الطريق

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 3 ديسمبر 2014 - 9:00 ص بتوقيت القاهرة

ساعة وأربعون دقيقة قضيتها فى سيارة تقلنى من فندق ماريوت بالزمالك إلى منزلى بالمهندسين. من هذه الساعة وأربعين دقيقة مرت علينا ساعة كاملة فى ميدان سفنكس ونحن فى سيارة أوقفنا محركها. مشكلتى خلال هذه الساعة كانت مع طريق ومطر، طريق ليس كالطرق التى مشيت فيها، ومطر ليس كالمطر الذى بللنى أو أغرقنى فى مدن بقارات شتى.

غبت عن الفوضى المحيطة بالسيارة وجلبة السائقين، وأنكر الأصوات الصادرة عن الميكروباصات وحوارات محتدمة بين المارين والراكبين، حول أسباب التكدس والتوحل، ومسئولية «الدولة» عنها، الدولة التى اكتشف المصريون فجأة أنها تغيب وتظهر بدون نظام أو ترتيب. غبت للحظات عن الطريق الكئيب ورحت أتذكر قصصا وتجارب على طرق أخرى غير كئيبة، خطرة ربما ولكن ليست كئيبة كهذا الطريق. تذكرت أننى قدت سيارتى على طرق قديمة قدم التاريخ، مهدت خصيصا لمقاومة المطر. تذكرت شارع آبيا Via Appia فى ضاحية من ضواحى مدينة روما. بناه الرومان قبل ألفى عام من طبقات الصخر المجروش، تتسرب فيها مياه الأمطار أولا بأول فلا تشكل بركا فى وسطه ولا تتجمع على جانبيه.

هكذا شيد الأقدمون طرقهم: طرق فى العراق وإنجلترا مازالت ممتدة شاهدة على عبقرية الإنسان الذى شعر بحاجته إلى طرق ممهدة، حاجة بدأت مع ظهوره حين كان يدك الأرض بقدميه العاريتين فى ذهابه وإيابه من رحلات الصيد والتقاط الثمار. هكذا «مهد» أول طريق، إلى أن جاء جون ماكادام، المهندس الاسكتلندى، الذى ابتكر الوسيلة الأفضل لمد الطرق، طبقات فوق طبقات من الأحجار الصغيرة تعلوها جميعا طبقة من الأسفلت.

•••

تعلمت من حياة الترحال المتواصل، أن لا طريق يشبه الآخر إلى درجة التطابق. كنت فى الصغر أتخيل كل الطرق الصحراوية تكرارا مملا لطريق مصر الإسكندرية حتى شاء لى، فى الصغر أيضا، أن أركب طريق القنطرة العريش، لأعرف أن لكل طريق «روحا» تختلف عن روح الطريق الآخر. بل إن الطريق نفسه قد يغير «روحه» خلال مسيرته، فيختلف عندما يتقدم به العمر عن حاله فى شبابه، أو يختلف عند خروجه من أراضى دولة إلى أراضى دولة أخرى. أظن أن أبناء وبنات جيلى سيتفقون معى فى الرأى فى أن الطريق الصحراوى الموصل من القاهرة الإسكندرية كان له مذاق خاص وجاذبية قوية حين كانت تتوسطه استراحة رائعة فى وادى النطرون، كانت فى حد ذاتها بدعة طيبة وواحة ممتعة وسط الصحراء. أكاد أجزم بأن لا أحد من أبناء الجيل الجديد يحب الطريق الصحراوى الراهن كما أحببنا الطريق ونحن والطريق صغار. الطريق بوضعه الراهن منزوع «الذوق» وشديد القبح وفقير إلى النعومة وخال من وسائل الراحة.

•••

من تجاربى مع الطرق، تجربة مع طريق لم أره. الناس عادة تختار الطريق الذى تعرف انحناءاته وتضاريسه، وتعرف مواقع محطات الوقود ومحطات الاستراحة، وتعرف أهم القرى والمدن الواقعة على مجراه أو قريبة منه. الطريق الذى أعنيه لم أكن أعرف عنه شيئا عن أى شىء من كل هذا. دخلت إليه من بلدة نائية فى مراعى البامباس، وهى السهول الشاسعة فى الأرجنتين التى توصف بالصحراء الخضراء، فالعشب الأخضر يمتد إلى أفق بعد أفق. كان معى فى السيارة صديق هو، وبرأى معظم الناس، من أعظم من أنجبت مصر من رياضيين. كنا على الطريق حوالى منتصف الليل بعد أن تناولنا عشاء متأخرا فى بيت أحد قادة رعاة البقر، ووجهتنا العاصمة بيونيس آيرس. قضينا ست ساعات لم نر دليل حياة على ضفتى الطريق، سوى مصابيح كهربية يفصل بين الواحد والآخر عشرة أو عشرين ميلا لينبئ عن وجود مدخل إلى قرية رعوية صغيرة. لم تقابلنا إلا سيارة واحدة لحقنا بها، بل التصقنا بها، إلى حد أثار خوف ركابها الذين ركنوا جانبا حتى ابتعدنا عنهم فاختفينا واختفوا.

•••

ولكن كثيرة كانت تجاربى مع طرق تصعد من مستوى سطح البحر لتستكمل مسيرتها فوق السحاب. أحلى هذه التجارب وأمتعها وأخطرها كانت تحدث خلال رحلاتنا بين بيروت ودمشق، وبين بيروت ومشاتى الأرز، أشدها إثارة كانت خلال رحلات عابرة لسلاسل جبال الألب والأنديز وسفوح الهيمالايا والأبنين.

علمتنى رحلات الألب درسا فى «فلسفة الطرق» لا أنساه. تعلمت ألا أسلك طريقا مرتين، فبعض البهجة تزول مع زوال كثير من الفضول أشبعته الرحلة الأولى. الطريق الأوحد كالرأى الأوحد يثير الملل. سواء كان الطريق داخل مدينة روما الذى اخترته ذهابا إلى العمل والعودة منه، أو الطريق الدولى الذى اخترته ذهابا إلى مدينة فيينا من روما والعودة منها. تعلمت أن المفيد لصحتى النفسية والمجزى لراحتى الجسمانية أن أجرب طريقا آخر فى العودة. أستفيد من الطريق الآخر كما تعودت أن أستفيد من الرأى الآخر والتجربة الأخرى والسردية الأخرى، ما أحلى أن تجرب الصعود إلى الألب عبر طرق صخرية متوحشة ولكن مبهرة الجمال وأن تعود من الألب عبر جبال من الغابات لامعة الخضرة «شهية الطلّة».

أذكر، ويذكر الزميل العزيز فى سفارتنا لدى الكورينال، أى الرئاسة الإيطالية، تمييزا لها عن دولة الفاتيكان، سامى ثابت، كيف أقمنا خلال الأيام الثلاثة التى قضيناها على الطريق من سالزبورج إلى السهل البيدمونتى فى شمال إيطاليا، صداقات دامت طويلا مع شباب من عمرنا من عديد الجنسيات والأشكال والملل. شابات وشبان جاءوا من دول إسكندنافيا وإنجلترا واسكتلنده وأيرلندة «ليستوطنوا» هذه الطرق الرائعة والخلابة، يركبون أميالا ويمشون أميالا أخرى. لا يفارقون الطريق الذى ينهلون منه خير الصحبة وروعة التجربة ولذة المغامرة.

•••

أما أصعب وأخطر رحلات الطرق الممتدة فوق السحب، فكانت رحلتى من ميناء فالبارايزو على ساحل المحيط الهادى إلى مدينة سنتياجو، عاصمة شيلى. كنا قد انتهينا للتو من زيارة قصيرة للشقة التى كان يسكنها الشاعر بابلو نيرودا. ساعتان فى الطريق أظن أنهما كانتا الأصعب بين كل الساعات الصعبة والخطرة التى عشتها فى طائرة أو فوق باخرة أو داخل سيارة، وهى كثيرة. كان الليل قد حل، ومعنا فى السيارة آنسات وسيدات يشهد لهن الرجال بأنهن خلال النهار وفى العمل فى صلابة أشداء الرجال إرادة وطباعا، لكنهن فى السيارة وفوق السحاب كن أول من اعترف بالخوف وبالرغبة فى الاحتماء برفاق السفر من الرجال. لم يكن الجبل الذى سلكنا طرقه سوى حافة من حواف سلسلة الأنديز. أما قلب السلسلة الذى يفصل بين الأرجنتين وشيلى فلم يقترب منه إلا أعتى المغامرين. لا أذكر أننى ركبت مرة طائرة حلقت فوق الحدود بين البلدين إلا وتفضل علينا قائد الطائرة بسرد قصة الطائرة التى سقطت فوق إحدى قمم الأنديز الشامخة، (وتبدو لحضراتكم على يمين الطائرة)، ولم يتمكن أحد من الوصول إليها لإنقاذ الركاب، فأكل بعضهم بعضا.

•••

كانت أيضا شاقة ومخيفة رحلة مماثلة من نابولى إلى روما، يومها غلب حب المغامرة على الاتزان فاخترنا الطريق الجبلى الذى يقطع سلسلة جبال «الأبنين» الشهيرة، هنا تطوعت رفيقة السفر لتسير على قدميها أمام السيارة فتدل بالإشارة على مواقع الانزلاق نحو هاوية الجبل أو الارتطام بحواف الجبل، مشوار الساعة ونصف على الطريق الساحلى استغرق ثمانى ساعات فوق السحب على الطريق الجبلى.

•••

فى ألمانيا، كما فى الولايات المتحدة، يمنعون اختلاط البشر بالحيوانات على الطرق السريعة. يضعون من الضوابط والأسوار ما يجعل الحيوانات تتردد قبل الإقدام على مغامرة عبور الطريق، أو السير فيه مزاحمة السيارات وبنى البشر. كانت لى فى الهند تجارب عديدة مع حيوانات اختارت أن تزاحمنى الطريق الصاعد إلى مدينة ماسورى على سفوح جبال التبت وهى محطة جبلية على ارتفاع 2005 مترا، اختارها الصف الثانى من الضباط الإنجليز ليقضوا فيها شهور الصيف وصارت بعد الاستقلال مصيفا يؤمه حكام الهند والطبقة الثرية. كان الطريق فى ذلك الحين لا يتسع إلا لسيارة واحدة صاعدة أو هابطة. ومع ذلك عشت فى هذا الطريق ساعات عديدة شاهدا على مفاوضات محمومة بين سائقى عربات تجرها الثيران، وأبقار لا يحلو لها الاستلقاء والاسترخاء إلا فى وسط الطريق، وعشرات من عربات الريكشو، الآباء الشرعيون للتوك توك فى مصر. لا أذكر حادثا واحدا وقع خلال هبوطى وصعودى المتكرر، فالناس والحيوانات متعاونة إلى درجة لم أعرف مثيلا لها إلا فى بلاد العجائب وروايات الحيوانات للأطفال وقصص عن صراعات الشعوب الأليفة.

•••

وإن نسيت طرقا فلن أنسى طريقا يشق غابات جبال النوبا فى أقصى جنوب السودان. قضينا اليوم كاملا، بليله ونهاره، فى صندوق سيارة نقل مكشوفة تجوب الجبال وتزور القبائل وتشهد أفراحهم واحتفالاتهم. كان ابتهاجهم بنا مفاجئا لنا حتى أدركنا السبب، فالسيارة التى جئنا على متنها هى التى تتولى نقل حاجياتهم الضرورية من المدينة، وتحمل معها عند العودة المرضى والمجندين العائدين للخدمة. كانت أول مرة أركب فيها وأنا شاب لم أتجاوز السابعة عشرة طريقا أتعرف من خلاله على المعنى الحقيقى للحرية الكاملة. لولا هذا الطريق ما كنت رأيت شعبا تحرر من كافة القيود والأوهام. تحرر من ملابس المدنية ولوازم الحضارة. رأيت شعبا يعيش مع الطبيعة كما خلقت ومع أقران كما ولدتهم أمهاتهم ومع متع الحياة وطيباتها كما لو كانت بدون حساب أو رقيب. كتبت بعد عودتى أنه لو كان الطيران أو السكك الحديدية وسيلتنا لما رأينا ما رأينا، ولما عشنا تجربة مثيرة ومفيدة وفرها لنا الطريق البرى، غير الممهد وغير الآمن.

<<<

تحركت السيارة فى وحل ميدان سفنكس إيذانا بحلحلة المرور وتعالى الصخب فتوقفت الذكريات.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved