انحسرت الثقة فى العولمة

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الخميس 4 سبتمبر 2014 - 7:50 ص بتوقيت القاهرة

فى العام 2005 نشر توماس فريدمان الصحفى الكبير بجريدة نيويورك تايمز كتابه بعنوان «العالم مسطح» ذاع صيت الكتاب، واعتبره النقاد تتويجا لعملية تبشير طويلة بالعولمة اشترك فى قيادتها فريدمان. تجاسر فريدمان فى الكتاب وخارجه فوضع نظرية أطلق عليها نظرية «الأقواس الذهبية».

من خلال هذه النظرية ومستندا عليها تنبأ فريدمان بقرب حلول مستقبل يعيش العالم فيه بفضل العولمة فى وضع لا يسمح بنشوب نزاعات بين الدول. فالأقواس الذهبية التى ترمز الى سلسلة مطاعم ماكدونالدز انتشرت فى كل القارات، تزدان بها عشرات بل مئات المدن فى الهند والصين وروسيا وأوروبا وأفريقيا. هذه السلسلة التى تقدم الوجبات السريعة واستطاعت خلال سنوات أن تحتل مكانة الصدارة فى سجلات الثقافة الشعبية الأمريكية، سوف تحقق، حسب رأيه، ما لم تحققه الدبلوماسية والمؤتمرات الدولية والمفاوضات فى سالف العصر والزمان، ستحقق السلام وتمنع التوترات التى تتسبب فى نشوب النزاعات بين الدول. جرأة فى الكتابة والتحليل لم تتوافر لغير توماس فريدمان وحواريين من مدرسته.

•••

فى شهر أغسطس 2014، أى قبل أسابيع قليلة، أغلق مفتشو الصحة التابعون للحكومة الروسية مطعم ماكدونالدز الكائن فى 29 شارع بولشايا برونايا. الجدير بالذكر أن هذا المطعم افتتح يوم 31 يناير عام 1990، وكان بشهادة الكثيرين يوما مشهودا فى تاريخ موسكو المعاصر. إذ دخل المطعم فى ذلك اليوم أكثر من 30.000 زائر. ومازلت أذكر جيدا كيف راوغت وقتها حكومة روسيا لتتفادى التوقيع على عقد يكون فيه الطرف الآخر شركة ماكدونالدز الأمريكية، وأصرت على أن يوقع على العقد الفرع الكندى التابع لهذه الشركة. كانت الأعصاب مازالت مشدودة. فالحرب الباردة انتهت أو بدت كما لو كانت انتهت، ومع ذلك خافت الحكومة أن يثير التعاقد مع ماكدونالد، رمز العولمة والإمبريالية الأمريكية، غضب «فلول» الشيوعيين وطلائع القوميين ورواد الكنيسة.

كثيرون، وبينهم فريدمان على ما أذكر، اعتبروا هذا التاريخ، تاريخ افتتاح أول فرع لماكدونالدز فى موسكو، اليوم الذى حققت فيه مسيرة العولمة أعظم انتصاراتها وأثبتت وجودها. فالمطعم افتتح فى موسكو رمز الشيوعية وعاصمة العدو اللدود السابق لأمريكا، مما يدل على قدرة ماكدونالدز الجبارة فى التغلب على التوترات الدولية والانتقال بالعلاقات بين الدول من حال خصام إلى حال الوئام والسلام.

كثيرون ليسوا أقل عددا، ولا أظن فريدمان بينهم، يعتبرون عام 2014، تاريخ إغلاق هذا الفرع الشهير من سلسلة مطاعم ماكدونالدز، العام الذى سقطت فيه مسيرة العولمة. فالإغلاق مع أسبابه وخلفياته وظروفه، جميعها اجتمعت لتؤكد أن العولمة لم تحقق الوئام بين الأمم والحكومات، بل لعلها متهمة الآن بأنها أضافت خلال مرحلة هيمنتها أسبابا جديدة للتوتر وخلقت مصادر لم تكن معروفة للنزاعات الدولية.

•••

ما حدث فى الأسابيع الأخيرة معروف، ولعل بعض جوانبه توقعها متخصصون فى شئون العلاقات الدولية، وبخاصة من كان منهم غير مولع، ولع فريدمان، بنظريات الأقواس الذهبية والعولمة. بإيجاز شديد، وقع سباق بين كتلتين فى أوروبا للحصول على أوكرانيا عضوا فى واحدة منها. حاول الاتحاد الأوروبى مستخدما الضغوط الدبلوماسية والإغراءات وأسلوب تحريك قوى المجتمع المدنى الأوكرانى لتنشب فى أوكرانيا مظاهرات تسقط حكومة منتخبة تميل إلى الانضمام إلى التكتل الآخر، التكتل الأوراسى الذى تقوده روسيا.

من ناحيتها استخدمت روسيا وسائل ضغط مقابلة، كان بينها التهديد بقطع أنابيب الغاز الذى يشغل مصانع أوكرانيا ويدفئ مساكنها. بينها أيضا إثارة النزعات القومية لدى سكان القطاع الشرقى من أوكرانيا، حيث تعيش أعداد كبيرة من أصول روسية أو عاشت حياتها معتمدة على السوق الروسية. وعندما كسبت بروكسل الجولة الأولى من السباق أقدمت روسيا على الاستيلاء على شبه جزيرة القرم وإثارة شعب شرق أوكرانيا وتسليح جماعات فيه للمطالبة بالانفصال عن أوكرانيا.

وفى استعادة لروح الحرب الباردة وأساليبها، أقدم الطرفان على اتخاذ إجراءات تصعيدية. فرض الغرب عقوبات اقتصادية على روسيا، محطما بكل بساطة قواعد حرية التجارة، وغير عابئ بأسس مسيرة العولمة، مركزا مقاطعته على النظام المصرفى والقطاع النفطى والصناعة العسكرية. وجاء الرد من روسيا فى شكل الدفع بدعم عسكرى لقوى الانفصال، وفى شكل لعله جسد بوضوح المغزى الأهم، وهو إغلاق فرع ماكدونالدز رمز حرية التجارة وعصر العولمة. بمعنى آخر، العودة بروسيا إلى عهد اعتقد شعبها أنه انتهى إلى غير رجعة، وهو عهد الحرب الباردة.

•••

رفض الخبير الجيواستراتيجى «إدوارد لوتواك» مقولات فريدمان، بل راح وقتها فى نقده بعيدا حين تنبأ بأن العولمة ستكون هى نفسها مصدرا أساسيا للتوترات الدولية على عكس ما بشر به فريدمان. قال إدوارد إن قوى العولمة ذاتها هى التى ستعمل على إشعال نيران حروب باردة وساخنة جديدة وأنها سوف تتسبب فى توترات بين الشعوب كما بين الحكومات وشعوبها. ولعله كان على حق إذ إنه منذ بدايات المرحلة التى أعقبت سقوط الشيوعية وفى وقت تخيلنا جميعا أن الوئام سيحل بين الغرب والشرق رأينا ما يلي:

أولا: هوليوود إحدى أهم قوى العولمة ورموزها ترفض القبول بواقع انتهاء الحرب الباردة، وتصر على مواصلة إنتاج أفلام سينمائية ومسلسلات تليفزيونية بمضمون شديد العداء لروسيا رغم تخليها عن الشيوعية. صحيح أن هوليوود لم تكن تعمل من فراغ، إذ كان هناك بين المحافظين الجدد، والمتخصصين فى دراسات الكرملين والشيوعية، من استمروا فى نشر العداء ضد روسيا حتى وهى تحت حكم أصدقاء لأمريكا مثل جورباتشوف ويلتسين، ولكنه صحيح أيضا أن هوليوود لفتت النظر بإصرارها العنيد على تعميق العداء. فمن أعمالها المثيرة للكراهية للروس Legends ,The Last Ship, The November man وفيلم انجلينا جولى باسم Salt، وقبلها فيلم طائرة الرئيس وقام بدور البطولة فيه هاريسون فورد، ومؤخرًا مسلسل «الأمريكيون»، بل ويذكر الكثيرون منا حملة انتخابات الرئاسة الأخيرة حين وقف ميت رومنى معلنا روسيا العدو الجيوبوليتيكى رقم 1 للولايات المتحدة.

ثانيا: حقق الاعتماد المتبادل عن طريق التجارة نتائج متناقضة فى الوقت الذى تعلقت نظريا بإيجابياته أقطار العالم بأسره، فتغافلت عن السلبيات. حقق شبكة قوية للتجارة العالمية وشبكات مصارف قوية، ولكنه ساعد على إقامة تكتلات اقتصادية هى فى الحقيقة «تكتلات إقصائية». فقد اهتم الاتحاد الأوروبى بمنع غير الأوروبيين من الحصول على عضوية الاتحاد وجعل من هذا المنع سلاحا مصوبا الى روسيا وغيرها. قامت أيضا مجموعة البريكس بغرض إقصاء «الغرب» عن مستقبل العالم النامى، وأقام الأمريكيون تكتلا عابرا للباسيفيكى يستبعد الصين وروسيا. بمعنى آخر لعبت العولمة دورا خطيرا فى إثارة التوتر فى العالم وتفتيت التجارة الدولية واستخدامها لتحقيق أغراض سياسية.

ثالثا: كانت العولمة تعنى، لدى الغرب خاصة، ولكن أيضا لدى شعوب متطلعة فى العالم النامى، قيام حكومات رشيدة تعتمد الديمقراطية وتخدم الحريات والحقوق باعتبارها «قيم عولمة» أو «قيم عالمية»، وقد حاول الغرب الربط بين حرية التجارة والحرية السياسية، كما فعل بالنسبة لماكدونالدز وغيره من رموز العولمة وبين القيم الديمقراطية. قالها فريدمان فى أكثر من مكان. قال إن دولتين تحظيان بوجود ماكدونالدز فيهما لا يمكن أن ينشب بينهما نزاع سياسى.

لم تصمد قيم الحكومة الرشيدة، بل لعله صار واضحا لنا جميعا، فى الشرق والغرب كما فى الشمال والجنوب، أن هذه القيم أصبحت تتصدر قوائم النزاع والخلافات بين عدد من الدول الناهضة من جهة والدول قائدة مسيرة العولمة من جهة أخرى.

رابعا: كان التصور غير القابل للجدل وقتها، أن شبكة الإنترنت ولدت وعاشت وستظل الجهة الراعية للعولمة بامتياز، وكذلك للاعتماد المتبادل بين الأمم. لذلك لا يجوز التهوين من فداحة الضرر الذى أصاب العولمة بالتمرد الذى قام به إدوارد سنودن، وما أعقب هذا التمرد من نزاعات ليست هينة بين ألمانيا وأمريكا، وبين البرازيل وأمريكا. ولكن الأهم والأخطر هو التوتر الناشب فعلا فى كل المجتمعات بين الحكومات وشعوبها حول عمليات التنصت والتجسس، وحول هدم قيم الخصوصية والكرامة الإنسانية.

•••

شتان ما بين الآمال التى عقدها البسطاء من المفكرين والسياسيين فى نهاية القرن الماضى على العولمة وثمارها، وبين خيبتها التى لا يخفيها الآن كل الأطراف المتضررة من العولمة. الشواهد عديدة على انحسار العولمة، ولا أقول سقوطها. نتطلع ناحية الصين فنراها تعمل منذ شهور بكل طاقتها على توسيع سوقها الداخلية ودعم قدرات المواطنين على الاستهلاك استعدادا لمواجهة قصور العولمة وتراجعها ونتطلع ناحية روسيا، فنجدها مصرة أكثر من أى وقت مضى على حماية اقتصادها وشعوبها من شرور «العولمة» التى أجبرت روسيا على الاندماج فيها فور تخلصها من استبداد الشيوعية. تحاول روسيا إقامة كيان «أوراسى» يحمى اقتصادها ويوسع دائرة نفوذها. نتطلع ناحية غرب أوروبا، لنرى ألمانيا عاقدة العزم على «ضبط» أوروبا الغربية، وعدم السماح لقوى العولمة المتطرفة بإثارة فوضى جديدة فى أسواق المال والتجارة. ومن غير المستبعد أن تفاجئنا ألمانيا فى القريب العاجل باقتراح إدخال تعديلات على اتفاقيات التجارة الدولية وحول انتقال رءوس الأموال والأفراد وهى الاتفاقات التى تشبعت، مع غيرها، بروح العولمة. ولن تكون منفردة فى هذا العزم فقد سبقتها المملكة المتحدة حين هدد رئيس حكومتها بالانسحاب من الاتحاد الأوروبى إن لم يتخل عن بعض أهم مبادئ العولمة.

نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن كتاب لهنرى كيسنجر يصدر يوم 9 سبتمبر القادم بعنوان «النظام العالمى» سطورا عن أزمة النظام الدولى الراهن جاء فيها قوله إن العولمة الاقتصادية فى جوهرها تتجاهل الحدود السياسية للدول، بينما السياسة الخارجية تعززها وتؤكدها حتى لو كانت تسعى إلى التوفيق بين الأهداف الوطنية المتناقضة أحيانا مع المثل العالمية. يلخص كيسنجر معضلة العولمة وأزمتها الراهنة بالقول بأنه بينما النظام العالمى يعتمد على عملية العولمة لتحقيق رخائه، فإنه مدرك تمام الإدراك لحقيقة أن هذه العملية نفسها تنتج رد فعل غالبا ما يعمل ضد طموحاته.

•••

قليلون هم الذين استمروا يبشرون بالعولمة ويمجدون إنجازاتها أما الكثيرون فكادوا يسقطونها من حساباتهم وبعضهم يحاول إصلاح ما أفسدت.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved