حتى لا تتكرر فى مصر تجربة احتكار السلطة.. مشرقيًا

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 5 ديسمبر 2012 - 8:25 ص بتوقيت القاهرة

يتابع المواطنون العرب خارج مصر وبقلق بالغ التطورات الخطيرة والمتسارعة التى شهدتها القاهرة فى الأيام القليلة الماضية، والتى شقت «الميدان» إلى معسكرين متواجهين مما يهدد الإنجاز الثورى العظيم بإسقاط الطغيان بمخاطر التعثر والضياع.

 

ذلك أن الآمال المعقودة على ثورة مصر جعلت العرب جميعاً يستعيدون الثقة بأنفسهم وبقدرتهم على بناء غدهم الأفضل عبر الثورة التى اجتمع فى ميدانها كل القوى السياسية، متجاوزين خلافاتهم العقائدية وانتماءاتهم الحزبية، مقدمين صورة بهية لقدرة الشعب على اختراق ما كان يبدو مستحيلاً.

 

ثم أن سلمية الثورة ونصاعة أهدافها وتكاتف القوى السياسية لإنجازها، كل ذلك قد أكد أهلية الشعب فى مصر لقيادة الأمة جميعاً نحو غدها الأفضل.

 

لكن التطورات التى توالت مؤخراً قد أكدت ما لا يحتاج إلى تأكيد من أن السلطة مفسدة، وأنها قد تتحول إلى مصدر للخطر الفعلى على وحدة الشعب وعلى ثورته البهية..

 

••• 

 

وكان المواطنون العرب يفترضون أن المآسى بل الكوارث القومية التى ضربت أقطاراً عربية أخرى، أبرزها سوريا، والتى تتهدد العراق ولبنان واليمن وليبيا وحتى تونس، ستنبه القوى السياسية فى مصر، وبالتحديد تلك التى ترفع الشعار الإسلامى، إلى مخاطر التفرد والانشقاق والتسبب فى تصدع الوحدة الوطنية التى تأكدت فى لحظة تاريخية مجيدة فحققت الإنجاز العظيم.

 

فهذه سوريا تكاد تغرق فى دماء شعبها، ويتهددها خطر تصدع الكيان «دولة فاشلة»، لان نظامها القائم ــ نظريا ــ على الحزب الواحد (وهذا اقصر طريق لحكم الرجل الواحد) قد انتهى إلى الافتراق عن مطامح الشعب ومطامحه وتحول إلى عقبة فى طريق تمكينه من حقوقه فى وطنه، وأولها حقه فى الحرية وفى ممارسة الديمقراطية وفى ان يكون مرجع القرار، بدل أن يظل هذا القرار حكراً على فئة أو جماعة أو حتى «الحزب القائد» فى عصر تهاوى الأحزاب العقائدية وافتضاح عجزها عن صياغة الغد الأفضل فى البلاد التى حكمتها أطول مما يجوز.

 

ومن قبل سوريا تجربة العراق فى ظل حكم صدام حسين الذى حول الحزب إلى «جهاز» من أجهزة مخابراته، وان ظل يرفع شعاراته الجذابة فى الوحدة والحرية والاشتراكية خداعاً للشعب وتمويهاً لجماهيره المتطلعة إلى غد أفضل فى ذلك البلد العربى الغنى بموارده الطبيعية وأهمها النفط فضلاً عن «سواد العراق» الذى كان ذات يوم بين أخضب أراضى الدنيا وأسخاها عطاء لأهله..

 

ثم هناك اليمن، جنوباً وشمالاً... فقد أدت هيمنة الحزب الواحد، بالانقلاب، على السلطة فى تلك «الدولة» التى استولدتها الصراعات الدولية فى جنوب اليمن تحت لافتة فخمة «جمهورية اليمن الديمقراطى» الى حرب أهلية فعلاً، بعد مسلسل من الحروب مع الشمال، وانتهى الأمر بمذبحة فى قصر الرئاسة ذهب ضحيته أكثر من عشرة آلاف قتيل.

 

•••

 

إن تجربة تفرد حزب او قائد فرد بالحكم تنتمى إلى عصر مضى، مع الأخذ بالاعتبار أن تلك الأحزاب لم تكن ترفع الشعار الدينى، بل تزعم أنها ــ تبنى مجتمعات الكفاية والعدل والمساواة بين مواطنيها واقتحام العصر بقدرات شعبها وقد تحرر من إسار طغيان من الإقطاع ــ دينيا أو سياسياً ــ أو الطبقة السياسية الفاسدة والمفسدة.

 

ولقد كانت تجربة «الميدان» فى مصر فريدة فى بابها: لقد انخرطت الملايين فى الثورة على الطغيان، وتكاتفت الجماهير متعددة الانتماء فكرياً وسياسياً فى مواجهة سلطة الفساد والانحراف السياسى ومصالحة العدو الإسرائيلى على حساب المصالح الوطنية لمصر.. ثم أنها واصلت نضالها بعد إسقاط الطاغية، فازدهرت آمال الناس بالتغيير سيما وان القوى السياسية، سواء العريقة أو الجديدة، والمنظمات الشبابية قد بثت فى «الميدان» روحها المتطلعة إلى غد أفضل ترى فى ذاتها الأهلية لأن تسهم فى بنائه.

 

وهكذا قدم «الميدان» تجربة فريدة بابها، كان «الشارع» فيها هو القاعدة وهو ارض التلاقى مع القادمين بأحلامهم، وهو منتدى الحوار حول الدستور، وحول صيغة الحكم المنشود بديلاً من الطغيان.

 

كانت شعارات «الميدان» تختصر صورة الغد المنشود. وكانت جماهير «الميدان» مجتمعة هى القوة الحاسمة فى إسقاط الطغيان. لم تفرقها الشعارات المتباينة والهتافات التمايزة، لأن الهدف كان يوحدها، والطموح إلى حكم وطنى جامع يوحد بين فرقها ومجموعاتها المتمايزة.

 

•••

 

هل من الضرورى التنبيه إلى أن الشعار الدينى ليس هو الإطار الجامع لمختلف قوى «الميدان»، والعديد منها لا يرى فيه الصياغة السياسية ألامثل للعهد الجديد؟

 

إن لكل تنظيم سياسى تاريخه. ولم تكن تنظيمات الإخوان المسلمين فى مختلف الدول العربية تمثل الأكثرية الشعبية المطلقة، بما فى ذلك مصر التى ولد فيها هذا التنظيم وتكامل بناؤه الفكرى والسياسى.

 

كذلك فلم يقدم هذا التنظيم تصوراً متكاملاً لبناء الدولة، بمعزل عن الشعارات التى لمعظمها طابع أخلاقى يغلب على الصياغة السياسية لبرنامج حكم.

 

وما من شك فى أن التصرفات «العصبية» التى صدرت عن قيادة هذا التنظيم قد صدمت جماهير «الميدان»، وكشفت نزعة كامنة إلى احتكار السلطة مستبعدة شركاء النضال ضد الطغيان الذين حصدوا، فى انتخابات الرئاسة، أضعاف مما جمعه مرشح الإخوان الذى غدا رئيسا لمصر وبالتالى لكل المصريين.

 

ولقد كان مأمولاً أن يكون «الإخوان» أكثر حرصا من التنظيمات السياسية على الوحدة الوطنية التى تجلت فى أروع صورها فى «الميدان»، خصوصاً وقد وصلوا إلى سدة السلطة وموقع القرار.

 

كذلك كان مأمولاً منهم، وهم التنظيم العريق، أن يكونوا أكثر انفتاحاً على مفاهيم العصر، وأكثر رحابة من أيام عملهم السرى، وأكثر استعداداً للشراكة مع رفاقهم فى «الميدان» فى مرحلة بناء العهد الجديد الذى لا يجوز لهم، حتى لو كانوا قادرين، على التفرد ببنائه.. فمصر أوسع من أن يستطيع استيعابها أى تنظيم مهما بلغ حجمه ومساحة تأييده الشعبى فى بلد يقترب عدد سكانه من التسعين مليوناً.

 

•••

 

وما زال العرب خارج مصر يأملون فى أن يعيد الإخوان النظر فى سياسة التفرد هذه التى من شأنها أن تغرى به النفوذ الأجنبى، فتتقدم بذريعة أنها تريد نجدته فى حين أن هدفها الحقيقى استرهانه.. وها حكاية قروض صندوق النقد الدولى والاتحاد الأوروبى وتحويلها إلى شروط سياسية تدق جرس الإنذار للحكم الذى استولده الميدان.

 

إن تجارب نظام الحزب الواحد فى الوطن العربى مدمرة، وشواهدها حاضرة ممثلة فى ضحاياها الذين يتجاوزون أى إحصاء، فضلاً عما أصاب وحدة الشعب من تصدع يدفع العراق وتدفع سوريا (واليمن) أكلافه الباهظة من حاضرها ومستقبلها.

 

إن التجارب قد علمت عرب المشرق، سوريا والعراق، أن الحزب الواحد اضعف من أن يحكم شعباً فيلبى احتياجاته فكرياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، مهما كانت كفاءة «كادراته» القيادية.. فكيف إذا كان قد استخصم سائر القوى التى كانت «حليفه» و«شريكه» فى إنجاز النصر العظيم؟.

 

ولقد تجلت فى تصريحات العديد من القياديين الإسلاميين، إخواناً وسلفيين، نوايا التفرد بالسلطة واستبعاد «الشركاء» بل والاندفاع إلى تخوينهم واتهامهم «بالتخابر مع جهات أجنبية»، وهذا ما يكشف أن الأسلوب ذاته هو المعتمد بين «المتفردين» سواء أكانوا بعثيين أم ماركسيين أم قوميين عربا أم إسلاميين.

 

وكما أن «انتصار» أحزاب الماضى، فى المشرق العربى، على الشركاء فى الثورة على أنظمة الطغيان، قد تحول إلى طغيان عندما تفرد واحتكر السلطة لمحازبيه، كذلك فإن مثل هذا الخطر يتهدد مصر فى حاضرها ومستقبلها، إذا تحكمت نزعة الاستئثار بالسلطة بتنظيم الإخوان.

 

•••

 

وفى أى حال فالإسلام أرحب من أن يستطيع احتكاره حزب، ثم إن الدين لم يكن برنامجاً للحكم فى أى بلد.. وحيث يتحكم الملوك وأشباههم برعاياهم باسم الدين فإن «المطاوعة»، وهم نسخة عصرية من جلاوزة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، هم الذين يقررون مدى عمق الإيمان فى صدر المسلم، ثم يحكمون عليه بالجلد أو بما هو اشق إن لم يعجبهم هندامه.

 

 

إن أمام تنظيم الإخوان، بعد، فرصة للتوكيد أنهم ليسوا راغبين فى احتكار السلطة، وليسوا «إقصائيين» لغيرهم من الشركاء فى الميدان، والذين كان بامكانهم الوصول إلى سدة الرئاسة لو أنهم توحدوا.. وبالتأكيد لو تحققت تلك الوحدة لكان مرشح تلك الجبهة قد صار رئيساً بأكثر من الأصوات التى نالها الرئيس محمد مرسى.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved