أنا وأشيائى

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الثلاثاء 4 أكتوبر 2016 - 11:15 م بتوقيت القاهرة

كثيرون وأنا منهم يتعلقون بأشيائهم. كثير من هذه الأشياء لم تعد له وظيفة وقد لا تقع عيوننا عليه لأيام وربما سنوات، ومع ذلك نرفض أن نتخلى عنها. احتفظت لمدة ثلاثين عاما بحذاء اشتريته فى لندن. اشتريت بعده أحذية أخرى انجليزية وأمريكية وايطالية ولبنانية ورفضت كل الضغوط والإغراءات العائلية الساعية لإقناعى بالتخلى عنه حتى بعد التوقف عن ارتدائه. كنت اعتذر بأنه صار جزءا من هواية أمارسها منذ الصغر بحب حقيقى، هواية التعلق بأشيائى. أجالسها، تسمعنى ولا تجيب، أنفعل فلا تنفعل ولا تتدخل.


***
وقفت فى تأثر واضح أراقب عملية بيع أثاث قديم وقطع زينة ولوحات. جرى العرف فى مونتريال حيث كنت أدرس أن يحدد مجلس الحى يوما فى السنة يخرج فيه الناس إلى الشارع مع الأشياء التى يريدون التخلص منها بالبيع. تأثرت لمساومات تجرى لبيع سرير بين سيدة تمتلكه ورجل يريد أن يشتريه. كنت أعتقد أن سريرى شيء خاص جدا لن أسمح لغريب أن ينام فيه كما نمت ويحتضن مخداته كما احتضنت. تذكرت يومها منظر الخواجة الجريجى فى شوارع الإسكندرية يدفع عربة وينادى على الناس بالإيطالية لبيع أو مبادلة الروبافيكيا، أى أشيائهم القديمة. رأيته ينزل من بيت يحمل جهاز راديو أنيقا، حين كان الراديو يستحق اعتباره قطعة أثاث ثمينة. انتهى اعجابى بالراديو إلى شرائه. عرفت أن صاحبه لم يكن ليتخلى عنه لولا أن الظروف السياسية صارت تحتم عليه الرحيل من مصر فى أقرب وقت وبأقل متاع ممكن. أدركت وقتها كيف أن الفراق بين الشخص وأشيائه تجربة مؤلمة.


***
طويل القامة مهيب الطلة أنيق وتقليدى الملبس. صفات تحلى بها صديق تزاملنا لسنوات وأثار لدى بسلوكه فضولا مهذبا. كنا نلتقى بعض الآحاد لنتناول الغداء فى أحد مطاعم قرطاج وسيدى بوسعيد والمرسى وكلها أحياء تطل على بحر تونس. حاولت إقناعه فى بداية خروجنا بأن أيام السبت قد تكون أفضل فكان يتهرب من الموافقة أو يعد بالتفكير بروية فى الأمر. لم أعرف سبب تردده إلا يوم سبت بعد عامين من تعارفنا. وقعت يومها ظروف استدعت مرورى عليه فى شقته. استقبلنى جالسا على الأرض وقد فرد أمامه عشرة أزواج من الأحذية يسحب منها بالرقة الممكنة زوجا بعد زوج ويمسك فردة بعد فردة يطليها بورنيش مستورد من فرنسا ثم يلمعها بقطعة من جلد الشاموا الفاخر قبل أن يعيد الزوج إلى مكانه فى الصف. لم يخف نظرة الإعجاب التى يحيط بها كل زوج على حدة وهو يحكى حكايتهما، حكاية صديقى مع هذا الزوج من الأحذية. لكل زوج أحذية حكاية وقد تكون حكايات مختلفة عديدة. للشراء وحده حكاية فما بالنا وأن زوج الحذاء هذا كان أيضا شاهدا على تفاصيل قصة حب طويلة وهذا الزوج الآخر على صدمة عاطفية قاصمة والزوج الثالث على حادث مفجع خلال عاصفة رعدية رهيبة. أدركت يومها أن الأشياء التى نملكها أو تعيش معنا ربما ساهمت فى صنع هويتنا، لعلها بالفعل صارت مع الوقت و«العشرة» أجزاء من تاريخنا وبالتالى جوانب فى هويتنا.


***
لدى كل منا حكاية مع كل شىء فى بيوتنا. هذا التمثال الصغير رافق مسيرتى من الهند إلى الصين. هناك انضمت إليه تماثيل وقطع زينة أخرى لكل منها ماض. تعقبت تاريخ واحد على الأقل. كان يزين قاعة استقبال فى قصر أمير من أمراء الحرب. عاصر حرب الأفيون ثم الحرب الأهلية وبعدها الحرب الوطنية العظمى ضد اليابان، وانتهى تمثالا بين تحف كثيرة فى محل يبيع الأثاث المستعمل فى الحى التجارى بمدينة بكين. هناك تعرفنا عليه بصعوبة فى غرفة تعيسة تحت الأرض تضيئها إضاءة خافتة لمبة كهربائية سعة الخمسين فولتا. لم اتردد لحظة ولم أساوم لينتهى فى بيتى فى مكان بارز. كثيرا ما جلست أمامه أحلم بأنه سوف ينطق ذات يوم، ليخبرنى أو يخبر غيرى عن أسرار مائتى وخمسين عاما مخزونة فى رأسه، منها ستون عاما عاشها رفيقا لى فى كل بيت سكنته، عاش معى فى بيوت غير قليلة فى روما وبيوت أكثر عددا فى أمريكا اللاتينية وكندا ومصر. استمع إلى نقاشات جادة وبعضها خطير ومناجاة ناعمة وبعضها ممتع شارك فيها أناس كثر نزلوا فى ضيافتى، أكثرهم تمنى لو نطق التمثال فى وجودهم وأسمعهم أحلى وأصدق وأروع ما احتفظ به وهو لا شك كثير.


****
كتب استاذ فى جامعة لندن يدعى دانييل ميللر يقول إن من يعاشر الأشياء ويحبها ولا يتخلى عن قديمها بالتنازل أو البيع شخص يعرف كيف ومن يصادق ولا شك فى أنه يحتفظ بشبكة واسعة من الأصدقاء. أعجبنى تحليلا أضافه. يعتقد أن حب الفرد منا لأشيائه دليل على حبه للاستقرار وحاجته له. هناك من يذهب بهذا التحليل إلى مجال آخر لم يخطر على بالى من قبل. كنت دائما أتساءل عن الهدف من سحب كل الأشياء فى حوزة الأفراد الذين يتقرر اعتقالهم أو تجنيدهم. يحدث هذا فى كل الدول وليس فقط عندنا فى أم الدنيا. الهدف كما فهمت هو الرغبة فى عزل هذا الفرد عن «نفسه»، فالأشياء هى التى تذكره بنفسه وتاريخه وحكاياته ومواقف اعتداده بنفسه ونقاط كبريائه. ناهيك عن أن حبنا لأشيائنا يثير فى قلوبنا حبنا لآخرين، أى للناس خارج السجن أو المعسكر. هذا الحب لا يخدم الانضباط. لذلك وجب عزل الأشياء المسئولة عن إثارة مشاعر الحب بعيدا عن المعتقلين والمجندين.


***
يقول راسيل بيلك الأستاذ بجامعة يورك أن الناس تحافظ على الأشياء لأن الأشياء سبيلها الوحيد لإثبات أن واقعة وقعت أو علاقة قامت. الفرد منا قد ينسى وتبقى الأشياء فى بيوتنا السبيل لتأمين ماضينا وحمايته من الضياع حين تضعف ذاكرتنا أو تخون. تخيل نفسك بدون أشيائك. كل أشيائك، ملابسك العتيقة، زهورك المفضلة، كرسيك الخاص والمصباح الكهربى المنصوب على المائدة الجانبية لفراشك ومرآتك وعطرك وموسيقاك وربطات عنقك وصابون حمامك ومخدتك وشبشبك، اعزل نفسك عنها جميعا وبعدها اسمحلى أسألك وأنت بعيد عنها... من أنت؟ من تكون؟. يحكون أن سيدة طلقت زوجها. خرج الزوج من البيت ولكن بقيت الأشياء. أشياؤه وأشياء مشتركة بينهما. لم تستطع النوم ولا العيش فى البيت إلا عندما تخلصت من كل الأشياء، فالأشياء هى النفس ممتدة. أشيائى هى نفسى ممتدة وأشياؤك هى نفسك ممتدة. أنت عندما تقف أمام مكتبتك وتنظر إلى كتاب، ألا يذكرك على الفور أنك اشتريته فى مكتبة كذا بشارع كذا وبمدينة كذا، وأنك بدأت تقرأه فى القطار أو الحافلة أو الطائرة فلفت انتباه مسافر أو مسافرة فقامت علاقة.. نعم أنها قدرة أشيائنا على التدخل فى حياتنا وربما غيرت بعض مساراتها، وفى النهاية عاشت معنا وبيننا تذكرنا بما قد نسينا أو أهملنا.


***


أشيائى لا تكف عن إغرائى للنظر إليها. أستجيب غالبا. نظرة واحدة ولو عابرة منى إلى شىء من أشيائى كافية لأتلقى بعدها سيلا من كلمات غير منطوقة، كلمات تنقل إلى نفسى المضطربة والتواقة كثيرا من الاطمئنان والراحة والاستقرار.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved