سقوط المبرر الأخلاقى للضربة الأمريكية

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الخميس 5 سبتمبر 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

مرة أخرى تدفع الشعوب العربية ثمن عناد سخيف بين قوة داخلية تدعى الحق فى أن تستبد بشعبها وقوة خارجية تدعى الحق فى أن تلقن هذه القوة المستبدة درسا.

مرة أخرى تقرر الشعوب الثورة ضد الحاكم المستبد وتقرر القوى الخارجية التدخل للتحكم فى مسيرة الثورة وما بعدها.

 عشنا أياما تحت فيض من التحليلات والتوقعات المتعلقة بالقرار الذى اتخذه السيد أوباما بشن ضربة ضد سوريا تلقن حكامها درسا وتستقر نموذجا أخلاقيا ضد كل من تسول له نفسه استخدام أسلحة كيماوية ضد شعبه. هناك بين المحللين من حاول البناء فوق ما فات، بمعنى بناء التحليل فوق سابقة الاستعدادات لغزو العراق فى عام 2003 وردود فعل الحكومة العراقية، وفوق تمهيدات التدخل فى ليبيا فى 2011. إن بناء التحليل السياسى لقضية العدوان على سوريا فوق ما فات فى العراق وليبيا يفيد اذا افترضنا أن طبيعة الانظمة الدكتاتورية التى كانت تحكم فى العراق وليبيا وتحكم سوريا الآن واحدة وردود فعلها متشابهة، وإذا تجاهلنا عمق التغير الذى حدث ويحدث فى البيئتين الدولية والإقليمية. نحن مثلا لا يمكننا أن نتجاهل الدور الكبير الذى تلعبه الآن قوى دولية مثل ايران وروسيا وحركات وتنظيمات مثل حزب الله والقاعدة.

●●●

الاختلافات لا شك كبيرة بين ما فات وما هو حاصل فى العالم والمنطقة بل وفى سوريا نفسها. نذكر مثلا كيف أن الجيوش الغربية كانت، فى معظم حالات التدخل، متحمسة لتنفيذ قرارات الحرب. ورأينا فى الأيام القليلة الماضية كيف أبدى قادة عظام فى كل من بريطانيا والولايات المتحدة ملاحظات وتحفظات. نذكر أيضا كيف وقف الرأى العام فى كلتا الدولتين الغربيتين ساكنا وساكتا رغم وضوح التزييف والكذب الذى مارستهما حكومتا الرئيس بوش ورئيس الوزراء طونى بلير فى محاولة تبرير التدخل العسكرى فى العراق. حتى اجهزة الإعلام لم تقصر فقد ساهمت فى حشد الدعم اللازم لحرب لم يتوفر لشنها شرط قانونى واحد. رأينا العكس يحدث خلال الايام القليلة الماضية. رأينا وقرأنا تقارير يشير اغلبها إلى أن امريكا منقسمة أو على الاقل مترددة فى شأن توجيه ضربة عسكرية ضد سوريا وإلى أن هناك ما يقارب الإجماع على أن التدخل إن وقع فسيكون خروجا على نمط لسياسة خارجية حاول الرئيس أوباما تبنيه باعتباره تحولا جوهريا فى العقيدة الأمنية الأمريكية. يقضى هذا النمط بالانسحاب المتدرج من ممارسة دور شرطى العالم وتخفيض الانفاق العسكرى وتركيز الجهود والموارد على اعادة بناء امريكا لتعود الدولة الاعظم فى مجال العلم والتكنولوجيا بلا منافس.

لذلك كان الاصرار الرسمى فى واشنطن على أن يكون التدخل لغرض تكتيكى لا تتبعه اجراءات انزال قوات برية أو محاولات لفرض النظام والأمن على كافة بقاع سوريا أو الاشتراك فى وضع ترتيبات دستورية وقانونية كتلك التى أدخلت فى العراق.

لقد احتاج الحشد الدولى والإقليمى إلى مدة عامين ونصف للوصول إلى هذا الوضع حيث الجميع فى انتظار واشنطن لتطلق اشارة البدء فى الحرب ضد الاسد. عامان ونصف أنفقت خلالها اموال هائلة وبددت طاقات كبيرة  وزهقت أرواح عشرات الآلاف. ومع ذلك بدأنا نسمع من يقول أن دولا عربية معينة لن تكون راضية إذا اقتصر التدخل على ضربة تكتيكية تطيح بعائلة الأسد أو تضعفها وتترك مستشارى إيران وقوات الحرس الثورى وحزب الله مسيطرين على مفاتيح السلطة والقوة فى سوريا. ويعتقد أصحاب هذا الرأى أن واشنطن ومعها باريس وربما لندن إذا انضمت لاحقا تخطئ جميعها اذا استسلمت للنصيحة القائلة بأن عملية جراحية ولكن تكتيكية تقوم بها صواريخ امريكية وقوات خاصة فرنسية وبريطانية وتركية وعربية ستكون كافية لإنهاء الازمة حول سوريا. وبسذاجة شديدة يعتقد بعض السياسيين فى الغرب وفى دول عربية أن الرئيس أوباما يستطيع بعد هذه الضربة التكتيكية استئناف خطة التحول فى السياسة الخارجية الامريكية نحو آسيا وأن فصائل الارهاب والتشدد سوف تتنازل عن فرصة أتاحتها لها الجيوش الغربية والعربية لتثير فوضى عارمة فى الإقليم بأسره. هذه الفصائل جاءت إلى سوريا من اجل فرصة مماثلة حرمها منها صمود وعنف النظام السورى. يذكرنى سعد محيو من خلال مدونته اليومية الرائعة بالمثل الشعبى السورى وأذكر به غزاة سوريا الجدد عربا كانوا أم عجما وأتراكا وأطلسيين. «دخول الحمام السورى ليس كالخروج منه».

نعرف أن اجتماعا عقد فى عمان بالأردن ضم قادة عسكريين من جنسيات متعددة لدراسة سبل التعاون ومساعدة الامريكيين خلال الضربة التكتيكية وكذلك لدراسة اساليب عمل وبرامج الفصائل المتطرفة الموجودة فى سوريا، ووضع خطط مواجهتها إن إحتاج الأمر، بالإضافة إلى تقييم المعلومات عن احتمالات التدخل من جانب مجموعات مسلحة من الحرس الثورى الإيرانى وحزب الله.

●●●

كنت دائما أحد الذين نبهوا إلى أن الازمة الإقليمية اذا وصلت إلى سوريا فستكون مختلفة عن سابقاتها فى دول أخرى فى المنطقة. قد تختلف فى سرعتها وقسوتها ولكنها بالتأكيد سوف تعجل بانتشار الأزمة فى دول لم تصل إليها بعد. سوريا تختلف لأنها الدولة العربية الوحيدة التى أبدع قادتها السياسيون منذ مطلع الاستقلال فى الاستفادة من نقاط ضعفها كنقاط قوة. يشهد الواقع الراهن بأن نقاط ضعف سوريا أكثر عددا من نقاط الضعف فى معظم الدول العربية. لا ينكر المتابعون لتطور سوريا عبر التاريخ، وبخاصة الحديث، أن تعددية سوريا المذهبية والدينية كانت، ولا تزال، أحد اهم ارصدة قوتها. فبرغم كل المآسى الداخلية والخارجية التى حطت بسوريا فى السنوات الأخرى ظل السوريون متماسكين ربما خوفا من الانفراط وتوابعه وليس خوفا من سلطة حاكمة أو خوفا عليها. يصعب علينا ان نتجاهل حقيقة أنه إذا كان هناك ما هو أخطر على خصوم النظام السورى من السلاح الكيميائى فهو السلاح المذهبى عابر الحدود، وهو كما يعرف الجميع متوافر بغزارة، وهو مشهر فعلا، فى سوريا.

انظر ايضا إلى هذه الحدود المترامية مع الاردن والعراق وتركيا ولبنان وتذكر كيف انها كانت على امتداد الازمة السورية حدودا فى اتجاهين، تخدم كممرات سلاح ومقاتلين وزكائب مال وفى الوقت نفسه كمصادر لردود فعل ارهابية أو انتقامية ومسالك لهجرة المدنيين. المؤكد من المقارنة أن النظام الحاكم فى العراق أو ليبيا أو اليمن لم يفلح فى استخدام الحدود المتعددة والمترامية لخدمة اهدافه فى الصمود بالشكل الذى افلح به النظام السورى.

من ناحية أخرى لا يزال الموقف الروسى والصينى لغزا يحار فى فهمه الكثير من المعلقين. ولكن المحير حقا هو كفاءة السوريين فى ادارة علاقات بلادهم مع كلتا الدولتين على النحو الذى حقق هذا الدعم وحافظ عليه. صحيح أن لكلتا الدولتين الكبيرتين مصالحهما ورؤاهما على صعيد العلاقات الدولية الاعلى وبخاصة فى مجال سعى الطرفين معا لإجبار الولايات المتحدة على الامتناع عن التدخل فى شئونهما الداخلية وفى الوقت نفسه اختراق الحصار الذى فرضته واشنطن على القمة الدولية لتمنع أو تؤخر وصول دولة اخرى اليها. صحيح ايضا أن سوريا نجحت فى وضع ازمتها داخل هذه السلة من الخلافات بين الدول الكبرى وهو ما لم يتمكن العراق فى عهد صدام أو مصر منذ بداية الثورة القيام به رغم عمق خبرتها التاريخية فى هذا الشأن.

 ●●●

كشفت الازمة السورية عن ملامح تغيرات مهمة فى السياسة الدولية. كشفت عن أن الرأى العام الغربى قد استقر مؤخرا على رفض التدخل العسكرى فى شئون الدول الاخرى. كشف ايضا عن انه فى غمرة التحولات الكبرى نحو انغماس أمريكا فى مشكلات آسيا والامن الآسيوى وخفض الانفاق العسكرى الأمريكى، بدأ الضعف يصيب نمط العلاقة الخاصة الذى تميزت به علاقات امريكا وبريطانيا حتى بتنا ترى بريطانيا تحاول التخلص من سياسة الدعم المطلق، والمسبق أحيانا، لكل قرار تتخذه واشنطن بالتدخل العسكرى فى دولة اخرى. وفى النهاية يبقى سؤال فى انتظار ما تسفر عنه أحداث الأيام القليلة القادمة، هل سيكون التدخل العسكرى الأمريكى فى سوريا خطوة تكتيكية كما قال أوباما تنتهى بتأديب النظام وتغيير ميزان القوة العسكرى، أم سيكون خطوة نحو عودة استراتيجية إلى الاهتمام بالشرق الأوسط على ضوء ما يمكن أن يسفر عنه من عمليات إبادة وترحيل وتغيير خرائط.؟

أخطأت إدارة أوباما أخلاقيا حين انتظرت عامين تعمدت خلالهما تعطيل التوصل إلى تسوية مناسبة، أو على الأقل لم تستخدم أرصدتها السياسية لإقناع روسيا بضرورة الضغط على حكومة الأسد. لقد أدار الرئيس أوباما ظهره للمذابح فى سوريا ولم يتدخل رغم وضوح الجانب الأخلاقى فى الأزمة. واشنطن مثل جميع أطراف الأزمة كانت تعلم منذ اليوم الأول أن استمرار الأزمة فى سوريا يهدد شعب سوريا وأمن الإقليم، وكانت تعلم أن المعارضة السورية بكل الدعم الذى حصلت عليه من أطراف عربية لن تهزم نظام الأسد. الأسد مثل غيره من حكام المنطقة كان يعلم أن الخط الأحمر الوحيد الذى لا يجوز له أن يتجاوزه هو أو ثوار سوريا وكل ثوار الربيع العربى، هذا الخط هو أمن إسرائيل. فهل يكون الأسد قد تجاوزه ونحن لا نعلم؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved