خرائط جديدة للأرض العربية: دول الطوائف بعد الديكتاتوريات

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 3 ديسمبر 2014 - 9:05 ص بتوقيت القاهرة

تتهاوى «الدول» فى الوطن العربى، بمشرقه ومغربه، وتتساقط «مؤسساتها» التى كان يختصرها «الفرد» الحاكم باسم «حزب»، سرعان ما جرى تذويبه فى قبيلة أو عشيرة أو حتى عائلة، اتخذت لنفسها لقب «الجبهة» الوطنية أو القومية أو التقدمية، لكن التمويه سرعان ما تلاشى مع الصراعات أو المواجهات، لتبقى «الدولة» لصاحب الدولة، بوصفه ولى الأمر فيها.

حتى «الدول» التى لم تسقط تماما، وإن كان «النظام» فيها قد التهم «مؤسساتها» الوليدة، تهتز هذه الأيام وقد تعلق مصيرها بصحة الرئيس القائد، أو بـ«الدول» ذات المصلحة فى دوامها واستقرارها، لأسباب تتصل بالنفط والغاز أساسا، وبالتالى فمن الأفضل حفظ «الكيان» ولو بحكم ضعيف، تحاشيا لتفجر حرب أهلية قد تلحق الأذى بالمصالح، كما قد تمتد نيرانها إلى الجوار المتهالكة «دوله» والتى تتطلب التوازنات فى الإقليم بقاءها حتى إشعار آخر.

فأما المشرق العربى فقد بات الحديث عنه يتجاوز وجود «دوله» للبحث فى صيغ جديدة لكياناته التى قد لا يكون استمرارها على ما هى عليه مناسبا لصاحب أو أصحاب الحل والربط وخططهم لمستقبل المنطقة، بحسب ثرواتها، وليس بحسب مكوّناتها القديمة، التى كان توحيدها ملفقا أو مؤقتا.. وواضح أن مصالح الخارج تأخذ إلى اعتماد «تصغير» الكيانات القائمة (بما يزيد عدد الأصوات العربية فى الأمم المتحدة وسائر المنتديات الدولية!!).

•••

لم تعد الأحاديث أو التكهنات أو حتى التقارير الرسمية عن محاولة تقسيم سوريا إلى كيانات على قاعدة طائفية أو مذهبية قد تجمعها دولة فيدرالية سرا حربيا، بل بات مشروعا يطرح ويناقش فى «دوائر» محددة فى عواصم القرار، جنبا إلى جنب مع مشروع آخر لتحويلها إلى كونفدرالية بمركز قوى مع لامركزية واسعة تحقق مصالح كل طائفة، بحسب قوة من يدعمها أو صاحب المصلحة فى الكيان الجديد.. فإذا ما ظهرت صعوبات غير متوقعة فلتكن كونفيدرالية طوائفية، لكل طائفة كيانها بقرارها المستقل فيها، ولكن مصالح الجميع تتلاقى فى إطار دولة تجمع هذه الكيانات لأسباب قد تتصل بالجغرافيا (داخل وساحل، زراعة وصناعة، نفط وغاز بحاجة إلى مصاف ومعابر آمنة إلى البحر)... إلخ.

كذلك فإن صورة العراق كدولة فيدرالية تكاد تتكامل على قاعدة طائفية فى الغرب (السنّة) وعنصرية فى الشمال (الأكراد) وفى الشرق والجنوب (الشيعة)، مع اعتماد بغداد عاصمة فيدرالية للأطراف جميعا، بضمانات دولية، قد تتخذ شكل المشاركة متعددة الطرف فى مواجهة «داعش» من الجو أساسا مع مشاريع قواعد عسكرية مموهة أقلها فى الشمال والغرب، ومركز استخبارات معزز فى بغداد يكون شريكا فى القرار السياسى عبر الدعم العسكرى المفتوح، على قاعدة خطة طوارئ دائمة.

أما اليمن فالبحث جار عن «صيغة عملية» لحماية وجودها كدولة.. وقد تفرض هذه الصيغة إعلان اليمن دولة فيدرالية يتمتع كل «إقليم» فيها (الجنوب أساسا، ثم الغرب فالشمال والشرق) باستقلال ذاتى واسع، مع ضمانات للجارة الكبرى (السعودية) وكذلك لمصر (بقناة السويس فيها التى يشكل باب المندب مدخلها الإجبارى من جهة الجزيرة والخليج والمحيط الهندى).

وإذا كان النفط وسائر المصالح الاستراتيجية للغرب تبعد النقاش عن مستقبل السعودية وإمارات الخليج فى اللحظة الراهنة، فإن الضغط لتثبيت مجلس التعاون الخليجى قد يتطور فى اتجاه دفع هذه الدول جميعا نحو «كونفدرالية» من نوع خاص، بما يحفظ مصالح «دولها» جميعا مع مركز ممتاز بطبيعة الحال للمملكة المذهبة.

ولعل الأزمة الأخيرة التى عصفت بهذا المجلس وهددت بانفراطه بسبب من «تمرد» قطر، يؤكد أن وحدة القرار داخله ضرورية ولا نقاش فيها حتى لو ظلت دوله «مستقلة»، تحت أمرائها وشيوخها وأعلامها متقاربة الألوان.

الجديد فى الأمر أن أوضاع بعض الدول العربية فى شمالى أفريقيا وتحديدا ليبيا باتت موضع نقاش مفتوح فى بعض دوائر القرار دوليا.. وهذا يؤثر بطبيعة الحال على أوضاع الجزائر (التى يحكمها رجل قد يكون فى النزع الأخير)، وكذلك على تونس، وقبل هذه وتلك مصر التى تعيش مرحلة انتقالية، يجهد الحكم الجديد فيها لإعادة بناء الدولة.

•••

ويقول العارفون بشؤون الجزائر إن الجيش وهو مركز القرار فيها، ممثلا بجنرالات المخابرات، يستعد لمرحلة ما بعد الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة. ومع الشلل العام الذى تعيشه جبهة التحرير، وضعف التنظيمات السياسية الأخرى، وتوارى أحزاب التيار الإسلامى (إخوان وسلفيين)، فمن الواضح أن القرار سيعود إلى الأقوى فى صياغة المستقبل السياسى لهذه الدولة المؤثرة وذات التاريخ الجهادى الناصع، أى الجيش بمخابراته ورجلها القوى.

ومن الممكن فهم الارتباك الذى تعيشه انتفاضة البوعزيزى فى تونس، والذى عززته الانتخابات الرئاسية التى جرت جولتها الأولى قبل أيام، والتى سوف تُستكمل بعد أيام، عبر التنافس الديمقراطى الذى حسم بداية لمصلحة «العهد القديم أى ذلك الذى يجمع بين بورقيبة وربيبه الذى خلعه زين العابدين بن على» والمعلق الآن على نتائج الجولة الثانية التى قد تحمل مفاجآت غير متوقعة.. فالفارق فى أصوات المرشحين الأساسيين قد يحمل مفاجأة، على ما يقول مناصرو تيار الإخوان المسلمين. فإذا ما حدث ذلك فلسوف يكون انقلابا خطيرا فى نتائجه على دول الجوار (الجزائر أساسا، وليبيا حيث يخوض الإسلاميون المعركة، معززين بدعم بعض دول الخليج، ثم مصر التى لما تتخلص تماما من شبح الإخوان المسلمين الذين مازالوا يقاومون مستندين إلى دعم تركى مفتوح ودعم خليجى تجرى الآن محاولة لتجفيفه).

لا بد هنا من الإشارة إلى أن التيار الإسلامى فى المغرب، وإن هو تمايز عن «إخوان» المشرق، يمسك بالسلطة الآن عبر الحكومة وتحت رعاية أمير المؤمنين.

هذا كله يفتح باب الاحتمالات على مصراعيه فى دول شمالى أفريقيا العربية.. لا سيما إذا ما استذكرنا أن بعض التنظيمات الإسلامية فى هذه الأقطار قد أعلنت مبايعتها لتنظيم «الدولة الإسلامية فى العراق والشام- داعش»، وكذلك فعلت المجموعات الإرهابية التى تخوض حربا شرسة ضد مصر.. بما يوحى بأن بحر الدماء المهدورة فى هذه المساحة الشاسعة من الأرض سيتمدد مستولدا نتائج سياسية يصعب تقديرها، مع غياب القوى السياسية المؤهلة ببرامجها وشعبيتها للنزول إلى الميدان ومواجهة ومن ثم الانتصار سياسيا (وبمعزل عن العسكر) على «داعش» ومن معه... ومن هنا تكتسب معركة الإعادة فى الانتخابات الرئاسية فى تونس أهمية استثنائية: فالمهم أن يُهزم مرشح الإسلاميين ولو بفوز المرشح المنحدر من صلب البورقيبية.

•••

الخلاصة: إن «الوطن العربى» فى صورته «القديمة» يتفسخ أكثر فأكثر، فالصراع بين العروبة، ممثلة فى الهوية الوطنية لكل بلد، والقوى حاملة الشعار الإسلامى بمعزل عن تطرفها أو اعتدالها، يهدد «الدولة» فى كل من هذه الأقطار ويفتح الباب أمام «مشاريع انفصالية» على قواعد متعددة، بينها العرق (عرب وبربر وشاوية، بدو وحضر) قبل أن نصل إلى مواقع النفط والغاز جغرافيا، وعلى خريطة الصراع الدولى الذى قد يغرى بعض الأقليات المتحكمة بمواقع الثروة على الانفصال، أو أقله على المطالبة بإعادة النظر فى الكيان السياسى فى اتجاه اعتماد الفدرالية أو الكونفدرالية الخ..

إن «الدولة المركزية» مهددة الآن فى العديد من الأقطار العربية..

هل علينا أن نستذكر أن الكثير من «الدول» قد أقيمت بقرار من الخارج وتأمينا لمصالحه (سايكس بيكو فى لبنان وسوريا والأردن والعراق) أو بقرار بالقوة (مثل توحيد اليمن، أقله كما يرى أهل جنوبه)... وأن دولا أخرى كانت اتحادية (مثل ليبيا الملكية بولاياتها الثلاث)، وثمة من يحن إلى الماضى فى ضوء حاضر الحرب الأهلية التى تغطى أرض هذه البلاد الغنية بالدماء؟

وهل علينا أن نستذكر أن الصراع الراهن بالشعار الإسلامى يحمل فى طياته خطر تفسيخ الكيانات السياسية القائمة، مزكّيا من جديد «استقلال» كل طائفة عن الأخرى (كما يلوح فى أفق العراق الآن، وفى سوريا ويمكن إضافة اليمن مع عدم استبعاد انتقال العدوى إلى فيدرالية الطوائف القائمة الآن فى لبنان..).

إذا ما استذكرنا هذه المخاطر التى تلوح فى الأفق، مغطاة بالشعار الإسلامى، أو بحقوق الأقليات (طوائف وأعراق)، لانتبهنا إلى أن «عالمنا القديم» يعيش حالة قلق مصيرى، قد تستولد المزيد من الحروب الأهلية.

.. وتبقى مصر هى الضمانة، إذا هى استكملت إعادة بناء دولتها العميقة، وتيسر لها أن تعود إلى دورها الذى لا بديل منها فيه بوصفها الدولة المركزية لهذه المنطقة جميعا، بأكثرياتها وأقلياتها، بالمذاهب والطوائف والأعراق.

وفى انتظار مصر سنعيش مرحلة من القلق المصيرى على غدنا فى أرضنا، بينما العدو الإسرائيلى يعلن ما استولى عليه من فلسطين «دولة يهود العالم»، ملغيا شعبها الذى كان عنوانا لنضال الأمة.

رئيس تحرير جريدة «السفير» اللبنانية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved