قلب العلم وعقله

ليلى إبراهيم شلبي
ليلى إبراهيم شلبي

آخر تحديث: الجمعة 4 أغسطس 2017 - 9:15 م بتوقيت القاهرة

ترددت كثيرا قبل أن أشرع فى الكتابة، فقد هالنى العنوان وكنت أعرف جيدا أننى لن أتوصل إلى ترجمة صحيحة توائم بين قناعاتى وإيمانى بالعلم وقناعتى بصدق الخبر. العنوان الذى تصدر أنباء العلم وأخباره فى وسائل الإعلام العالمية ترجمته الحرفية «جنين آدمى تعاد صياغته للقضاء على مرض».. Human embryo edited to stop disease.
التجربة التى يتحدث عنها الخبر بدأت منذ عام ٢٠١٥ والتى بها بدأ أول محاولة بالفعل للتدخل فى تركيبة الحامض النووى DNA وأطلق عليها اسما مختصرا (crispr) كان الغرض منها هو الوصول لوسيلة متاحة من الجين المعيب الذى يحمل صفات المرض الوراثى.
أول تلك الأمراض الوراثية التى سعى العلم للقضاء عليها فى مهدها كان تضخم عضلة القلب الوراثى أحد الأمراض التى تسبب الموت الفجائى والذى غالبا ما يحدث نتيجة عدم تشخيصه أو حتى العلم بوجوده فهو فى البداية ولفترة طويلة لا تصدر عنه أعراض تلفت إليه النظر.
لعلنا جميعا نذكر حادثة لاعب الكرة المعروف الذى سقط فى الملعب دون سابق إنذار كان أحد ضحايا هذا المرض، هو أيضا أهم أسباب وفاة الرياضيين الذى يتمتعون بلياقة عالية حتى اللحظة التى فيها فجأة تنهار مقاومة عضلة القلب فيتوقف فجأة.
المرض وراثى ومعروف عالميا حتى أن الأستاذ الدكتور مجدى يعقوب يتبنى فى مصر مشروعا لدراسته وراثيا فى عائلات كاملة.
الدراسة التى نشرت فى الدورية العلمية المرموقة (Nature) وأثارت جدلا علميا واسعا وأظنه لن يتوقف نظرا لارتباط التجربة بقضايا آداب وأخلاق المهنة جاءت نتيجة جهد أمريكى كورى مشترك.
إصلاح الموروث الجينى الذى يحمل صفات المرض جاء وفقا لترتيب علمى مذهل ثم حقن حيوانات منوية لرجل مصاب بالمرض الوراثى فى بويضة لامرأة سليمة مستخدمين وسيلة (Crispr) التى يمكن من خلالها إصلاح هذا الجين.
تعد تلك أول تجربة ناجحة لإصلاح الجين المعطوب رغم أنه قد سبقها تجارب مماثلة حققت نجاحات محدودة منها ما تم فى الصين للتخلص من الجينات المسببة لبعض أمراض الدم.
من الواضح أن العلم لن يتوقف عند هذا الحد وأن الهندسة الوراثية لن تظل حكرا على إنتاج محاصيل تكفى احتياجات العالم المتزايدة من الطعام أو لإنتاج محاصيل مقاومة للأمراض أو فواكه أكبر حجما، إنما الأمر جد خطير حينما يتعلق بحياة إنسان ومستقبل الإنسانية.
قد يكون بالفعل هذا هو طريق العلم لعلاج عشرة آلاف مرض وراثى سببها موروث جينى معيب رغم أن النتيجة كانت مذهلة للجميع إلا أن تلك مجرد بداية لأفق جديد تماما من آفاق العلم والمعرفة التى تتفتح رغم إثارتها جدلا أخلاقيا لا أظنه ينتهى لصالح العلم.
الواقع أننى شخصيا فى حيرة، هنا العلم ينهى معاناة آلاف المرضى بأمراض وراثية هم فى الواقع لا يتعذبون وحدهم بل معهم آلاف العائلات الذين يعيشون معاناة حقيقية وحياة مهددة دائما قاسية.
فهل تجربة كتلك تعد تبديلا لخلق الله سبحانه وتعالى؟
الواقع ليس لدى إجابة قاطعة، دون أدنى شك العقل الذى ثابر ليصل إلى تلك النتيجة كان هدفه الأول علاج تلك الأمراض التى يتوارثها الإنسان ما دون ذنب جناه.
لدى ثقة مطلقة فى العلم لكن ما بال العلم يتطور فى بقاع محددة من العالم بل وتتم تجربة كتلك بتعاون أمريكى كورى جنوبى بينما مليون طفل يلقون مصيرا محتوما فى اليمن بالكوليرا، مرض معروف سهل علاجه ومحاصرته متى توافرت الامكانيات الطبية والإنسانية لذلك.
كم كانت تكلفة هذا العمل العلمى: أظنها دون أدنى شك تكفى لحل مشكلة الكوليرا فى اليمن.
أعترف أننى أحيد هنا عن الموضوعية فالطبيعى أن يتطور العلم لكنى لا أتراجع، الإنسانية أبقى، ولو تأخر تطور العلم إلى حين.
لله الأمر من قبل ومن بعد.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved