صبيان وبنات

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 4 أغسطس 2010 - 10:18 ص بتوقيت القاهرة

 أرى آباء وأمهات، وبخاصة آباء، يذوبون نعومة ورقة وحنانا أمام ابتسامة أو حضن من ابنة لهم أو حفيدة. أراهم، وبخاصة الآباء، وقد اختفت علامات النعومة والرقة والحنان من أصواتهم ونظراتهم وحلت محلها علامات صرامة وخشونة وحزم، أمام محاولة حضن من ولد ابنا كان أم حفيدا، يريد أن يحصل لنفسه على ما حصلت عليه أخته وانعكس على وجهها بشرا واستمتاعا.

صحيح أن الطبيعة تساهم بقسط وافر لتبدو الأنثى خفيفة وناعمة و«قابلة للأذى»، ولكن الصحيح أيضا هو أن الأهل يساهمون بقسط أكبر وأهم لدعم إسهام الطبيعة، ويشاركون فى تعميق الفجوة بين الذكور والإناث بانحيازهم الفاضح لواجب حماية البنات واعتناقهم الأكيد لفكرة أن الأنثى مخلوق ضعيف.

كل الآباء، وأنا منهم، يتعاملون مع البنات كمخلوقات رهيفة. راقب تصرفات أب لرضيع حديث الولادة. لاحظ الطريقة التى يحمل بها الرضيع قبل أن يعرف جنسه ثم لاحظ الاختلاف فى سلوكه وصوته وطريقة إمساكه به عندما يبلغه نبأ أنها بنت. راقبه هو نفسه أو راقب أبا لرضيع آخر ولاحظ الطريقة التى يحمله بها عندما يبلغه أنه ولد. فى الحالتين سيكون حنونا وسعيدا ومراعيا رخاوة الرضيع. ولكن المؤكد أنه سيكون أكثر نعومة وحرصا فى التعامل مع البنت.

يجب أن نعترف، كما اعترف الروائى البريطانى المعروف مارتين آيميس وأستاذ الكتابة الإبداعية بجامعة مانشستر، إننا ننشئ أولادنا منذ أيامهم الأولى على مبدأ التمييز فى المعاملة بين الجنسين. نتمادى فى مداعبة البنات وملاعبتهن. نشترى لهن العرائس والحيوانات الأليفة ونشترى للصبيان الألعاب الميكانيكية وكرات للقدم وقفازات للملاكمة. نغرس فى الفتاة ولم تزل طفلة الإحساس بالخجل وسلوكيات الحياء وكلمة «عيب».

ونلتزم أن يشب الولد جريئا وجسورا. نفرح به ونتباهى أمام الجيران والأقارب إن سمعناه يستخدم ألفاظا سوقية وننقلها عنه بزهو ليسمعها زملاء العمل ورفاق السمر.. نفخر بأنه ضرب واحدا أو أكثر من تلاميذ الفصل أو سخر من معلمه أو معلمته.. نغفر للبنت زنينها وبكاءها ولا نغفر للصبى شقاوته ونعفو إن كسر أو دمر. نتغافل عن استفزاز البنت لشقيقها أو صبى آخر ونتجاهل محاولاتها إيذاءه ولا نسمح للولد المتضرر الانتقام لنفسه. نحكى للبنات حواديت الشاطر حسن وسندريللا والفتاة ذات الرداء الأحمر ونحكى للأولاد ملاحم البطولات وأساطير الرجال العظام وشجاعة قادة المعارك التاريخية وتضحيات الشهداء والمناضلين.

الغريب أننا بعد كل ما فعلناه لغرس الضعف فى البنات وتلقين الأولاد القوة والهيمنة، مازلنا نحتار فى فهم ظاهرة عزوف البنات عن دراسة فروع معينة من العلوم والرياضيات وإقبال الأولاد عليها. ومازال البعض منا يثير السؤال العجيب عن أسباب الفروق فى الذكاء بين الرجل والمرأة. ننسى أننا كآباء وجدود صنعنا هذه الفروق حين ميزنا فى المعاملة بين الصبى والبنت منذ أيام رضاعتهما. تنشأ البنت وتنضج وتظل مترددة فى كل مرة تطرح الحياة عليها تحديا أو آخر، بينما ينشأ الولد وينضج وقد تعلم أن يتصرف باندفاع وأحيانا كثيرة بتهور.

وفى مواجهة هذه الفروق لا سبيل أمام البنت لتفلح وتتقدم إلا بأن تبدع فى ابتكار الطرق والوسائل التى توصلها إلى أهدافها. أكثرها يتطلب مهارة التخطيط على نار هادئة. وبعضها يفرض عليها إجادة مهارة الكتمان وكفاءة استخدام ما وهبتها إياه الطبيعة من حس أنثوى خاص.

هكذا تفننت الأنثى حتى أبدعت فى استثمار نقاط ضعفها لتكون أقوى فى حقيقتها وأكثر فائدة لنفسها ولأطفالها. هكذا تمكنت من صياغة وحماية عالم يخصها رسمت بنفسها حدوده وسخرت من أجل بقائه واستمراره إمكانات رجل يعيش بإرادتها ورضاها وتحت وهْم ضعفها

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved