتبروا أنه قد تسرع فى اتخاذه، أن يتفقوا على تقدير أنه كان قرارا متسقا مع آرائه ومواقفه السابقة، وأنه تحمل عواقبه كاملة وخاض معركة شريفة فى ظل سكوت الدولة على تجاوزات غير مسبوقة.

ملاحظة أخيرة: الجميع يشتكى الآن من التجاوزات الإعلامية، فى موضوع الانتخابات، والتحرش، وإذاعة أسرار الناس، وغير ذلك. وهذا امر جيد ومطلوب. ولكن المهم إلا يكون مقدمة أو ذريعة لتقييد حرية الإعلام أو الحد من قدرته على الرقابة على الدولة وانتقادها وقت اللزوم. ما يجب أن نطالب به ليس تقييد الاعلام ولا فرض وصاية الدولة عليه، بل تطبيق القانون بنزاهة وحياد، ومعاقبة السب والقذف، ووقف خطاب التحريض والكراهية، ومعرفة مصادر تمويل وسائل الإعلام. هذه كلها ضوابط قانونية معروفة ومستقرة فى العالم كله وغرضها هو الدفاع عن حرية التعبير لا تقييدها.

●●●

مع خالص التحية والتقدير للصديق «عمرو الشوبكى» على خوض المعركة وعلى ثباته فى ساحتها وعلى خروجه منها فائزا باحترام جمهوره ومرفوع الرأس.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved