اغتيال الشاهد الأخير: الصحافة اللبنانية من التدجين إلى التغييب

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الثلاثاء 5 أبريل 2016 - 10:25 م بتوقيت القاهرة

ضجت العواصم العربية بأخبار أزمة الوجود التى تعيشها الصحافة فى لبنان، والتى وإن اتخذت من « السفير» عنوانا لها، فإن سائر الصحف الخاصة أى غير الحكومية، تعانى مخاطر الاختناق فى ظل تراجع الدخل الإعلانى وانخفاض التوزيع لأسباب متعددة يختلط فيها «السياسى» مع «التجارى» مع المنافسة غير المتكافئة مع وسائل التواصل الاجتماعى «الخلوى ومشتقاته» التى باتت تحشر العالم كله فى جيوب مستخدميها.

ولقد ربط كثيرون بين رحيل صحفى القرن محمد حسنين هيكل وبين شحوب دور الصحافة العربية، ربما لمكانته الاستثنائية كأستاذ كبير لعب دور المجدد والمحدث فى المؤسسات الإعلامية كما فى أساليب الكتابة واستدراج كبار الأدباء والمثقفين إلى أفيائها.

فى أى حال، فثمة إجماع على أن الصحافة اللبنانية، وبدءا من الستينيات من القرن الماضى، قد تقدمت مهنيا وسياسيا، لتتصدر صحافة العرب، مع تميز عن الصحافة المصرية بأنها ليست مملوكة من الدولة أو عبر الاتحاد الاشتراكى أو من ورثه من المؤسسات الحكومية فى مصر.

فى حين تم تأميم الصحافة فى كل من مصر وسوريا والعراق وليبيا، لتتحول جميعا إلى جهاز إعلامى حكومى، ظلت الصحف فى لبنان مؤسسات خاصة، وإن تحول بعضها إلى شركات خاصة. أما فى السعودية وسائر أقطار الخليج فالصحف حكومية التوجه والالتزام، كائنا من كان المالك.

فى أى حال، فإن النذر توحى بأن الصحف فى لبنان على وشك مغادرة الساحة، لاسيما وقد انقلب الصراع السياسى بين الأنظمة العربية إلى حروب بالسلاح – وكان لتلك الأنظمة أو الأهم منها مساهمات فى «دعم» مؤسسات صحفية معينة لتواجه مؤسسات أخرى تساعدها.

أنظمة مخاصمة: فى البداية، الهاشميون فى العراق فى مواجهة السعودية، ثم الطرفان معا فى مواجهة النظام الناصرى، قبل أن تنضم إلى الحلبة بعض إمارات الخليج التى تدفق فيها النفط والغاز متأخرا فيها عن المملكة المذهبة.

وقد أنشأ الصراع بين الأنظمة العربية «وهو دائم، ولله الحمد..» عددا من الصحف فى بيروت، كما دعم وعزز قدرات صحف أخرى، خصوصا أن مساحة «الحرية» التى يتيحها النظام اللبنانى مكنت بيروت من أن تتحول إلى ساحة صراع سياسى إعلامى بين الأنظمة المتصارعة، فضلا عن كونها ساحة صراع مفتوح فى الداخل بين القوى السياسية المحلية على اختلاف توجهاتها وارتباطاتها. لاسيما أن لها صلات وارتباطات مع بعض الأنظمة العربية تغذيها بالاشتراكات «التشجيعية» والإعلانات وتساعدها على إصدار أعداد خاصة (إعلانية)، وكل هذا دعم سياسى فى الأصل.

أما وقد غادر الصراع بين الأنظمة العربية المجالس السياسية متحولا إلى الحروب المباشرة، أو رعاية هذا النظام أو ذاك لمؤسسات صحفية محددة لكى تخوض معه والى جانبه، وأحيانا بالنيابة عنه معاركه ضد الآخرين، فقد تناقص دعم «إعلام الخارج» فى حين وجهت مبالغ خرافية لدعم قوى معارضة لهذا النظام أو ذلك بالسلاح. أليس «السيف أصدق إنباء من الكلم»؟!

***
يمكن هنا الإشارة، ومن باب التذكير بالمنسى من الوقائع، أن العديد من الصحف اللبنانية قد «هاجر» أو «طلبت منه الهجرة»ــ أو ربما فرضت عليه أو زينت له فرص النجاح والتأثير والإفادة من هذا التغرب لاستكمال «معارك» كانت مفتوحة، أو سوف تفتح لاحقا بين هذا النظام وذاك، انطلاقا من تصادم المواقف حول القضية الفلسطينية ومشاريع الصلح مع العدو الإسرائيلى، أو فى خضم الصراع – هجوما ودفاعا – بين الأنظمة العربية ذاتها. على سبيل المثال: «الحرب» بين البعثين العراقى والسورى، الحرب التى شنها صدام حسين على إيران، الثورة الخمينية والتى استكملها بغزو الكويت. فضلا عن «الحروب» التى شنها معمر القذافى على هذا أو ذاك من الأنظمة العربية، لاسيما السعودية وبعض إمارات الخليج إلخ.

بديهى أن الدول الغنية «النفطية» هى التى كانت وراء هذه الهجرة المنظمة لبعض الصحف والمجلات التى كانت تصدر فى بيروت، وانتقلت بأسمائها ذاتها التى لها موقعها فى تاريخ الصحافة العربية عموما، وليس اللبنانية فحسب، إلى الغرب وقد انتقل أو نقل مع هذه الصحف العديد من الصحفيين المعروفين والكتاب ذوى الرصيد الفكرى والأدبى «بالموقع أو بالموقف». وشهدت باريس بداية ثم لندن «انبثاق» صحافة عربية تدعمها قدرات ممتازة على العكس من أوضاع الصحف المهاجرة بعيد الحرب العالمية الأولى إلى باريس. وعلى العكس من أهداف «الصحفيين الشوام» الذين هاجروا فى الثلث الأخير من القرن التاسع عشر إلى القاهرة ولعبوا دورا تأسيسيا مميزا فى تاريخ الصحافة المصرية «الأهرام، المقتطف، دار الهلال والعديد من المطبوعات الأخرى». وهم قد تمصروا وعاشوا أعمارهم بين الإسكندرية والقاهرة، قبل أن يسلموا الراية لأجيال من الصحفيين المصريين المميزين، ومن بينهم – على سبيل المثال لا الحصرــ الأستاذ الجليل الذى غادرنا أخيرا: محمد حسنين هيكل.

***
بالانتقال إلى الوضع الراهن، يمكن تسجيل بعض الملاحظات المهمة قبل الدخول فى التفاصيل:

أولا: لقد اندثر الصراع السياسى بالمبادئ والأفكار، والمصالح القومية والوطنية بين الأنظمة القائمة حاليا فى معظم أرجاء الوطن العربى. بل يمكن القول، من دون خشية من الانزلاق إلى الأحكام المطلقة، أن «السياسة» فى الوطن العربى قد اندثرت أو تكاد تندثر.

لقد اختفت الأحزاب وسائر أشكال التنظيم السياسى فى المشرق كما فى المغرب، ولحقت بها النقابات والاتحادات المهنية، بدءا بالعمال وانتهاء بالمنظمات الطلابية.

نعنى على وجه الخصوص سوريا والعراق، ومعهما أو قبلهما مصر والجزائر وتونس، وصولا إلى لبنان الذى كان «الشارع» فيه يعبر – مباشرة أو بالواسطةــ عن الحراك الشعبى العربى بتنظيماته وأحزابه السياسية، لاسيما منها حاملة الشعارات القومية: البعث وحركة القوميين العرب والأحزاب الشيوعية فضلا عن التنظيمات الفلسطينية.

وإذا كانت الانتفاضات الشعبية التى أسقطت عليها تسمية «الربيع العربى» قد ملأت الميادين بالهتاف للثورة كطريق إجبارى للتغيير وإخراج الشارع العربى من حال الموات التى فرضتها عليه الأنظمة القمعية واستطالت دهرا، فإن هذه الانتفاضات الرائعة كانت بلا «رأس» وبلا «حزب» أو «تنظيم» قائد، بل بلا قيادة من أى نوع، وإن هى جمعت ملايين الغاضبين والممتلئين بالعزم والإرادة على التغيير. وهكذا أمكن «للنظام العربى» أن يواجهها، وأن يخادعها ويتحايل عليها بأساليبه الماكرة وقواه الظاهرة والمخبوءة، وتكاتف مختلف الأنظمة الحاكمة «جمهورية وملكية وبين بين» على تشتيت الجموع الغاضبة، ومخادعتها بأنماط من التغيير التى تبدل فى الواجهة، وحتى فى الرأس، ولكنها تحاول «تجديد» النظام من داخله، بما يديمه وإن تغير الأشخاص على القمة، واستحدثت شعارات جديدة تخادع جماهير الثورة وتحاول تضليلها بالادعاء أن التغيير قد تم... وآن للجماهير أن تغادر الميادين.

وبين أسباب هذه «النكسة» أن الأنظمة النفطية، قد بادرت إلى هجوم دفاعى تمثل فى دعم الأنظمة الجديدة المستولدة قيصريا، كبديل عن التغيير الفعلى المطموح إليه. وهكذا أغدقت المساعدات والقروض بالمليارات، وهى دائما مشروطة، على الأنظمة المستولدة قيصريا لإفشال عملية التغيير المطموح إليه، فأنعشتها مؤقتا، وبما يمكنها من مخادعة الحراك الشعبى وإشغاله بوهج الذهب الذى سيتدفق عليه كنجدة من الإخوة الأثرياء. فى حين أن واقعه لم يتغير فعلا، بل إن هذه الهبات والمساعدات التى تبين أنها قروض واجبة السداد ولو بعد حين، تساعد النظام على البقاء وتمكنه من مخادعة الميادين حتى مغادرة آخر الثوار، أو «اختطافه» منها.

«أمر اليوم» الذى تحاول تنفيذه الأنظمة المذهبة: التغيير ممنوع! حتى لو أدى تنفيذ هذا الأمر إلى إغراق البلاد العربية التى انتفضت جماهيرها منذرة بالثورة فى مستنقع من الحروب الأهلية، غالبا بشعار طائفى أو بمطالب مذهبة أو حتى عرقية.

ولتنفيذ هذا الأمر بنجاح، لابد من تغييب بيروت، بميادينها وحيوية شعبها الذى عاش أنماطا من حرية الرأى والحركة قد لا تكون مثالية ولكنها «معدية»، والأهم: بأجهزة الإعلام فيها، مكتوبا ومرئيا.
وهكذا تغرق أقطار عربية بدماء أهلها، وتغرق عموم المنطقة العربية بالصمت، فتغيب الأصوات التى تعبر عن شوق الإنسان العربى إلى الحرية والتقدم والكفاية والعدل.

***
وقد لا تكون الصحافة اللبنانية مؤهلة للعب دور حادى الثورات ولكنها كانت – بفوضاها وتعدد منابرها – تعبر عن مطلب بل حق المعرفة بما يجرى فى حاضرنا وما يدبر لمستقبلنا.
لهذا تعيش الصحافة فى لبنان فى خضم معركة الدفاع عن الوجود، باعتبارها الشاهد العربى الأخير على ما يدبر لهذه الأمة المجيدة.


رئيس تحرير جريدة « السفير» اللبنانية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved