lمراجعة أوليـة للتجربة الديمقراطية.. عربيًا

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 4 يونيو 2014 - 7:59 ص بتوقيت القاهرة

يعيش المواطن العربى، فى مشرق أرضه الواسعة كما فى مغربها، حالة مرضية يمكن تسميتها، مجازا، الشوق إلى صندوقة الاقتراع!

حيثما وضعت صناديق الاقتراع، وبغض النظر عن موضوع الانتخابات وهل هى رئاسية أم نيابية، ينتظم الناس فى طوابير للإدلاء بأصواتهم.. ولا تمنعهم عن ممارسة هذه العادة خبراتهم العريقة والمؤكدة أن النتائج معلنة سلفا وبغض النظر عن أعداد المشاركين فى الاقتراع، لا سيما إذا كانت المناسبة رئاسية.

إنهم يعرفون يقينا أن أصواتهم لا تفيد إلا فى تأكيد المؤكد، وإضفاء شرعية مصورة على من اختارته المقادير رئيسا، أو من حددتهم مصلحة الرئاسة نوابا مشرعين.. مع ذلك فهم يذهبون إلى المراكز وينتظمون فى طوابير بشرية أمامه، يبتسمون لعدسات التصوير التليفزيونية وقد يهزهم الطرب فيرقصون ويغنون ويرفعون أصابعهم بشارة النصر، ثم يتقدمون إلى لجنة القيد بهوياتهم مبتسمين ويغمسون سباباتهم فى الدواة قبل أن يرفعوها وقد اكتست بلون البنفسج مبتهجين.

لا يهم أن يكون «الرئيس» المرشح لتوكيد رئاسته بولاية جديدة مريضا إلى حد العجز عن النطق، والقدوم إلى مركز الاقتراع على «كراجة»، أو نقل المركز إلى القصر.

لا يهم أن يكون «الرئيس» المرشح يرغب فى توكيد «أبدية» استمراره فى قيادة البلاد والعباد، مهما اشتدت وطأة الفقر على الشعب ومهما تراجع مستوى الدخل القومى فى الدولة وتعاظمت أثقال الديون عليها.

لا يهم أن يكون التعليم الرسمى قد تراجع نزولا إلى الحضيض، وأن يصبح «المدرس الخصوصى» ضريبة أبدية على الرعايا الفقراء ومتوسطى الدخل، فى حين تزدهر المدارس الخاصة المملوكة من تجار العلم المحليين أو من البعثات الأجنبية، برغم ارتفاع أقساطها التى لا يقدر على دفعها إلا من وفرت له «الظروف» فرصة إثراء غير مشروع، سواء بالسمسرة أو بالتجارة بالممنوع، أو بالاختلاس المباشر الذى تغطيه الشراكة مع أهل السلطة.

لا يهم أن تكون الطائفية أو حتى المذهبية هى المعبر الإجبارى إلى «السلطة بالديمقراطية»، فلا يفوز بالرئاسة إلا الأشرس فى استخدام التعصب سلاحا بحيث يحول ربحه المعركة إلى انتقام متأخر لهزيمة هذه الطائفة أو ذلك المذهب فى السحيق من مواقع الفتنة.

كما لا يهم أن يعتبر انتصار الأقلية على الأكثرية فوزا باهرا للديمقراطية وحقوق الإنسان، فى حين يتم تصوير نجاح الأكثرية فى إيصال مرشحيها اضطهادا للأقليات.

هكذا نبتدع أشكالا فريدة من الديمقراطية: ديمقراطية قبلية، ديمقراطية جهوية، ديمقراطية مذهبية، ديمقراطية طوائفية تسترهن الأقليات، أو ــ بالمقابل ــ ديمقراطية أقلوية تسترهن الأكثريات باسم مقاومة التعصب ومكافحة الطائفية.

•••

إنه الموسم! موسم الديمقراطية بعد دهور الدكتاتوريات التى تحكمت بشعوب هذه المنطقة العربية فأفقدتها الهوية وأضعفت شعورها بالانتماء إلى أرضها، وجعلتها مجاميع من البشر لا رأى لها ولا قرار فى مصير بلادها، فضلا عن طبيعة الحكم القائم فيها وشخص «الرئيس الأبدي» الذى يتجاوز الملوك فى فترة اطمئنانه إلى سلطته المطلقة وكلمته المفردة فى شئون بلاده وشعبه.

ولكن ما هى الديمقراطية وكيف السبيل إليها؟! وكيف يمكن تحويل «الرعايا» إلى «مواطنين» وبأى نوع من السحر تحول هذه القطعان البشرية إلى «مقترعين»، أى إلى أصحاب رأى وأصحاب قدرة على اتخاذ القرار فى مختلف شئون دولتهم التى لا يعرفون منها إلا صاحب الأمر المتدرج من قمة السلطة إلى الشرطى والمخبر فى الشارع أو حتى فى البيت، يقرر فينفذون بغير اعتراض أو نقاش فإذا ما خطر لمتهور أو مجنون أن يسأل خاف منه أهله وتخلى عنه أصدقاؤه وابتعد عنه محبوه مشفقين وهم يرددون الدعاء له بالشفاء العاجل!

إنه الموسم! ليسقط الاستفتاء! ولتنتصر ديمقراطية الصندوق!

ولكن الصندوق هو الصندوق.. حتى وإن سمح لواحد أو أكثر أن ينافس صاحب الأمر!

سيختلف الشكل قليلا. سيكون هناك أكثر من مرشح، لكن «الفائز» لن يتبدل. فقط سيفوز الآن بأرقام من قدموا إلى المركز ونالوا شرف التعبير عن آرائهم بحرية، فأسقطوا الأوراق فى الصندوق بعد تقديم هوياتهم إلى اللجة الانتخابية فقبلتها وسجلت تفاصيلها وسمحت لهم بأن يغمسوا أصابعهم فى المحبرة شهادة على أنهم أدوا واجبهم الانتخابى وأكدوا إخلاصهم لوطنهم عبر ممارسة الديمقراطية.

•••

ولكن.. هل هذه هى الديمقراطية؟ وهل الديمقراطية هى نبت شيطانى مستورد من بلاد أخرى من دون مراعاة «خصوصيات» هذه البلاد وأهلها الذين تعودوا أن يكونوا «رعايا» ولم تسمح لهم ظروف حياتهم أن يصيروا «مواطنين»؟!

يستذكر كبار السن منهم أنهم فى صدر شبابهم قد عرفوا الأحزاب السياسية والنقابات، عمالية ومهنية، والجمعيات الفكرية والأندية الثقافية والمنابر العقائدية، وانهم كانوا يشهدون صراعا بالأفكار ومنافسة بالآراء ومناقشات مفتوحة حول الحاضر والمستقبل، وان المدى كان مفتوحا بالاجتهاد وحق الاختلاف.

يستذكرون أيضا أن الأحزاب كانت تقدم مرشحيها للانتخابات، وبينهم أثرياء ووجاهات محلية ونقابيون وأساتذة جامعات تميزوا بنشاطهم الفكرى ونشطاء من بين الشباب الحزبى، يبشرون بعقائد تستهدف التقدم بالمجتمع ومغادرة ليل الاقطاع وتحكم أصحاب الثروات وعتو أهل السلطة وجبروت المرتبطين بمشاريع سياسية أجنبية المصدر ومغايرة لمصلحة البلاد ومؤذية لحقها فى الاستقلال.

ثم.. توالت «النكبات»، وكانت أولاها وأفدحها ضررا فى فلسطين: لقد فضحت حقيقة الاستقلال الوهمى لدول من كرتون، لا جيوش فيها ولا قدرات اقتصادية، وأنظمة هى وريثة عهود الاستعمار، حيث كان يكفى التظاهر دليلا على الوطنية فى حين كانت الأحزاب تجمعات شعبية خلف شعار الاستقلال بغض النظر عمن يرفعه وعن مضمون الدولة التى ستبنى لتوكيده، ومن المؤهل والقادر على انجاز هذه المهمة الجوهرية بل الحتمية للخروج من عصر القبيلة والعشيرة والعائلة إلى عصر المواطنة فى دولة لها مقوماتها الفعلية، اقتصاديا واجتماعيا وعمرانيا، وفيها من أهلها أصحاب القدرة والكفاءة والخبرة فضلا عن الإخلاص والإيمان بالوطن والعلم لبناء دولة حقيقية تحفظ الوطن وتحقق لأهله مطامحهم فى حياة كريمة.

فشلت حكومات دولة الاستقلال فى انجاز المهام المطلوبة منها، ثم فضحها العجز عن مواجهة المشروع الصهيونى المعد مسبقا لاحتلال فلسطين وإقامة الكيان الإسرائيلى فوقها.. فتهاوت الأنظمة العربية تحت ضغط انتقام عسكرها لكرامة الجيوش التى منيت بهزائم منكرة.. وهكذا ضاعت فلسطين وضاعت معها طريق العرب إلى الدولة الحديثة.

•••

ليس القصد من هذا العرض الإثبات أن الأنظمة التى تعاقبت على حكم هذه البلاد العربية لم تكن مؤهلة لقيادتها نحو مستقبلها، وأن «العسكر» هم وحدهم المسئولون عن إفشال تجربة بناء أنظمة ديمقراطية فى بلاد كانت بغالبيتها تعيش فى ظلال موروثات قبلية، ثم جاءها الاستعمار الغربى فقسمها وفق مصالحه، مستغلا تلك الموروثات سواء فى تقسيمها بحسب مصالحه فابتدع دولا لم يكن لها ذكر فى التاريخ، وأعاد تقسيم البلاد بما يناسب أغراضه وبغض النظر عن توافر القدرات لإقامة دول.

لكأن العرب، فى مشرقهم خاصة، كما فى مغربهم، أمام دورة دراسية جديدة لتعلم الديمقراطية والتعرف إلى النظام الديمقراطى.. ولو عن طريق العسكريين!

.. وقد تتدخل الطائفية والمذهبية مرة أخرى فى إعادة صياغة الكيانات السياسية التى أثبتت التجارب عجزها عن الصمود أمام الحركات التقسيمية المرتكزة على موروثات التاريخ وحقائق الجغرافيا.

وبالتأكيد فليس العسكريين هم المؤهلون لإنجاز مثل هذه المهمة التاريخية الجليلة.

تلك هى بعض من الأسئلة الخطيرة التى تواجه «الميدان» وهو يتقدم لاستكمال إنجازه التاريخى فى التغيير.. فى اتجاه الغد الأفضل.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved