ساعتان قبل الإقلاع

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 5 يناير 2011 - 9:33 ص بتوقيت القاهرة

 يسألونك عن نموذج من نماذج العولمة، قل هى ما تراه وتمارسه فى أى مطار بالعالم: هى أن تنفذ إرشادات ينفذها أى زائر للمطار وأن تجد كل العاملين يرتدون أزياء متماثلة وإن اختلفت الألوان، وأن تقف أمام «كاونتر» ليزنوا حقائبك ويراجعوا بطاقة سفرك، وأن تصطف فى طابور حتى تصل إلى رجل أمن فى قفص زجاجى يختم على جواز سفرك، وأن تجلس فى قاعة تنتظر موعد الإقلاع، إن فعلت هذا فى مطار بلدك، فستفعله فى مطار بلد آخر وبلد ثالث ورابع.. هذه هى العولمة، هى أن يتشابه سلوك الناس فيؤدوا وظائف متماثلة ويخضعوا لقواعد أو قيم عالمية واحدة، يشذ بعضهم أحيانا أو دائما ولكن تبقى القواعد محصنة ضد التأثيرات المحلية أو التقليدية..

أغلب الطائرات من طينة واحدة وتزويق متشابه، والطيارون وضباط المراقبة فى أبراج المطارات كافة يتحدثون اللغة ذاتها ويستخدمون رموزا واحدة، والمضيفات يرتدين زيا موحدا. وإن تمعنت وتمهلت عند تناول الطعام ستجد أن الوجبات كافة لها نفس المذاق، وجبة العشاء نسخة من وجبة الغداء، ولا فارق كبيرا فى الطعم، وإن اختلف الشكل، بين وجبة عشاء على طائرة فرنسية ووجبة عشاء على طائرة مصرية.

●●●


تسوقنى إلى حديث الطيران تجربة رحلة قمت بها مؤخرا مررت خلالها بأربع مطارات. لم أقابل ما يستحق المقارنة، باستثناء مستوى النظافة وبخاصة نظافة دورات المياه والمسئولين عنها. وباستثناء آخر وهو مستوى الحرص على المال العام فقد رأيت موظفات فى مطار يتناوبن مرارا على التهام وتسريب السندويتشات والحلوى المخصصة لركاب الدرجة الأولى.

لاحظت أن المطارات التى نزلت فيها أو خرجت منها ازدادت تشابها مما ربما يشير إلى أن العولمة ما زالت حية. صارت المطارات مزيجا من أسواق تجارية وثكنات عسكرية، ففى كل مطار من هذه المطارات وبعد أن أنهيت إجراءات التسجيل والوزن وبعض إجراءات الأمن، وجدت نفسى محشورا بين عشرات الألوف من الناس أمشى فى طريق طويل تحفه من الجانبين محل تجارية و«مقاهى» ومطاعم و«ملاهى»، والناس من حولى يتدافعون تدافع الحجاج وأغلبهم يحملون مشترياتهم فى أكياس بلاستيكية تشابهت تفاصيلها واختلفت أحجامها. وبين الناس يندس ضباط أمن فى ملابسهم الرسمية، وبعضهم يحمل أسلحة تبدو فتاكة، ومن حولهم مخبرات ومخبرون فى ملابس مدنية، يظنون أنهم متخفون وهم فى الحقيقة مفضوحون لا تخطئهم عيون الفاحصين والمجربين.

●●●


أذكر أن شركات الطيران فى زمن راح كانت تلح على أن نكون بالمطار قبل ثلاثين دقيقة من موعد الإقلاع، لا أكثر، وكانت كافية. فالمطارات كانت صغيرة والإجراءات يسيرة والشكوك قليلة. وكان بالمطار كشك لبيع الصحف و«كاونتر» يصطف أمامه عدد من الموائد والمقاعد ويقف نادل يعرض المشروبات والسندوتشات. وكان هناك كشك لبيع منتجات الأشغال اليدوية والتقليدية ومكتب أو اثنان لشرطة الجوازات بدون كمبيوتر أو كشاف. أذكر أيضا أننى هبطت ذات مرة بمطار فى إمارة خليجية لم نجد به ماء نشربه أو مكانا يتسع لعشرين راكبا اضطرتهم ظروف مناخية للهبوط بعد الغروب فقضوا الليل يتبادلون الوقوف والجلوس. حدث هذا وأنا فى طريقى إلى الهند. عدت إلى هذا المطار بعد أعوام عديدة، أقصد عدت إلى مطار يحتل الموقع ذاته، وكان فى انتظارى صديق من المواطنين أبلغنى عن توسعات فى المطار تجرى ليستوعب سبعين مليونا من الركاب فى العام وهو الذى لم يستوعب عشرين مسافرا قبل ثلاثة عقود.

أنت فى المطار محشور بين ركاب من جميع الجنسيات فى طريق بطول أميال غير قليلة لا بد أن تسلكه لتصل إلى باب الرحيل. تتعب فتجلس لتتناول مشروبا أو طعاما أو تدخل لتشترى وتحمل أكياسا تمشى بها مثل غيرك من المشاة، وتسأل عن العبقرى الذى صاغ هذه الملحمة الفذة. بفضله تحولت المطارت إلى «مولات» إجبارية يتعين على الراكب أن يقضى فيها ساعتين على الأقل قبل إقلاع طائرته. تفتق ذهن هذا العبقرى عن فكرة الساعتين ذات صباح عندما اصطدمت طائرتان ببرجى التجارة الدولية، ومن يومها، تقرر التعامل مع جميع ركاب الطائرات باعتبارهم إرهابيين محتملين وفى حقائبهم يحملون صواريخ ومتفجرات، وعندما قرر راكب ارتداء ملابس داخلية محشوة بمواد قابلة للتفجير، وابتكر راكب آخر فكرة حشو حذائه بها، هبت شركات متخصصة فاخترعت كشافات إلكترونية يتعرى أمامها الراكب أو تتولى هى تعريته ليتفرج ضباط وضابطات أمن على تفاصيل جسمه وما يمكن أن يكون قد دسه فى ثناياه وفى أحشائه.

بفضل هذا العبقرى حصلت قاعدة انتظار الساعتين داخل المطار قبل إقلاع الطائرة على الشرعية اللازمة، واطمأنت الشركات التجارية الكبرى إلى أن مئات الألوف من الزبائن المحتملين هم الآن فى وضع المعتقلين داخل المطار وهم فى الوقت نفسه رهن مشيئتها لمدة ساعتين على الأقل. بمعنى آخر اطمأنت إلى وجود معين لا ينضب من زبائن إما مكتئبين وغاضبين بعد أن خدشت السلطات الأمنية كرامة أجسادهم وجرحت كبرياءهم، أو هم نساء ورجال وأطفال نال منهم الملل لطول الانتظار فى المطار، كلهم صيد ثمين فى سوق تجارية لا مهرب منها.

●●●


اطلعت على خطط لإقامة مطارات جديدة تجرى إقامة أربعة منها فى مدن أمريكية. أحدها جار العمل فيه فى مدينة سان فرانسيسكو. الهدف الذى يركز على تحقيقه المخططون هو تشجيع الركاب على قضاء وقت أطول فى المطار وتوفير الراحة لهم. يفكرون فى إقامة حمامات سباحة وصالات لممارسة الرياضة وغرف مريحة ليرتدى فيها الركاب ملابسهم التى خلعها عنهم رجال ونساء الأمن، وقاعات للاستماع للموسيقى وأماكن عبادة.

أتصور أن القائمين على هذه الخطط قاموا بدراسة أمرين على الأقل دراسة عميقة، الأمر الأول هو احتمالات الزيادة المستمرة فى عدد مستخدمى الطيران كوسيلة نقل فى المستقبل، والأمر الثانى هو احتمالات الزيادة المستمرة فى عدد أعمال إرهابية حقيقية أو مصطنعة. إن التوسعات المتوقعة فى معظم مطارات العالم والتفنن فى تطوير وسائل الراحة والرفاهة فيها لن تجد مبررا لها سوى الزيادة المطردة فى توقعات الإرهاب، فبدونه لا يوجد ما يبرر استمرار العمل بقاعدة الوصول إلى المطار قبل ساعتين من موعد اقلاع الطائرة، وبدون هاتين الساعتين لا ضرورة اقتصادية تدفع لإقامة نشاط تجارى فى المطارات.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved