تراجع الاندماج الإقليمى: التجربتان العربية والأوروبية

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 5 أبريل 2017 - 9:15 م بتوقيت القاهرة

حلم عربى وحلم أوروبى مهددان بالإحباط. كلاهما يتعلق بالاندماج الإقليمى. جاءا محمولين على أجنحة آمال كبار فى أن تحقق التنمية الإقليمية ما لم تقوَ على تحقيقه التنمية القطرية، وأن يحقق الأمن الجماعى ما ثبت عجز العمل المنفرد عن الوفاء به على كلا المستويين الإقليمى والقطرى. نستطيع بكل بساطة إلقاء مسئولية الإحباط على عاتق الحكام، وربما بقدرة أوفر، على النخب الحاكمة التى التزمت ولم توف، أو التزمت بدون اعتناق كاف، أو التزمت شكلا تحت ضغط أو آخر ولم تصدق فعلا وأداء. نستطيع فى الوقت نفسه أن نكون أشد ميلا للموضوعية فنقرر أن تحولات جيواستراتيجية فى الإقليمين أجبرت النخب الحاكمة على تبنى سلوكيات بعينها وشجعتها على تسريع خطوات الاندماج فى مرحلة وإبطائها فى مراحل أخرى. تحولات أخرى دفعت دولا فى الإقليمين على التخلى عن الإيمان بفكر التكامل الإقليمى والكفر بكل أشكال العمل الإقليمى.

***
لا جدال مثلا فى أن سقوط الشيوعية يتصدر قائمة طويلة من التحولات الاستراتيجية التى أثرت تأثيرا مباشرا على مسيرة الوحدة الأوروبية. الشيوعية، كما نعرف، كانت نموذجا بارزا لخطر داهم يهدد دول غرب القارة الأوروبية وبالتالى كانت الدافع الرئيس لمساعى الاندماج الإقليمى. كذلك وبالمنطق ذاته كان سقوطها فرصة تاريخية للإسراع بضم دول عديدة كانت شيوعية وأفلتت بتكلفة عالية فاستحقت عضوية عاجلة واستثنائية فى الاتحاد الأوروبى. فجأة تمددت «الفكرة الأوروبية» من غرب القارة لتشمل معظم مساحة أوروبا. جاء التمدد بطبيعة الحال على حساب حجم وكفاءة الأرصدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى استندت إليها الفكرة. بمعنى آخر صار الواقع الجديد عبئا على الإمكانات المحدودة للفكرة وللدول، وتحديدا لكل من فرنسا وألمانيا الثنائى اللذين قادا مسيرة الوحدة فى مرحلة الإنشاء كما فى مرحلة التصدى لتنفيذ التمدد.

***
بترتيب مختلف وأداء أيضا مختلف وثقافة سياسية شديدة الاختلاف مرت مسيرة الاندماج العربى بمراحل صعود وانحدار بدرجات متفاوتة. نشأت جامعة الدول العربية بعضوية سبع دول كان التكامل هدف أكثرها وبخاصة بعد تأكيد التزامها التكامل بتوقيع الاتفاق على تحقيق التعاون الاقتصادى. لا شك أن الجامعة عملت بجهد واضح ومؤكد على التعجيل باستقلال شعوب عربية وتخليصها من الاحتلال الأجنبى لتنضم بدورها إلى قائمة الدول الأعضاء فى الجامعة. لم تحسب الدول المؤسسة حساب تكلفة هذا الانضمام الجديد. كان واضحا منذ البداية أن «ثلاثية عربية» سوف تقود مسيرة دعم الاستقلال والانضمام وكذلك توفير الحد الأدنى الممكن من المساعدة الاقتصادية والعسكرية الضرورية لدولة فقيرة ناشئة. كانت المساعدات محدودة سواء كأرقام مطلقة أو بشكل نسبى، وبالتالى نشأت الشكوك فى قدرة هذه المؤسسة التكاملية العربية على توفير الأمن الاقتصادى والعسكرى لأعضائها. هكذا درجت الجامعة على ضم أعضاء جدد قبل الاستعداد الكافى لإدماجهم أو على الأقل التحضير لعضويتهم ببرامج تكامل واستيعاب. لم تكن العضوية الجديدة دائما قوة مضافة للطاقة التكاملية بل على العكس وكالحال فى التجربة الأوروبية كانت فى معظم الأحوال عبئا على مسيرة الوحدة أو التكامل.
***
فى الحالة الأوروبية كانت الشيوعية حافزا قويا للعمل لتحقيق تكامل يمهد لوحدة، وكان انكسارها، وأقصد الشيوعية، العنصر الذى عجل بترهل الاتحاد الأوروبى وإطلاق العملة الموحدة قبل أوانها والتركيز الشديد، والأيديولوجى إن صح التعبير، على إزالة الحدود بين الدول الأعضاء وإغفال أمن ودعم الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبى ككل حتى وقعت الواقعة على يد هجرة موسعة من خارج القارة. فى الحالة العربية وجد الحافز المماثل فى شكل الصهيونية كفكرة وعقيدة غازية وعنيدة وعدوانية. كانت فى البداية مثل الشيوعية فى أوروبا حافزا على الوحدة، ولكن فى النهاية اختلفتا. الشيوعية سقطت منهزمة أما الصهيونية فانتصرت. صعود الصهيونية كان حافزا لتنشيط أيديولوجية إقليمية مناهضة للصهيونية، وانتصارها أو على الأقل توالى صعودها كان عاملا محبطا ومثبطا للهمم، قطرية كانت أم جماعية.
انتصار الصهيونية، ولو بشكل نسبى ولكن ملموس، وانتكاس العروبة كأيديولوجية وقائية وانفراط الثلاثية المصرية السعودية السورية كقاطرة قيادة أو توجيه فى النظام العربى وداخل مؤسساته، والغزو الأمريكى للعراق، وصعود الطائفية والوطنيات الضيقة أو الشعبوية، وتدهور قدسية الحدود الخارجية للإقليم العربى وترهلها وضعفها إما قوى الاختراق الخارجى وانهزام الحدود والمقاومة الداخلية فى مواجهة قوى الاختراق الإسلامى المتطرف، وانتكاسة خطط النمو وانخفاض أسعار النفط وتباطؤ التجارة العالمية وظاهرة ترامب الداعم لحكومات القمع والعنف، هذه العناصر وغيرها، مثل توسع فجوة الدخول، هى التى تسببت فى انهيار مسيرة التكامل العربى وهى نفسها العناصر التى ساهمت فى فتح أبواب الانفراط الإقليمى العربى.

***
هناك يسمونها بريكسيت، أو الخروج البريطانى من الإقليم الأوروبى. هنا نسميها سقوط سوريا. لا شيء، لا شيء على الإطلاق كان يمكن أن يكون سببا مباشرا ووحيدا فى سقوط النظام العربى لو حدث وسقط فعلا إلا السقوط السورى. خروج بريطانيا سوف يجعل البريطانيين يندمون على استفتاء صوتوا فيه بنعم على خيار الخروج من أوروبا. قلت إن هناك العديد من الأسباب ومنها انكسار الفكرة الأوروبية، ولكنى أصر على القول بأن خروج بريطانيا سيكون السبب الوحيد المباشر وراء سقوط بريطانيا ذاتها أولا ثم انحسار أوروبا الموحدة، حينها ستخرج من أوروبا دولة بعد أخرى.
أكرر أنه لو وقع انفراط النظام العربى ومؤسساته وتلاه انفراط عدد من الدول العربية، لكان السبب المباشر هو سقوط سوريا.
***
الفكرتان تنحسران، فكرة العروبة والفكرة الأوروباوية. كلتاهما نشأتا فى ظرف عالم يتعولم وينحسران فى ظرف عالم يرتد عن العولمة. أمامنا وأمام المفكرين الجدد فى أوروبا فرصة لإبداع فكر تكاملى جديد يستوعب التحولات الجيواستراتيجية الهائلة ويضبط حركة النهضة فى كلا الإقليمين العربى والأوروبى.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved