الدولة الوطنية عربيا.. بين خطر الفشل وصعود المذهبية والسلطوية المستمرة

عمرو حمزاوي
عمرو حمزاوي

آخر تحديث: الجمعة 4 مايو 2018 - 9:45 م بتوقيت القاهرة

تتعرض الدولة فى مناطق عديدة من العالم العربى إلى تحديات عميقة تتراوح بين خطر انهيار مؤسسات الدولة وبين الحاجة إلى تحديث وتطوير أنظمة الحكم الرشيد بهدف تلبية متطلبات المواطنين فى القرن الحادى والعشرين. فى بعض البلدان كسوريا واليمن وليبيا، أُضعفت الدولة إلى الحد الذى لم يعد معه انهيارها أو فشلها احتمالا مستبعدا. وفى حالات أخرى، كما يدلل الواقع الراهن للعراق ولبنان والسعودية ومصر والجزائر والمغرب على تنوع بيئاتها السياسية والاجتماعية، تواجه مؤسسات الدولة تحديات بالغة للقيام بوظائفها وللاستجابة لمتطلبات المواطنين بفعالية.

تحليليا، يمكن هنا تعيين مجموعتين متمايزتين من التحديات التى تواجه الدولة فى العالم العربى. ترتبط المجموعة الأولى، وهى الأكثر إلحاحا وخطورة، بالحروب الأهلية والحروب بالوكالة التى تفرض الدماء والدمار على السوريين واليمنيين والليبيين وتفتح أبواب جحيم الصراع المستمر بين بقايا حكومات وقوى مذهبية وقبلية ومجموعات إرهابية تتورط جميعها فى جرائم ضد الإنسانية وانتهاكات مفزعة لحقوق الإنسان. ليس خطر تفتت سوريا واليمن وليبيا ببعيد، ولم يعد لآمال البدايات فى ٢٠١١ بشأن تحول ديمقراطى قريب ونخب حكم جديدة تحترم القانون وتحارب الفساد ولو القليل من المصداقية.

أما المجموعة الثانية من التحديات فتتعلق بعجز مؤسسات الدولة عن الاضطلاع بوظائفها الأساسية. فعلى الرغم من أن مؤسسات الدولة العراقية تبدو أكثر تماسكا وأقل عرضة إلى خطر الانهيار الآن عما كان عليه الحال بين ٢٠٠٣ و٢٠٠٦، إلا أنها مازالت تعانى من تصارع قوى سياسية ومجتمعية على النفوذ بداخلها وتكالبها على السيطرة عليها انطلاقا من رؤى متناقضة للدولة ووفقا لأجندات سياسية متباينة. فالأكراد يدفعون إما باتجاه الانفصال أو باتجاه إقامة نظام فيدرالى بالغ اللامركزية ويفرض توزيع ثروات العراق الطبيعية على نحو إقليمى ــ أى أن يحتفظ كل إقليم فيدرالى بثرواته دون أن يتقاسمها مع الأقاليم الأخرى، فيبقى نفط الجنوب لأغلبيته الشيعية ويحتكر أكراد الشمال نفطه وثرواته ويستبعد وسط العراق بأغلبيته السنية من عوائد الجنوب والشمال. فى المقابل، يخشى السنة وبعض الجماعات الشيعية أن مثل هذا الفهم للفيدرالية يُوازى عمليا تفكيك الدولة ويهدد الهوية الوطنية. ثم أن التحديات التى تواجه الدولة العراقية تتصاعد باستمرار نظرا لتضارب أجندات القوى السياسية المؤثرة والحضور الطاغى للقوى المذهبية والقبلية التى تخصم من فاعلية مؤسسات الدولة وترسخ لذاتها أمام المجتمع والمواطنين كبدائل.

***

ما يعانى منه العراق منذ ٢٠١٣ يجسده لبنان من عقود. فالدولة فيه تخلت تدريجيا عن دورها فى احتكار الاستخدام المشروع للقوة المسلحة، وانتفت بالكامل قدرتها على ضبط ممارسات القوى المذهبية والطائفية داخل الأراضى اللبنانية وخارجها. لا سيطرة لمؤسسات الدولة على الضاحية الجنوبية من بيروت أو مجمل الجزء الجنوبى من البلاد، بحيث باتت الضاحية والجنوب تحت حكم حزب الله الذى بات مسئولا عن كل شىء فيهما، من تنظيم المرور إلى توفير خدمات التعليم والرعاية الصحية والتوظيف. ومع ذلك، لا ينبغى قصر صعود القوى المذهبية والطائفية ومنازعتها للدولة اللبنانية وسيادتها على مسألة قوة حزب الله، إذ إن الدولة ومنذ الحرب الأهلية فى سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين نقلت عملا الإدارة الأمنية والوظائف المتعلقة بالتمثيل السياسى وبتقديم الخدمات الاجتماعية والاقتصادية لمنظمات ومجموعات مذهبية المنشأ والهوى تعتنى بفئات محددة من اللبنانيين وفقا لمعايير الانتماء المذهبى والهوية الطائفية. وفى التحليل الأخير، فقد اللبنانيون وضعيتهم كمواطنين وزال رباط المواطنة بين الدولة والسكان. بل إن منطق المذهبية والتطييف يتجاوز الأمن والتمثيل السياسى والخدمات لمختلف جوانب صناعة السياسات العامة، بما تتضمنه من تخصيص للموارد الداخلية والخارجية (أى المساعدات الإقليمية والدولية المقدمة إلى لبنان) ولمناحى الإنفاق الحكومى. كما أن حزب الله بتحالفه العضوى مع إيران وبدوره فى الحرب الأهلية السورية ودفاعه عن بقاء نظام بشار الأسد رتب امتداد ساحات فعل القوى المذهبية والطائفية إلى خارج الحدود.

إلا أن لبنان ليس بالدولة المتداعية، إذ إن ما يميزه، وعلى رغم القيود الشديدة الواقعة على الدولة وسيادتها، عن دول يتهددها الانهيار كسوريا واليمن وليبيا هو أن تقاسم السلطة وتوزيع الوظائف والأدوار بين القوى المذهبية والطائفية وبعضها البعض قد صار ممنهجا ومقبولا إلى حد بعيد منذ انتهاء الحرب الأهلية. وقد مكن ذلك الدولة اللبنانية من الاستمرار، وسمح للقطاعات الحيوية فى المجتمع من العمل بطريقة ما. لا جدال فى أن الانفجارات الدورية للعنف الطائفى فى بعض المناطق (خاصة فى الشمال)، وكذلك التنازع فيما خص دور حزب الله فى سوريا، تثبت أن تلك التفاهمات الضمنية التى تسمح للبنان بالحفاظ على مظهر الدولة تظل هشة للغاية وقد تنزوى بسرعة ما أن تشرع القوى المذهبية والطائفية أو بعضها على الأقل فى التصرف استنادا إلى تعريفات غير توافقية حول ما يعنيه المتبقى من سيادة الدولة. على الرغم من ذلك، نجح تقاسم السلطة بين القوى المذهبية والطائفية فى تجنيب لبنان خطر الانزلاق إلى هاوية الحرب الأهلية مجددا وإبعاده عن التداعيات الكارثية للحرب فى سوريا.

***

وفى بلدان عربية أخرى، تواجه الدولة تحديات تنتج عن التناقض بين حداثة البنى الاجتماعية والاقتصادية الحاضرة فى المجتمع وبين تقليدية المؤسسات والسلطات المتوقع منها أن تدير الدولة وتضطلع بوظائفها وأدوارها إزاء المواطنين. أسفر مثل هذا التفاوت عن أزمات سياسية حانقة لا ترتبط فقط بغياب الحكم الرشيد المحترم لحقوق المواطنين، بل أيضا بتراجع الإمكانات الأساسية لنخب الحكم فيما خص صناعة وتطبيق السياسات العامة الفعالة والقادرة على تحقيق التنمية. ففى السعودية، على سبيل المثال، تغير المجتمع والاقتصاد على نحو أعمق وأسرع فى مجالات التنوع المؤسسى والتعددية الوظيفية والقدرات البشرية من مؤسسات وسلطات الحكم مما أسفر عن جعل الأخيرة تلهث للحاق بالركب وللتأسيس لترتيبات جديدة تستطيع اكتساب ثقة المواطنين. غير أن تلك الثقة لن تتأتى دون انفتاح سياسى حقيقى ومحاربة غير انتقائية للفساد، ونخبة الحكم فى السعودية لم تزل عازفة عن الأمرين.

وفى بلدان كمصر والجزائر والمغرب، تبلورت فى لحظات ماضية نخب حكم قوية صنعت السياسات العامة بانفرادية وتميزت بقدرتها على ممارسة درجة معتبرة من السيطرة على المجتمع وتمكنت بالتبعية من إقامة نظم سلطوية والحفاظ على استقرارها. غير أن نخب الحكم الراهنة، وللعديد من التطورات الاجتماعية والاقتصادية المتلاحقة وبفعل تداعيات الانتفاضات الديمقراطية فى ٢٠١١، تعانى اليوم من تراجع حاد فى قدرتها على الوفاء بمتطلبات المواطنين الأساسية وتتمترس خلف التجاهل المستمر لآمالهم فى الحرية والعدالة الاجتماعية وهو ما ينذر بتوترات مجتمعية وسياسية قادمة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved