أن تكون مريضًا فى كندا

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين

آخر تحديث: الأحد 5 يونيو 2016 - 10:35 م بتوقيت القاهرة

قبل ثلاث سنوات سافر مواطن مصرى إلى كندا، لحضور ورشة عمل تخص مجال عمله. بعد ان وصل هناك بأيام قليلة، شعر بالتعب والإرهاق، فتم نقله بسرعة إلى المستشفى. عقب الفحص السريع، تأكد ان المرض اللعين ــ الذى شفى منه ــ قد عاد ثانية. من حسن حظ هذا الرجل ان اجراءات سفره إلى كندا كانت تتضمن عمل تأمين صحى لتغطية وجوده القصير هناك بمبلغ لن يتجاوز ٣٠٠ جنيه مصرى.


هذه الورقة او الشهادة التى يستهين بها كثيرون كانت طوق النجاة له، لأنها كانت تضمن له الحصول على كل الخدمات الطبية المتاحة لأى مواطن كندى.


الرجل بدأ يتردد على مستشفى حكومى هناك. وكانت المفاجأة الأولى ان الممرضة طلبت منه العودة مرة ثانية بعد اسبوع، وانها سوف تتصل به قبل الموعد بيوم.


لم يصدق انها ستتصل، لأن خبرته مع المستشفيات الحكومية المصرية لا تحتاج إلى شرح. صارح زوجته بمخاوفه بشأن عدم اتصال الممرضة، لكن الأخيرة اتصلت به فى الموعد المحدد تماما. بعد ان اجرى الفحص الثانى قالت له الممرضة، انه ينبغى ان يعود مرة اخرى، وعليه ان يختار الساعة التى تناسبه. لم يصدق نفسه مرة اخرى، ثم اجابها بأنه سيأتى فى الثانية عشرة ظهرا.


طوال فترة وجود هذا الرجل المصرى فى كندا كزائر ظل يتمتع بكل الخدمات الطبية والعلاجية التى يتمتع بها رئيس الوزراء الكندى او حتى اغنى الأغنياء هناك، والسبب هو نظام التأمين الصحى فى هذا البلد الذى تطبقه كل الدول التى صارت متقدمة.


تعبير تأمين صحى، مثل تعبير المستشفيات الحكومية، لا تحمل نفس الدلالة الموجودة فى مصر.


فى الأسبوع الماضى قابلت عشرات المصريين فى كندا، واستمعت منهم إلى قصص كثيرة عن التعليم والصحة، وذلك خلال زيارة قمت بها الأسبوع الماضى برفقة الكلية الكندية فى مصر «سى أى سى» التى يترأسها الدكتور مجدى القاضى إلى عدة مدن منها تورنتو ثم اوتاوا ثم سيدنى.


من بين الذين قابلتهم كان هذا المواطن المصرى الذى تربطنى به صداقة ممتدة. حكى لى هذا الصديق حكايات متنوعة، تعيد الاعتبار لمعنى التأمين الصحى، بعد ان تعرض هذا التعبير للانتهاك بل وربما للاغتصاب فى بلدان العالم الثالث!.


فى كندا وطالما انت مواطن من سكان البلد الأصليين او لديك جنسية او اقامة او طالب اجنبى تدرس او مجرد زائر، فلك كل الحقوق فى العلاج الكامل المجانى وعليكم ان تضعوا تحت كلمة مجانى تريليون خط، لأنها مجانية حقيقية، وليس شعارا فارغا بلا مضمون.


لا يمكن لأى عاقل ان يغفل المقارنة عندما يسمع كلمة التأمين الصحى التى تعنى فى تفسيرها المصرى البرشام السلفا او النوفالجين القديم او الأسبرين وسائر انواع المسكنات وقليل من العلاج الجاد.


التأمين الصحى فى مصر مظلوم تماما لأنه لكى يكون فعالا لابد ان تكون له ميزانية حقيقية والأهم نظام او سيستم محكم بحيث يطبق على الجميع من اول الغفير إلى الوزير والرئيس.


نعود إلى قصة صديقى المصرى فى كندا الذى احتاج فى احدى مراحل علاجه إلى نوع لم يكن متوافرا، فقالوا له انهم تواصلوا مع مراكز طبية متخصصة حول العالم بشأن حالته، وسوف يرسلونه إلى الولايات المتحدة. عندما قابلت هذا الصديق قبل ايام قال لى انه يؤمن بأن العمر واحد، ولكن لم يكن يتخيل ماذا سيحدث لو لم يجئ إلى كندا بسبب مرضه، وأتيح له مؤخرا ان يكون مندوبا وممثلا لجهة مصرية خاصة، تتيح له البقاء الشرعى.


هو يشعر انه تحسن كثيرا، ويقول ضاحكا ان شعره الذى كان يتساقط بشده قد عاد للنمو مرة اخرى. هذا الصديق لخص الأمر فى كلمة واحدة بأن كندا تتعامل مع أى شخص على ارضها باعتباره انسانا يستحق كل الرعاية خصوصا الصحة والتعليم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved