لكل زمان دولة ورجال.. وسياسة خارجية


صحافة عربية

آخر تحديث: الأربعاء 4 فبراير 2015 - 8:15 ص بتوقيت القاهرة

تتغير سياسات الدول بتغيّر قادتها أو تغيّر الظروف أو دخول سياستها فى طريق مسدود. كل هذا حصل للسياسة الخارجية السعودية، وبالتالى فإن من المنطق توقع تغيّر ما على تلك الجبهة، ولكن أين وكيف ومتى؟

الطريق المسدود فى الشرق العربى المتداعى لم تدخله السياسة السعودية وحدها، بل دخلته معها السياسة الخارجية الأميركية، لذلك يبدو الحديث عن خلافات بين البلدين فى تناول أحداث المنطقة غير ذى جدوى، ولكننا لم نرَ أو نسمع بخلافات يوم الثلاثاء الماضى، عندما وصل الرئيس الأميركى باراك أوباما إلى الرياض على رأس وفد عالى المستوى لم يقتصر على أعضاء من حكومته، وإنما جمع أصدقاء السعودية وأعداءه من الجمهوريين فى مهمة استثنائية وهى تقديم واجب العزاء بالملك السعودى الراحل عبدالله بن عبدالعزيز، وتجديد العلاقة الاستراتيجية الحميمة فى عهد ملك البلاد الجديد سلمان بن عبدالعزيز، فعقد جلسة عمل مطولة مع أركان القيادة السعودية الجديدة والتى جمعت لأول مرة ثلاثة أجيال: جيل التأسيس (الملك)، وجيل المرحلة الانتقالية (ولى العهد الأمير مقرن)، وجيل المستقبل (ولى ولى العهد الأمير محمد بن نايف).

من الواضح أن أوباما والعالم معه يتعامل مع السعودية كثابت فى عالم يتغير بل ينهار، ولكن هذه هى الحقيقة الوحيدة المتفق عليها، وتصبح ضبابية تماما عندما يطرح السؤال: كيف نوقف انهيار الشرق العربى؟.

لا بد من أن هذا السؤال كان حاضرا خلال اجتماع الزعيمين، ولكن لا نعرف ما هى القضية الأولى التى ستبدأ بها عملية «وقف الانهيار»، هل بالحرب على «داعش»؟ أم وقف الحرب فى سورية؟ أم باليمن الساحة الخلفية للسعودية؟ الجدل حول كل هذه القضايا وغيرها لا بد من أن ينتهى إلى حقيقة جلية، هى أن السياسات السابقة، سعودية كانت أم أمريكية، فشلت فى وقف الانهيار، بل إن هناك دولا عربية توشك أن تنضم إلى قائمة الدول الفاشلة، ما يستدعى البحث وتطوير سياسة جديدة، ولن يكون هذا من دون الاعتراف بأن التعاون والتنسيق بين الدول الثلاث القادرة على وقف هذا الانهيار لم يكن جيدا، بل أحيانا لم يكن موجودا، وأحيانا أخرى كان هناك تنافر وتعارض بينها. إنها السعودية وتركيا والولايات المتحدة، والأخيرة وإن لم تكن من دول المنطقة فهى حاضرة فيها وبقوة، بقواعدها العسكرية وأساطيلها ونفوذها واهتمامها ومصالحها، وقد أدى سوء التنسيق إلى توتر فى العلاقات بينها جميعا، فالتفاهم السعودى - الأمريكى لم يكن فى أحسن أحواله حول تفسير الربيع العربى وتداعياته، والأمر نفسه بين الرياض وأنقرة، وكذلك بين الأخيرة وواشنطن، والنتيجة هى ما نراه ونعيشه جميعا.

•••

يجب أن تعود السعودية إلى «السياسة الاحتوائية»، التى تميزت بها خلال عقود مضت، ونجحت بها فى غير أزمة، وخير ما يشرح هذه السياسة هو «اتفاق الطائف» عام 1989، والذى أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، حين جمعت الدبلوماسية السعودية الهادئة جميع الفرقاء اللبنانيين، أصدقاءها وأصدقاء غيرها، حتى من أخطأ بحق السعودية تلقى دعوة، وتركتهم يتفاوضون بحرية فى تلك المدينة الجبلية ذات الطقس المعتدل، واكتفى وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل، ورئيس الاستخبارات وقتذاك، الأمير تركى الفيصل، بالتدخل بالحد الأدنى لتذليل العقبات، وتقديم الحلول الوسط بعيدا عن الإعلام، ونجحوا فى النهاية فى تحقيق سلام لايزال لبنان مستظلا به على رغم الحرب السورية وتوغل «حزب الله» وتنمّره.

أما الولايات المتحدة، فهى تحتاج إلى أن تعيد الشرق العربى إلى قائمة اهتماماتها، فترددها فى التدخل فى سوريا وإسقاط نظام وصفته غير مرة بأنه فقد شرعيته، وتعجّلها فى الانسحاب من العراق وترك رئيس وزراء طائفى يمزقه، بينما تسرح إيران فيه طولا وعرضا، هو ما أدى إلى تمدد «داعش» وتحولها من تنظيم إرهابى إلى دولة. لقد بالغ أوباما فى سياسته الانسحابية من «حروب بوش» سلفه السابق، فسحب جنوده من العراق وأفغانستان من دون خطط بديلة، والتزم بعدم التورط فى صراع جديد، ولكنه اليوم مطالب حتى دوليا بضرورة العودة إلى هناك بعدما استشرى خطر الإرهاب وتجاوز حدود الشرق العربى إلى أوروبا والعالم. القاعدة القديمة تقول، إهمال قضية لن يحلها بل سيجعلها أسوأ.

•••

تركيا، تحتاج إلى أن تنظر إلى أن علاقاتها الاستراتيجية مع السعودية أهم من مجرد نصرة تيار «الإخوان المسلمين». ذلك الانهيار أكبر من مجرد خسارة حزب حليف للسلطة، إنه انهيار دول مجاورة لها ولم يعد خافيا أن طفح هذا الانهيار وصل إلى الداخل التركى فى شكل عنيف وانقسامات داخلية.

إذا كانت الحرب على «داعش» تحتاج إلى 10 سنوات، كما قال وزير الخارجية السعودى الأمير سعود الفيصل، فى مؤتمر الأمن والسلام بالعاصمة الفرنسية فى سبتمبر الماضى، فكم ستحتاج إعادة بناء العالم العربى المتداعى من جديد؟

10 سنوات أخرى بل أكثر، فلا أخبار جيدة هناك، حتى الانتصارات الأخيرة التى حققها الجيش العراقى وميليشيات «الحشد الشعبى»، وميليشيات الايزيديين فى ديالى وسنجار ضد «داعش» واحتفى بها العالم، شابها عنف وتصفيات للمدنيين السنّة واغتصاب للنساء، إنها دورة عنف وكراهية ليست قاصرة على «داعش» وحدها. إنه داء استشرى ويحتاج إلى سنوات لاستئصاله أو تقسيم آخر للعراق. وكيف ستنتهى الحرب فى سوريا التى دخل الجميع فيها إلى طريق مسدود؟ اليمن مهمة بحكم جوارها للسعودية، وتوشك أن تدخل فى أتون حرب أهلية لا تبقى ولا تذر، ومعها ليبيا التى دخلت بالفعل فى حرب أهلية. حتى مصر، فإن أوضاعها لا تبشر بخير، وأدت حماية نظامها من النقد والمحاسبة إلى أن يتوغل على الحريات، وبات سقوط قتلى مصريين كل يوم فى شوارع القاهرة وبقية المدن من أجل حماية النظام خبرا عاديا، ما عمّق الانقسام والاستقطاب، وجعل المصالحة الوطنية المنشودة أصعب وأبعد، وليس هذا بالتأكيد ما تريده السعودية والولايات المتحدة لمستقبل هذا البلد المهم.

لا يوجد حل سحرى لأى من هذه القضايا، بل علينا أن نتوقع الأسوأ وأنها ستبقى معنا بكل تعقيداتها وآلامها لعقود عدة. نحتاج إلى سياسة احتوائية لا إقصائية، وإعلاء قيم حقوق الإنسان وتشجيع على المشاركة. منع السلاح عن الجميع سيكون فكرة جيدة، وأخيرا غرفة عمليات مشتركة سعودية - أمريكية - تركية، وظيفتها إطفاء الحرائق والمصالحة وكل ما سبق.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved