بترايوس وبن جاسم يكشفان السر

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين

آخر تحديث: الأربعاء 5 يوليو 2017 - 9:15 م بتوقيت القاهرة

صباح الثلاثاء الماضى قال رئيس المخابرات المركزية الأمريكية السابق ديفيد بترايوس لصحيفة الأحد الفرنسية ونصه كما نقلتها فضائية الجزيرة القطرية: «على الشركاء فى الخليج أن يعرفوا أن استضافة الحكومة القطرية وفتحها مكاتب لحركتى طالبان وحماس بالدوحة كان بعلم وطلب وإشراف الإدارة الأمريكية».
للموضوعية وللأمانة فإن ما قاله بترايوس لم يكن مفاجئا تماما، لأن الشيخ حمد بن جاسم رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطرى السابق، كان قد كشف عن هذا السر خلال مقابلات مع كبريات الصحف والمحطات الفضائية الغربية فى الأسبوع الماضى. بن جاسم كان الرجل الأهم فى قطر طوال أكثر من عقدين من الزمان، لدرجة أن البعض كان يعتقد أنه المهندس الفعلى للسياسة القطرية منذ انقلاب الشيخ حمد على والده الشيخ خليفة عام ١٩٩٥.
وحتى قبل أن يتكلم بترايوس وبن جاسم فإن كثيرين كانوا يقولون إن قطر كانت مجرد أداة فى يد الولايات المتحدة تحركها كما تشاء.
حسنى مبارك كان يقول هذا الكلام كثيرا، وللأمانة فإن كثيرا منا لم يكن يصدق ذلك، لكن يبدو أن جزءا كبيرا منه تبين أنه صحيح. هل يعنى ذلك أن بقية الحكومات والأنظمة العربية فى العقود السابقة كانت متمردة على السياسة الأمريكية أو مقاومة لها؟!.
بالطبع لم يكن الأمر كذلك، بل إن غالبية هذه الأنظمة كانت تدور فى فلك هذه التبعية بصورة أو بأخرى، بل إن الأنظمة التى كانت تجاهر وتتباهى بأنها صامدة ورافضة وممانعة ضد واشنطن كانت تتمنى عمليا أن تنال الرضا الأمريكى ولو بمصافحة يد أو قبلة عابرة أو مجرد حضن!!.
غالبية الأنظمة العربية وخصوصا الخليجية كانت غارقة فى الأحضان الأمريكية، وبالتالى فلا يحق لأحدهم أن يعاير قطر بأنها تابعة لأمريكا، لأن ذلك بالقياس المضاد يعنى أنه مقاوم لأمريكا وهو الأمر غير الصحيح.
لكن يحق لنا نحن الشعوب العربية أن نسأل الحكومة القطرية وكل ما يدافع عنها خصوصا جماعة الإخوان وأنصارها: أين هى المبادئ التى تتشدقون بها، وكنا نعتقد أنكم فتحتم مقرا لحركة حماس وجماعة طالبان الأفغانية فى الدوحة لأنكم منحازون للمقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل، ثم تبين أن الأمر كله كان بطلب أمريكى صريح فأين هى المبادئ فى ذلك؟!.
حمد بن جاسم قال شارحا الأمر: إن الأمريكيين طلبوا منا استضافة حماس وطالبان حتى يتحدثوا إليهم متى أرادوا ذلك. بهذا المعنى كانت قطر مجرد مكان أو استراحة للقاءات غرامية ممنوعة أو زواج متعة غير معلن!.
بالمناسبة لا أعارض أن تتفاوض حماس أو طالبان مع أمريكا، فكل الخصوم يتفاوضون فى النهاية. لكن ما أعارضه أن يتشدق البعض بالمبادئ علنا، فى حين أنه كان مجرد مأمور ينفذ تعليمات الفتوة العالمى الأكبر!.
علينا أن نتذكر مغزى التوقيت الذى تم فيه الكشف عن هذا الدور أو الوظيفة القطرية. لم يحدث ذلك، إلا حينما فاض الكيل ببعض الحكومات العربية وقررت أن توقف هذه المهزلة أو تحاول تغيير قواعد اللعبة وعندما ضغطت على قطر وقطعت العلاقات معها، وأغلقت الحدود والأجواء، هرولت قطر إلى «المعلم الأكبر» لتقول له: لم نفعل ذلك من تلقاء أنفسنا بل كنا ننفذ تعليماتكم وبالتالى، فعليكم أن تقوموا بحمايتنا.
مرة أخرى نسأل: هل قطر هى الوحيدة التى ارتمت فى الأحضان الأمريكية، الإجابة هى لا، والغالبية ما تزال غارقة فى «الوحل الأمريكى الإسرائيلى»، لكنها قررت أن تتمرد قليلا على اللعبة الأمريكية التى تستخدم قطر فزاعة لابتزازها، والبعض ينتقد قطر احيانا ليس حبا فى المقاومة بل ربما محاولة لسرقة دورها!!!.
كلام بترايوس ومن قبله بن جاسم ينزع عن الحكومة القطرية أى ادعاءات أخلاقية بأنها كانت تدافع عن مبادئ، أو حتى أنها كانت منحازة للمظلومين والمضطهدين ضد المستبدين كما تدعى، بل كانت تؤدى دورا وظيفيا لأمريكا التى هى حامية إسرائيل.. وهنا يحث لنا أن نسأل: هل كانت حماس وجماعة الإخوان يدركون ذلك، وما الذى جرى طوال كل هذه السنوات فى الغرف المغلقة بالدوحة؟!. هذا سؤال يستحق التفكير!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved