المسألة المصرية تزداد تعقيدًا

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الخميس 7 فبراير 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

لم يعد خافيا أن عددا من الدول يعيد النظر فى موقفه من مصر الإسلامية بخاصة ومن تيار الإسلام السياسى عامة، بعد فترة حظى فيها هذا التيار بقبول أمريكى وبفرص غير قليلة ليتمكن من ترسيخ قواعده. حانت الفرصة الأولى مع سقوط أنظمة استبدادية تحجرت فى الحكم وعطلت مسيرة التنمية ورفضت استباق الثورات بتبنى ما كان مطروحا من مبادرات تغيير وإصلاح.

 

استفاد من هذه الفرصة وغيرها جماعة الإخوان فى مصر. وأظن انه بالفائدة التى تحققت لها  ولحزب النهضة فى تونس تجدد الأمل فى عواصم عديدة وبخاصة فى واشنطن، من أن الفرص الأخرى  ستكلل أيضا بالنجاح مثل الفرصة الأولى. وبالفعل، انهمر سيل الاجتهادات الساعية إلى تطوير خطط الاستعداد للقبول بتيار الإسلام السياسى حاكما ومهيمنا على إقليم شاسع يضم دولا أغلب شعوبها من معتنقى الإسلام، وأغلب هذه الدول تخضع لحكومات وجدت صعوبة فى الانتقال بشعوبها إلى مرحلة جديدة تتوافر فيها الحريات والحقوق السياسية للمواطنين.

 

•••

 

كان يمكن ان يحقق هذا الدعم نقلة نوعية نحو الاستقرار لو أن  قمة  «النظام الإسلامى الحاكم»  فى مصر حاول ونجح فى  تطوير سلوكيات قادته بسرعة لتتناسب مع مجتمع يمر بظروف غير عادية ومتلهف على ثورة لا تريد أن تكتمل ويستعجل قطف ثمار عاش رجاله ونساؤه وشيوخه وشبابه فى انتظارها. يبدو واضحا  لى، ولآخرين يزداد عددهم كل يوم فى مصر وخارجها، ان قادة هذا النظام لم يستعدوا لاحتمال ان يتولوا مسئولية حكم مجتمع يمر بهذه الظروف المعقدة، وربما لم يستعدوا فى الأصل لاحتمال أن يتولوا مسئولية حكم مجتمع فى أى ظروف. يظن البعض، وله  العذر، أن نضالات هذه الجماعة وعذاباتها وصعودها وانحدارها  وأنشطتها كانت جميعها كتروس عجلة تدور فى مكانها، نفعها عائد لها وحدها وصوتها أعلى من فعلها.

 

•••

 

سمعت  مسئولا غربيا يشرح ويحلل ويبرر. قال «رهاننا كان على جماعة تحمل سمعة  دقة التنظيم وطول العمر والبراجماتية السياسية. كان الرهان أيضا على نسبة كبيرة من الشعب المصرى وشعوب عربية أخرى مستعدة لمنح جماعة الإخوان المسلمين فرصة لتحقيق استقرار بأسرع ما يمكن، وتفكيك الأزمة الاقتصادية تمهيدا لحلها، وكان الرهان كذلك على ان نجاح الإخوان فى مصر يؤهل مصر لتشييد نظام إقليمى إسلامى جديد دعائمه، هى  السمعة  التى قام عليها رهان  الغرب على حكم الإخوان فى مصر: استقرار سياسى سريع، حل المشكلات الاقتصادية، الهيمنة على القوى المتطرفة فى تيار الإسلام السياسى واخضاعها لقواعد جديدة فى السلوك السياسى».

 

•••

 

اشترك آخرون فى الحوار وبينهم خبير فى العلاقات الخارجية الأمريكية. علق معربا عن موافقته على تحليل المسئول الغربى ولكن معلنا أن هناك خيبة أمل، لم تصل بعد إلى حد اليأس وإن اقتربت بشدة. خاب الأمل فى واشنطن وربما فى برلين وباريس ولندن من أن قيادة  الإخوان فى مصر لم تطور لنفسها مدونة سلوك سياسى يساعد من فى الخارج كما من فى الداخل على التمييز بين إرادة الجماعة وإرادة  الحزب وإرادة حكومة الحزب وإرادة رئيس الدولة والجهاز المطوق له مباشرة. شرط استقرار العلاقات سواء الدبلوماسية أم الحزبية هو وضوح المسئوليات وحدودها.  

 

كثير من اللوم، وإن من النوع الناعم، يلقونه على الإخوان. يرددون أن  آمال الغرب تعلقت بهم  ليقودوا فى مصر وغيرها ملتزمين شروط الديمقراطية الغربية وحرية التجارة  والتحديث الدينى. ومع ذلك يعترف خبراء كثيرون فى الغرب بأنهم هم أنفسهم لم يتوقعوا أن الصعوبات ستكون إلى هذه الدرجة معقدة ومتشابكة.

 

  •••

 

 

لم يكن متصورا، ولم يتوقعوا، أن يكون الرأى العام فى مصر كما فى تونس معارضا التشدد فى تفسير الدين إلى هذه الدرجة. الشعبان متدينان وأثبتا هذا التمسك بالدين فى لحظات عصيبة من ثورتيهما، ولكن كلا منهما أثبت فى الوقت نفسه أنه غير مستعد للخضوع لسلطة دينية تستخدم أدوات السياسة لتفرض عليه فهما معينا للدين وتضيف تقليصا جديدا إلى حرياته المنقوصة أصلا.

 

أخطأ قادة الحزب المنبثق عن الجماعة، بل وأخطأ  قادة الجماعة أنفسهم، حين امتنعوا عن استخدام القوة المعنوية للجماعة فى الشارع، وللرد على الإساءات أو التفسيرات المتشددة والمثيرة للفتنة التى أطلقتها قوى إسلامية متطرفة. كان من الممكن أن يحقق الإخوان خطوة متقدمة نحو الاستقرار لو أنهم تحملوا مسئولية تنحية الشوائب التى دخلت حديثا على  الدين الإسلامى  وإعادة تقديمه فى صورة بهية تفيدهم كحزب فى السلطة وتعينهم على خصومهم  فى تيار الإسلام السياسى المتأهبين للقفز على السلطة.

 

•••

 

كان معروفا أن مؤسسات الدولة المصرية راسخة حتى وإن كان أداؤها تدنى إلى ما تحت المستوى المقبول. كان معروفا  أنها ستقاوم التغيير ما استطاعت إلى ذلك سبيلا مشروعا أو غير مشروع. كان هناك من تصور أنها إذا شعرت برياح التغيير تهدد محيطها ومصالحها  وقلاعها فإنها لن تتردد فى استخدام أبشع صور التدخل فى الحياة السياسية المصرية لوقف وصول هذه الرياح إليها أو لمنعها عند المصدر.

 

هنا أيضا أخطأ الحزب الإسلامى الحاكم، وأخطأت الجماعة التى استثمرت براجماتيتها خلال الفترة الأخيرة، أى منذ نشوب الثورة، إلى حدود قصوى.  أخطأت حين تحالفت مع بعض هذه المؤسسات ضد قوى التغيير، أى ضد الثورة، وهى الآن تدفع ثمن هذا الخطأ الفاحش بفشلها فى وضع صيغة  «تحالف ثورى» يضمها إلى قوى الثورة الأخرى، لرسم معالم نظام سياسى مستقر، أو على الأقل رسم معالم طريق لمرحلة انتقالية سلمية وايجابية.

 

•••

 

كان معروفا أيضا أن هناك ندرة شديدة فى القيادات السياسية القادرة على تسيير دولة، فما  البال  بدولة فى حالة ثورة. أسباب شح القيادات واضحة وتعود إلى سنوات جدب سياسى عديدة. هنا أيضا لم يكن من المتصور أن تصل الندرة  إلى درجة تسببت فى أن تفلت من أيادى النخبة السياسية غير المندرجة فى تيار الإسلام السياسى الفرصة الذهبية لتتقدم الصفوف وتستولى على مقاليد الحكم من حزب خاضع لجماعة تطل عليهم من خارج النظام السياسى. حاولوا الالتئام ولم يفلحوا. حاولوا الائتلاف وفشلوا. حاولوا إقامة جبهة تتفاوض وخابوا. حانت فرصة ثانية أتاحها الهبوط الشنيع فى شعبية رئيس الدولة، رمز الجماعة والحزب وتيار الإسلام السياسى بأسره، ليختاروا من بينهم من يكون له بين الناس قبول أوفر، فيقود ويفاوض ويتزعم ويتكلم مع الغرب والعرب ومع العالم الأوسع.

 

    لم يكن متصورا أن تكون فى مصر نخبة سياسية لا يقدم أعضاؤها أو أحزابها أفكارا وبدائل لحل قضايا هى الأخطر فى تاريخ مصر. عشنا لنرى نخبة فى ثورة لا تطرح رؤى ثورية وتتعامل بمنطق الاستقرار فى بيئة غير مستقرة. تتعامل مع مشكلات الشعب الثائر بالوعود وبالقطعة وبيد رخوة داخل  قفاز ناعم. يقول الباحث المتخصص فى شئوننا إن هذه النخبة، بأوضاعها الراهنة وأوجه قصورها المتعددة وخلافاتها، لا تصلح بأى شكل لمواجهة عناد المؤسسات العتيدة التى ترفض أن تستجيب لمطالب التغيير ومنطق الثورة، الأمر الذى يجعل الميادين والشوارع البديل الأوحد  لمواجهة المؤسسات المناهضة للتغيير والتيار المناهض للحداثة والتنوير فى آن واحد.

 

•••

 

عندما نعرف أن  مراكز صنع السياسة فى الخارج  توصلت إلى هذه النتيجة  لا يحق لنا أن نتفاجأ بأن دولا عديدة، وبخاصة فى الغرب، تعيد النظر فى مواقفها من مصر تحت حكم تيار الإسلام السياسى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved