رجل السياسة ورجل الدولة

مصطفى كامل السيد
مصطفى كامل السيد

آخر تحديث: الإثنين 5 فبراير 2018 - 11:12 ص بتوقيت القاهرة

من هو السياسى؟ هل هو من يشغل منصبا سياسيا؟ أم أنه الشخص الذى يتسم فى تصرفاته بأسلوب سياسى، وما هى أهمية هذا السؤال؟ هل للسياسى دور إيجابى فى حياة المواطنين وفى مصير دولته؟

السياسى هو من يقوم بوظيفة سياسية ويضع سياسات.

عندما تسأل مواطنة أو مواطنا: من هو السياسى؟ فلن يجد أى منهما صعوبة فى الإجابة عن هذا السؤال. طبعا الإجابة تتفاوت بحسب الدول. رجل السياسة فى قطر أو عمان يختلف عن رجل السياسة فى فرنسا أو ألمانيا أو السويد. سوف يحتار مواطن قطر أو عمان أو مواطنتهما، بينما سيجد المواطن الأمريكى أو الفرنسى الأمر سهلا. سوف يشير الأخيران إلى قادة الأحزاب وأعضاء السلطة التشريعية وربما بعض ناشطى المجتمع المدنى. ولكن فى كل الأحوال سيجمعون كلهم على أن رئيس الدولة هو السياسى الأول فى البلاد. ينطبق ذلك على النظم الرئاسية وشبه الرئاسية كما ينطبق على الملكيات غير الدستورية والنظم الديكتاتورية. بل إنه ينطبق أيضا على الملكيات الدستورية والنظم البرلمانية. رئيس الدولة فى الملكيات الدستورية مثل بريطانيا والسويد يقوم بدور سياسى، فهو الذى يدعو رئيس الأغلبية فى البرلمان إلى تشكيل الحكومة بعد الانتخابات. وقد ينطوى الأمر على خيارات دقيقة عندما لا تكون هناك أغلبية واضحة فى المجلس التشريعى الذى تنبثق منه الحكومة. وفضلا على ذلك يمكن لرئيس الدولة فى هذه الملكيات والنظم البرلمانية أن يقوم بدور سياسى من خلال جذب اهتمام الرأى العام لقضايا معينة مثل حماية البيئة، أو حسن معاملة ضحايا بعض الأمراض، أو العناية بمناطق أثرية لم تلق الحظ المأمول من الرعاية. وعلى أى الأحوال فإن عدد السياسيين بحكم المناصب هو أكبر فى النظم الديمقراطية؛ فلا يقتصرون على من يشغلون مناصب حكومية. أما فى الدول التى تغيب عنها الديمقراطية فإن رئيس الدولة والمقربين منه هم السياسيون الأول، لأنهم هم الذين يشغلون المناصب السياسية ويصنعون السياسات.. فمن الذى يصنع السياسة غيرهم؟.. هم الذين يحددون مجموعة الأفكار أو الخطط التى هى أساس اتخاذ القرار. ولا يمكن لرئيس الدولة فى النظم الرئاسية وشبه الرئاسية والديكتاتوريات إلا أن يكون هو المصدر الرئيسى لما تتبعه الدولة من سياسات. أليس ذلك هو حال إيمانويل ماكرون فى فرنسا، ودونالد ترامب فى الولايات المتحدة وفلاديمير بوتين فى روسيا؟ طبعا كل هؤلاء ليسوا هم السياسيين الوحيدين فى بلادهم، فإلى جانبهم أعضاء الحكومة وقادة الأحزاب السياسية وكبار نشطاء المجتمع المدنى. ولكن ــ فى هذه الأحوال ــ السياسات العليا هى ما ينبع من رئاسة الدولة، وما يأتى من المستويات الأدنى هو بمثابة سياسات معاونة أو سياسات فرعية تترجم السياسات العليا إلى توجهات وبرامج تفصيلية.

• السياسي كسلوك

ويمكن التمييز فى نظرة المواطنين للسياسيين بين من يدخلون فى هذا التعريف بسبب ما يقومون به من نشاط من ناحية وبين من يتسمون بسلوك سياسى فى تعاملهم مع الآخرين. الأولون يشملون بكل تأكيد شاغلى المناصب السياسية والذين سبقت الإشارة لهم، وكذلك الساعون لشغل هذه المناصب مثل المرشحين فى الانتخابات أو الطامحين إلى هذه المناصب فى أجهزة الدولة ومؤسسات المجتمع المدنى وحتى من بين رجال الأعمال وبعض الخبراء وثيقى الاتصال بالحكومة والأحزاب..

ولكن هناك نوعية أخرى ممن يتسمون بالمهارة والحذق والقدرة على الفهم الصحيح للأمور، والبراعة فى طرح أفكارهم وسهولة إقناع الآخرين بما يطرحونه من حجج، هؤلاء يوصفون كذلك بأنهم سياسيون أو أصحاب سلوك سياسى. السياسى بهذا المعنى لا يشغل بالضرورة منصبا حكوميا أو أى مركز رسمى قيادى، ولكنه يملك من هذه الملكات ما يجعله قائدا غير رسمى فى المحيط الذى يتواجد فيه يمارس فيه نفوذا واسعا، قد يكون بين الطلبة أو العمال أو رجال الأعمال، قد يكون إماما لمسجد، مدرسا فى قرية أو نشطا فى واحدة من النقابات العمالية أو المهنية أو حتى ضابطا فى الجيش. باراك أوباما امتلك هذه السمات عندما كان ناشطا فى المجتمع المدنى فى شيكاغو، وامتلكها جمال عبدالناصر وهو أستاذ فى كلية أركان الحرب ومؤسس لتنظيم الضباط الأحرار. كما انبهرت فى شبابى بقدرة التعبير والإقناع التى كان يظهرها أحمد سيكوتورى أول رئيس لغينيا بعد الاستقلال، وكان قائدا عماليا قبل أن يؤسس الحزب الذى ناضل من أجل تحرير بلاده من السيطرة الاستعمارية، وكنت أستمتع بمشاهدة حديثه للصحفيين عندما كان يحضر لزيارة مصر.

• السياسى كصانع للتاريخ

ولكن كيف يحكم التاريخ على من يشغلون مناصب سياسية. بعضهم يمارس السياسة خدمة لمصالح شخصية أو حزبية أو طائفية أو طبقية وهو ما يسميه الفرنسيون بالـpolitique politicienne، أو ما نعرفه نحن بحركات السياسيين، أو ما قد يصل إلى ما يسميه البريطانيون ونحن معهم dirty politics سياسة قذرة. ولكن هناك هذا الرعيل من السياسيين الذين يرتفعون فوق هذه المصالح الضيقة، ويملكون رؤية واسعة الأفق بعيدة الأمد لمصالح بلادهم تنهض بأحوالها وترقى بأوضاعها على الصعيد العالمى، فتمنحها مؤسسات مستقرة، وتصلح من شئونها وترفع مكانتها بين دول العالم، هؤلاء بالطبع سياسيون، ولكن البصمات التى تركوها فى تاريخ مجتمعاتهم تؤهلهم لأن يطلق عليهم رجال دولة، ومن أمثالهم: بانديت جواهر لال نهرو فى الهند الذى ساهم فى تشكيل نظامها السياسى الديمقراطى وسياساتها الخارجية، وشارل ديجول فى فرنسا والذى أرسى دعامات الجمهورية الخامسة واختط لبلده سياسة أوروبية قائدة ومستقلة عن الولايات المتحدة الأمريكية.

***

وعندما نتأمل تاريخنا المصرى منذ بدايات الحركة الوطنية والديمقراطية فى أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر نلحظ على الفور أن مصر كانت تزخر بالعديد من شاغلى المناصب السياسية، والذين كانوا يتمتعون أيضا بصفات السياسى من حيث قوة الحجة وبراعة التعبير والقدرة على التواصل مع المواطنين، سواء من تولوا مقاليد الحكم أو من نشطوا فى المجال العام. أحاط بأحمد عرابى كثيرون من بين ضباط الجيش مثل محمود سامى البارودى أو رجال الدين مثل الشيخ محمد عبده أو حتى القيادات الشعبية مثل عبدالله النديم، وتتابعت القيادات الحزبية والنيابية والثقافية فى أوائل القرن العشرين، مثل: مصطفى كامل، ومحمد فريد، وسعد زغلول، وأحمد لطفى السيد، وكثرت بعد حصول مصر على قدر من الاستقلال الذاتى فى 1922 والذى توسع فى 1936 وضموا قادة الأحزاب وكبار الكتاب والصحفيين وأعضاء البرلمان، بل كان فيهم أيضا زعامات طلابية فضلا عن قيادات تنظيمات خارج البرلمان أو محظورة رسميا مثل الإخوان المسلمين والشيوعيين. كانوا كلهم يتسمون بثقافة واسعة وقدرات على التعبير السليم وطرح الحجج المقنعة وكانت لهم جماهيرهم التى تكن لهم الولاء الطوعى دونما قسر أو إرهاب أو تطلع لمغانم. وحتى فى ظل التنظيم الواحد ــ الذى حكم مصر منذ 1953 حتى سنة 1976 ــ والذى تدرب فى صفوفه العديدون ممن أصبحوا زعامات بارزة فى حكومات السادات ومبارك فيما بعد. ولكن الذى يصيب بالحسرة هو أنه مع انحسار المجال العام تدريجيا منذ يونيو 2014 لم يعد هناك من يسمون بحق سياسيين فى مصر سوى رئيس الدولة بحكم منصبه. كانت هناك فى الحكومة الأولى لما بعد 30 يونيو شخصيات تتمتع بصفات سياسية خرجت من الأحزاب التى تشكلت بعد ثورة يناير أو حتى من جهاز الدولة المصرية، أمثال: زياد بهاء الدين، أو حسام عيسى، أو نبيل فهمى، ولكن انسحب جلهم تقريبا من خدمة الدولة إما لخلافات مع سياسات الحكومة أو لأن شخصية مؤثرة فى الحكومة الانتقالية أو مؤسسات مهمة فى الدولة ضاقت باستقلالهم فى الرأى. ومع أنه كان من الممكن أن تنجح التجربة الحزبية بعد 30 يونيو فى أن تفرخ المزيد من القيادات التى تصلح لتولى مسئوليات أرقى فى الحكومة أو حتى فى مجلس النواب والمجتمع المدنى، إلا أن الرؤية التى سادت على أعلى مستويات السلطة لم تكن تريد أن تكون هناك كيانات مستقلة الإرادة خارج الجهاز البيروقراطى. ولذلك على الرغم من أن هناك عشرات من الشخصيات التى تحتل مناصب سياسية فى الحكومة أو مجلس النواب أو الصحافة أو قنوات التلفزيون أو النقابات العمالية والمهنية يصعب وصف أى منهم بأنه سياسى لأنهم لا يصنعون سياسات، وإنما هم ينفذون سياسات يضعها قصر الاتحادية فى الاجتماعات الأسبوعية التى تجمع رئيس الدولة بمن يرى دعوتهم من الوزراء وكبار المسئولين ودائما فى حضور رئيس المخابرات أو من يقوم بعمله ورئيس هيئة الرقابة الإدارية. وعلى المستويات الأدنى فلابد أن تكون السياسة إما ترجمة لتوجهات رئيس الجمهورية أو تحظى بموافقة ممثلى الأجهزة الأمنية الذين زاد تواجدهم فى كل مؤسسات الدولة. وهكذا أصبح السياسى الوحيد فى مصر هو بالفعل رئيس الدولة.

ولذلك انكمش المجال السياسى فى مصر إلى أدنى حد متصور له، وغاب عنه السلوك السياسى ورجل الدولة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved