القاهرة المركز .. والغد العربى يطل منها

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 6 يوليه 2011 - 9:01 ص بتوقيت القاهرة

ترتفع الدعوة إلى الحوار بين الأنظمة العربية ومعارضيها بوصفها المخرج من الأزمة، فى مختلف أرجاء الوطن العربى.

إلى ما قبل شهور قليلة كانت المعارضات متعددة التوجه تشكو من أن أنظمة الاستبداد تفرض ولا تحاور.

أما الأنظمة التى كان عتوها يصيبها بالطرش فقد اضطرت، أخيرا، أن تسمع، وأخذت قبضاتها الحديدية تلين بفعل انهار الدم التى غمرت الشوارع، وتبدى استعدادها للحوار، بينما الرصاص ما زال يلعلع فى الساحات.

لم تتوقف الأنظمة عن قمع معارضيها، ولكنها عدلت فى لهجتها بعدما انتبهت إلى أن أعدادهم تملأ الشوارع وتستدعى انتباه الخارج، فأخذت تلمح إلى استعدادها للحوار بشرط أن توقف المعارضة تظاهراتها.

وهذا تطور جديد، بل هو طارئ على الحياة السياسية العربية، إذا ما افترضنا أن المجتمعات العربية قد عرفت السياسة ومارستها فعلا فى العقود الأخيرة.

لقد عاش الوطن العربى، بشعوبه جميعا دهورا من الخرس.

وحدهم أهل النظام كانوا يتمتعون بحق الكلام. وكانوا يتكلمون حين يرون ذلك مناسبا، فيجهرون بأنصاف حقائق بينما الصمت مفروض على معارضيهم، فإن همهم بعضهم أو غمغم كان مصيرهم الاعتقال المفتوح والسجن بموجب «حكم قضائى» ينسب إليه ما لم يفعله.. فلأهل النظام الحق فى «ترجمة» الهمهمة أو تفسير دلالات الغمغمة، وهم العارفون والعالمون بالنوايا وعليها يحكمون!

الآن يتناوب الناطقون باسم الحكام على إطلاق الدعوة إلى الحوار، ويقدمون المغريات لأهل المعارضة لقبولها بعدما استمروا ــ لدهر ــ يطلبون رأس المعارضة وينذرون بقطع ألسنتها إن هى نطقت، بينما يتردد المعارضون فى تلبية هذا النداء لأنهم يرونه مريبا، ويفترضون ــ بحكم التجربة ــ أنه يخفى كمينا، فى حين يذهب بعضهم إلى اعتبار الدعوة دليلا على ضعف النظام الذى قد يكون متهالكا وعلى وشك السقوط.. فلماذا التقدم لإنقاذه؟!

لقد انعدم النقاش السياسى لحقبة طويلة. وعاش الرعايا حالة من الخرس امتدت أكثر مما يجوز. وحده صوت الحاكم كان يلعلع فى المناسبات التى يختارها وحول مواضيع محددة يريد أن يقول فيها رأى نظامه. أما الشعب فكان مقموعا داخل سجن خوفه من الكلام تصريحا أو تلميحا.

فى حالات مشهودة تكررت فى العديد من أرجاء الوطن العربى، فإن الخرس قد أصاب العائلات فى بيوتها. كان أفراد العائلة يتحدثون فى مختلف شئونهم الخاصة، ويتجنبون الخوض فى المسائل العامة، سياسية كانت أم اقتصادية ام تربوية، ويشيرون إلى الحاكم بألقاب ابتدعوها حتى لا تطولهم الشبهة.

بل إن أفراد العائلة الواحدة كانوا يخافون بعضهم بعضا. وأكثر من أن تحصى هى الحالات التى اجبر فيها الابن أو (الابنة) على تقديم تقرير عن اتصالات الأب، أو الزوجة عن الزوج، أو الأم عن أبنائها.

كانت الصحف للحاكم وحده، وكذلك الإذاعات، مسموعة ومرئية.

أما الحيطان فلها آذان والعسس ــ بعيونه وآذانه ــ فى كل مكان،

وما يقال فى «الخارج» عن أحوال البلاد، على إطلاقه، بما فى ذلك الإحصائيات عن معدلات الفقر والبطالة وتدنى الدخل القومى، «مؤامرة» تستهدف تشويه صورة النظام وضرب العلاقة بينه وبين رعاياه المخلصين.. فإن استمع إليها بعض الرعايا وصدقوها وتداولوها فمعنى ذلك أنهم ضالعون فيها، وأنهم عملاء للأجنبى وجواسيس للخارج وناقصو الولاء الوطنى ويستحقون العقاب
!
أما الشارع فمسدود بالخوف: من نزل إليه اختفى، أو سيق إلى محاكمة التفتيش فى النوايا، وسيكون على أسرته أن تمضى زمنا طويلا فى قلب الخوف انتظارا لكلمة تطمئنها بأن تكشف لها معتقله والطريق اليه.. وثمن ذلك كله!

على هذا، فلقد كان الحوار مستحيلا، والهواء لصوت الحاكم وحده.

أما الحاكم، الذى غالبا ما كان يدعى انه وصل إلى سدة الحكم باسم الثورة على الفساد أو الطغيان، فهو المخلص. هو المحرر. هو المنقذ. هو القائد البطل الذى أعطى نفسه تفويضا باسم الشعب وناب عنه فى أداء المهمة المقدسة. وبالتالى فهو ممثل إرادة الأمة جميعا، لا شريك له ولا نائب له.. إلا صورته!

يمكن أن تنطبق هذه الحالة على معظم البلاد العربية من مصر إلى تونس إلى الجزائر فإلى ليبيا، ثم السودان، ومن سوريا إلى العراق ما قبل الاحتلال الأمريكى وصولا إلى اليمن، وقبل أن تقتحم البحرين المسرح مرة أخرى.

•••

من أين يبدأ الحوار، وكل المسائل معلقة منذ دهر، أو أن القرارات التى اتخذت حولها كانت خاطئة إلى حدود الانحراف بالوطن عن مساره وتهديده فى هويته، أو إلى حدود تدمير الدولة كمرجعية وطنية جامعة وموحدة؟!

ثم.. من يمثل الشعب فى الحوار؟!

إذا كان الحاكم قد تنازل ــ مضطرا ــ عن وحدانية تمثيله الأرض والشعب والدولة فمن يمثل أولئك الذين لم يعد الحاكم يمثلهم، فضلا عن أنه لم يكن يمثلهم بمجموعهم حقيقة، فى أى يوم؟!

المطالب معلنة ولكنها تستعصى على فهم النظام: الحرية، الديمقراطية، العدالة، وقف القمع، توفير الحلول للأزمة الاقتصادية ــ الاجتماعية التى فاقمت الفقر وسدت الأفق أمام حقوق الشباب فى المشاركة فى صنع مستقبل بلادهم، بل وحتى عن تأمين المستقبل الشخصى لكل منهم، بالغة ما بلغت كفاءتهم.

كان جواب النظام فى أكثر من بلد عربى، ردا على المطالبة بتوفير فرص العمل: إن شبابنا الأكفاء هم أغلى صادراتنا... إننا نصدر مهارات وكفاءات بأجور ممتازة، ونستقدم عمالة رخيصة تقوم بالأعمال التى لا تحتاج شهادات عليا، وهكذا نسند الاقتصاد الوطنى!

طيب.. على فرض أن النظام سلم بضرورة الإصلاح، فإن سؤاله التالى سوف يكون: من أين يبدأ الإصلاح والى أين تريدون الوصول به؟!

كيف يمكن تدوير زوايا الإصلاح وتحديد مداه حتى لا يرى فيه النظام اغتيالا لأهله وشطبا لدورهم التاريخى فى «بناء البلاد»؟!

نصف إصلاح لا يكفى.. ثم إن الإصلاح قد يلغى أو يحد من صلاحيات القائد التاريخى، المنقذ، المحرر، الذى لولاه لظل هؤلاء الذين يسبونه فى الشارع ويمزقون صوره ويطالبونه بالرحيل بدوا أجلافا وفلاحين قرويين وأميين أو أجراء مياومين أو خدما فى بيوت الوجاهات وقصور الأغنياء؟!

كيف يمكن تقزيم الرئيس ــ الرمز بحيث يصبح واحدا من كثرة أغلبيتها الساحقة من المعارضين الأشقياء والسفهاء والمتطاولين على تاريخه المجيد؟!

من يحاور من؟! أتريدون من الرئيس ــ القائد ــ المحرر ــ بانى النهضة أن يجلس بين هؤلاء الذين لا يتقنون غير الكلام وغير ابتداع الشعارات التحريضية وغير المس بالعائلة المقدسة، ويكون واحدا منهم، حتى لو جاملوه فاعتبروه متقدما بين متساوين؟!

أين منتصف الطريق بين الصح والخطأ؟!

أين يقع الافتراق بين النظام والدولة فيصبح إسقاط النظام ضرورة لإنقاذ الدولة وشعبها؟

وماذا لو اندفع النظام وقد أيقن انه إلى زوال، إلى تدمير الدولة؟ من أين ستطعم المعارضة جماهيرها الثائرة المنتشية برفع لوحاتها أو كفوف أيديها أو الزنود وقد كتبت عليها كلمة «ارحل!»؟

•••

هى مرحلة جديدة من التاريخ العربى، ليس لها مرجع محدد فى الماضى، أما المستقبل فيتوقف على نجاح الحركة الشعبية فى صنع الحاضر.

ولأن مصر، بحكم تجربتها الغنية ماضيا وحاضرا، وبحكم ثقلها وقدراتها التى لا ينقص منها واقع إنها ليست مترفة بمداخيل النفط، تعيش التجربة الأعظم فى الانتقال من ديكتاتورية الفرد وبطانته إلى ديمقراطية الشعب بمختلف تلاوينه واتجاهاته، المتطرف منها والمعتدل.

ولأن الحركة الشعبية فى مصر هى الأكثر غنى فى تعدد الأطراف التى ساهمت فى صنع الثورة، مع النجاح فى تحييد الجيش الذى ارتضى أن يتولى المسئولية عن إتمام المرحلة الانتقالية بنجاح، من دون أن تأخذ العزة بالإثم قيادته إلى طلب السلطة لنفسها أو لعسكرها..
ولأن هذه الحركة الشعبية فى مصر هى الأقرب إلى نموذج الثورة بتشكيلاتها المتنوعة والغنية بالتجارب، ومفتوحة على آفاق العصر، بالعلم، من دون أن تنسى تاريخ شعبها النضالى ومن دون أن تتنكر لماضيها الذى طالما تمثله سائر العرب فى أقطارهم...

لهذا كله يتطلع العرب إلى تجربة الثورة فى مصر باعتبارها طريقهم إلى الانتصار على ماضى القمع والعسف وتحكم الرأى الواحد بمصير البلاد والعباد.

مرة أخرى، يفرض القدر حتمية أن تقود مصر منطقتها جميعا.

لهذا يتابع العرب فى مختلف ديارهم، وعلى مدار الساعة، تفاصيل التطورات فى مصر، لأنهم يقرأون فيها طريقهم إلى مستقبلهم.

...والميدان هو صانع التاريخ، لا العواصم البعيدة!

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved