حق العمل قبل حق السكن

سامح عبدالله العلايلى
سامح عبدالله العلايلى

آخر تحديث: الإثنين 5 يونيو 2017 - 9:40 م بتوقيت القاهرة

تتداول وسائل الإعلام الرسمية، بقدر هائل من الترويج والإبهار، معلومات عن مشروعات الإسكان المختلفة الجارى تنفيذها كذلك مشروعات ما يسمى تطوير العشوائيات، إلا أن التدقيق فيما يتم الترويج له يطرح تساؤلات عديدة عن جوانب مهمة مُغيبة تخص الجدوى الاجتماعية والاقتصادية لهذه المشروعات التى تستهلك بنهم شديد استثمارات طائلة لا يُعرف حدودها. هنا يتبادر إلى الذهن التساؤل المهم التالى: هل هذا الإنفاق الكثيف على هذه المشروعات يجىء فى المرتبة الصحيحة على سلم أولويات استحقاقات التنمية فى ظل ظروف مصر الحالية؟
لاشك فى أن الإجابة غائبة لعدم الإفصاح الرسمى عن وجود دراسات جدوى لهذه المشروعات والتى قد لا تكون موجودة أصلا، وإن وجدت فهناك توجس من طرحها على أوساط محايدة من الخبرات تحسبا من المساءلة أو لأن السلطة ليس لديها رغبة فى الاستماع إلى رأى مخالف.
إن حق الإنسان فى السكن وفى مستوى معيشة يُحقق له الرفاهية والصحة، فهو أحد الأركان الرئيسية للإعلان العالمى لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة فى عام 1948. معنى ذلك أن حق السكن هو مُرتبط أيضا بحقوق أخرى تُوفر له التوازن فى متطلبات حياته وفى الحد الأدنى من مستوى معيشة تليق بالإنسان والتى لا يجب التنازل عنها.. مثل الحق فى الاستقرار الآمن الاقتصادى والاجتماعى الذى لن يتوفر إلا فى حالة توفر مصادر رزق كافية وآمنة مستقرة ومتواصلة فى الزمن لملايين البشر طالبى العمل والسكن. وفى حالة مصر فإن الطلب المتنامى على السكن لهذه الملايين المتزايدة من البشر لم يقابله توفير الحد الأدنى المستحق لمتطلباتها فى الحصول على مصادر الرزق الآمنة المستقرة وذلك لسببين: أولهما شحة الاستثمار فى مشروعات الإنتاج بمستوياتها بدءا من الحرف اليدوية مرورا بوحدات الإنتاج متناهية الصغر والصغيرة وبما لا يتناسب مع حجم الطلب على العمل، حيث يتجه حجم كبير من الاستثمارات الرسمية إلى إقامة مشروعات الإسكان وهو استثمار فى الاستهلاك وليس فى الإنتاج، أما السبب الثانى فهو عدم توفر الكفاءة المهنية اللازمة لمتطلبات العمل لقطاع عريض من طالبى العمل بمستوياتهم المختلفة؛ لذلك فهم فى أشد الحاجة إلى إدماجهم فى برامج إعادة تأهيل للتوافق مع متطلبات العمل القائمة أو المستحدثة، وهو أمر يتطلب تخصيص استثمارات كبيرة لتنفيذ تلك البرامج فى جميع قطاعات الإنتاج لهذا الكم الهائل من البشر، وهو أمر لم يتحقق حتى الآن.
***
إن الاستقرار الصحيح لجماعة من البشر فى أى موقع كان، لا يمكن أن يتحقق فى غياب قاعدة اقتصادية منتجة متوافقة مع خصائص ومتطلبات المجتمع والبيئة، فى أحد أو مجموعة من قطاعات الإنتاج المختلفة، وفى غيبة القاعدة الاقتصادية ذات الجدوى التى توفر عوائد الرزق الكافية لطالبى السكن، فمن البديهى أن النسبة الغالبة منهم لن تتمكن من حيازة السكن المستهدف.
لعله من المفيد هنا استرجاع تجربة ماليزيا فى التنمية البشرية والاقتصادية التى عرضها مهاتير محمد باعث نهضة ماليزيا فى محاضرة ألقاها منذ ما يزيد على عشرة سنوات فى مكتبة الإسكندرية حول تجربته لانتشال بلاده من القاع والصعود بها إلى القمة، لقد وجد عند تسلمه الحكم نحو 1980 أن ثروات بلاده تتسلل إلى جيوب المستثمرين الأجانب وأن شعبها مُستسلم كسول جاهل فاسد، ولأنه طبيب فقد تعامل مع حالة بلاده المرضية بحكمة مطبقا نظرية حقوق الإنسان المتكاملة، وأهمها تأهيل البشر أخلاقيا ومهنيا لأنهم أساس إعادة بناء الدولة؛ فأقام معسكرات تهذيب وإصلاح لاستيعاب أعداد كبيرة من أبناء بلده بهدف إحياء النعرة الوطنية لديهم وبناء إنسان ماليزى عصرى. وكانت هذه الخطوة هى بداية طريق الإصلاح التى أثمرت بعد سنوات قليلة أُمة تنتج طعامها وتعتمد على مقدراتها. سنوات قليلة أخرى مرت استقرت فيها دعائم الدولة الاجتماعية الاقتصادية القوية التى مهدت إلى تحول ماليزيا إلى أحد نمور آسيا القوية ونموذج متميز لإحياء أمة من لا شىء. هنا يجدر الإشارة إلى أن طبيب ماليزيا لم يبدأ خطته الأصلية ببناء مشروعات كبرى أو مساكن، لأن الأولوية كانت موجهة فى عملية إعادة بناء دولة تردت أحوالها، إلى الأساس وهو بناء الإنسان.
وللمقارنة فقد بدأ مهاتير محمد تجربته تقريبا فى ذات توقيت استلام مبارك حكم مصر، لكن شتان فيما بين نتائج التجربتين فقد ترك الأول بلاده فى القمة بينما الآخر تركها شبه دولة.
***
أما عن عشوائيات العمران فهى مرض سرطانى تفشى بوحشية فى غفلة من الجميع، بسبب غياب العدالة فى توزيع استحقاقات التنمية بشمولها على الغالبية العظمى من سكان البلاد على مدى عقود، مما أدى إلى تدفق سيول الهجرة الجماعية العشوائية لعشرات الملايين من الجماهير الغفيرة، من مواطن الحياة الذليلة والإهمال، إلى حيث ربما تتوفر فرص أفضل للحياة فى أحواز الحضر وعلى رأسها قاهرة المعز وإسكندرية المقدونى. واحتلت هذه الجماهير آلاف المواقع فى جميع أنحاء البلاد، مما أدى فى النهاية إلى حدوث خلل هائل فى التوازن البيئى والاجتماعى والثقافى للمجتمع بأسره.
لقد تفاقم الأمر فى الحقبة الأخيرة بدرجة تفوق قدرات أُولى الأمر لهول حجم المشكلة ولافتقارهم إلى رؤية بعيدة المدى تعالج القضية فى عمقها، عوضا عن اللجوء إلى المسكنات المؤقتة لبعض مظاهر العَرض هنا أو هناك تتناول الشكل دون المضمون، وهو أمر يؤدى إلى تجزر المرض، هذه المسكنات لا تخرج عن كونها كالحرث فى المياه لا تجُدى ولا تنفع.
إن استمرار التناول الرسمى للقضية على نفس النهج تحت شعار التطوير (هل يجوز تطوير المرض؟..) فإننا لن نجنى سوى مزيد من العشوائية ومزيد من تدهور مستوى الحياة للجميع. وإذا لم نتطرق إلى مسببات المرض لمعالجته فى العمق، فإنه لا أمل فى أن نضمن للمجتمع المصرى استقرارا مزدهرا وحياة آمنة. إن الخطيئة الكبرى هنا هى فى إهدار الجهد والمال دون طائل ملموس أو جدوى حقيقية، إضافة إلى العبث بأحلام البسطاء، وحتى تتحول الخطيئة إلى فضيلة فإنه لا مفر من العمل على التوجيه التدريجى للطاقة البشرية الهائلة من سكان العشوائيات إلى مستقرات جديدة فى الفضاء المصرى الفسيح خارج الوادى والدلتا؛ ذلك بالتفريغ الطوعى للعشوائيات من بواطنها الشابة من خلال سياسات ومخططات تنموية أفقية تعمل على أساس ابتكار محفزات هجرة عكسية جاذبة لهذه الثروة البشرية التى تطمح فى تحسين مستوى حياتها التى يتحتم إعادة تأهيلها أدبيا ومهنيا قبل انتقالهم إلى عالم جديد قوامه أنوية عمرانية إنتاجية تقام وتنمو عنقوديا بمرور الزمن من خلال منظومة متوازنة للحياة. وبقدر ما سنبذله فى هذا الشأن من فكر وجهد، بقدر ما سيتحقق حلم اختفاء العشوائيات التدريجى من حياتنا على مدى زمنى ليس ببعيد.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2017 ShoroukNews. All rights reserved